شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
خوفي هذا كان للمرة الأولى طازجاً

خوفي هذا كان للمرة الأولى طازجاً

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

وأخيراً، تواجدتُ في مكان الحدث لحظة وقوعه. كنت نائمة فأيقظني.

للمرة الأولى منذ 2003 لا تصلني الأخبار من بعيد، بل أكون في قلبها ومصدرها، أو على الأقل أحد مصادرها، وتحديداً من سرير غرفتي، في الطابق الثاني من بيت العائلة المؤلف من طابقين.

للمرة الأولى منذ 2003 لا تصلني الأخبار من بعيد، بل أكون في قلبها ومصدرها.

الهزّة التي أيقظتني وأرعبتني عند الساعة 3:20 من فجر يوم الاثنين 6 شباط، أيقظت وأرعبت الكثيرين غيري. للأسف، الآلاف لم يسلموا من الهزة، ولم تسلم بيوتهم، تحديداً في تركيا حيث وقع الزلزال المسبّب للهزة بدرجة 7.8 بمقياس ريختر، والأماكن الأقرب إليها من لبنان وجنوبه، حيث أعيش، أي مناطق عديدة في سوريا.

هذا ما تمكنت من رصده في الدقائق والساعات القليلة التالية للاستيقاظ المرعب، وفي اليوم التالي تكشّفت بوضوح أكبر الآثار والخسائر الكارثية التي لا يأتي خوفي القصير بشيء يذكر أمامها.

علمت لاحقاً أن زمن استمرار الهزة كان 40 ثانية، على الأرجح أني استيقظت بعد مرور أول 10 ثوانٍ، وبقيت مستيقظة ثواني طويلة بعد الـ 30 ثانية المتبقية من مدة الهزة. في الثواني الأولى بعد الاستيقاظ، ظننت أن كلبتي جينجر جاءت إلى غرفتي، وهي التي تهزّ سريري عاجزةً بسبب العتمة عن الصعود للنوم قربي كما تفعل عادةً لتحتمي بي (لا أعرف كيف سأحميها) عندما ترعد السماء وتبرق.

ناديتها باسمها كي تتوقف عن الهزّ وتتبع مصدر صوتي فتقفز نحوي، لكنها لم تقفز ولم تكن أصلاً في الغرفة، والهزّ استمر والخوف أيضاً... وسمعت أنين البيت.

لا أتجرّأ على مقارنة خوفي بخوف الذين كانوا حيث وقع الزلزال أو الذين كانوا أقرب له مني، ففي كل دقيقة أعرف وأشاهد ما يجعلني أخجل حتى من أني تجرأت على الخوف وأنا البعيدة مئات الكيلومترات عن الكارثة ومأساتها

لا أتجرّأ على مقارنة خوفي بخوف الذين كانوا حيث وقع الزلزال أو الذين كانوا أقرب له مني، ففي كل دقيقة أعرف وأشاهد ما يجعلني أخجل حتى من أني تجرأت على الخوف وأنا البعيدة مئات الكيلومترات عن الكارثة ومأساتها.

ولكن أجد أيضاً أنه لا يمكنني مقارنة شعور الخوف الذي اختبرته بأي شعور خوف سابق لي، ذلك أن كل مشاعر الخوف الجماعي التي اختبرها سابقاً كلّ من أعرفهم، جرّاء الكوارث (الأمنية والطبيعية) التي مرّت على لبنان (اغتيال الحريري 2005، اغتيال سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني 2005، حرب تموز 2006، القمصان السود/7 أيار 2007، اندلاع انتفاضة 2019، تفجير 4 آب 2020، كورونا 2020) لم تمرّ عليّ، ولم أختبرها معهم، كوني كنت خارج البلاد لفترة زمنية طويلة خلت من الرّعب المباشر الذي يعيشه المرعوب لحظة الكارثة.

كل الأخبار التي تلي الكوارث كانت تصلني من بعيد، وتصلني مشاعر الخوف نقلاً عنهم، فأشعر به بصوتهم وبسحناتهم وملامحهم وسكوتهم وصراخهم وأعينهم ودمائهم. وبالمقارنة كان خوفي بشأن ما عانوه بغيابي أخف وطأة من خوفهم لحظة وقوع الكوارث، إلا هذه المرة.

لم يتصدع البيت، لم ينكسر الزجاج، لم أنهر، لم أبكِ ولم أُصب: فقط خفت أن يحصل لي أي من هذا أو كله، وخفت أن أموت، وخوفي هذا كان للمرة الأولى طازجاً

برغم قصر المدة، إلا أن خوفي كان كثيفاً. فخلال الخوف لا نعرف كم سيدوم؛ فنخاف من احتمال أن يكون خوفاً طويلاً، وأن تتبعه إصابة أو ألم، أو أن تكون لحظة الخوف الراهنة هي الأخيرة. خوف أكّد لي أنني هنا على غير العادة، وأن الخوف الذي يصيبني يصيب الآخرين في اللحظة نفسها وليس بمفعول رجعي. خوف رافقه رغبة، بل حاجة بألا أكون وحدي كي أتأكد أكثر أنني هنا. فوجدتني في آخر ثواني الهزة الثلاثين أو عقبها بثوان قليلة أتواصل فيسبوكياً مناجية المستيقظين، أو من استيقظ على قوة الهزة مثلي، وبطبيعة الحال مع من خاف مثلي.

 لا نعرف كم سيدوم الخوف؛ فنخاف من احتمال أن يكون خوفاً طويلاً، وأن تتبعه إصابة أو ألم، أو أن تكون لحظة الخوف الراهنة هي الأخيرة.

أردت أن أسارع بالإبلاغ عن الخبر؛ أن أكون مصدره لمزيد من التأكيد لنفسي أنني مع الخائفين هذه المرة. أنا هنا فعلاً وهذه فرصتي الأولى كي أُثبت وجودي وأوثّقه، فلا أكون دخيلة على الخوف ولا أكون بعيدة عمّن كنت بعيدة عنهم وعن خوفهم لفترة طويلة. أي تأخير سيجعل فرصة غيري أكبر بنقل الخبر لي، فيقلّل من فرصة تأكيدي أنني هنا ومع من هنا خلال حدث، حتى وإن كان كارثة، بل تحديداً إن كان كارثة.

اليوم أنا سأنقل الخبر كَوني جزءاً منه ولست فقط ناقلة متأخرة له. اليوم أنا أعيش هنا، وأعيش كوارث هنا. لم أعد ضيفة ولا سائحة والخوف أًصبح يصيبني لحظة إصابتكم به فأتقاسمه معكم لحظة وقوعه علّ حصة كلّ منكم تصغر.

بخجل أقول: كنت من المحظوظين، وتبين لي لاحقاً أنني كنت بعيدة جداً عن أن يصيبني أي مكروه. لم يتصدع البيـت، لم ينكسر الزجاج، لم أنهر، لم أبكِ ولم أُصب: فقط خفت أن يحصل لي أي من هذا أو كله، وخفت أن أموت، وخوفي هذا كان للمرة الأولى طازجاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard