سوريون في جنوب تركيا نجوا من الزلزال... ولم ينجوا من العنصرية

سوريون في جنوب تركيا نجوا من الزلزال... ولم ينجوا من العنصرية

"هاجمني شبان أتراك لأنني أتحدث العربية، وأنا في بث مباشر لإحدى القنوات الإخبارية، وطالبوني بإغلاق هاتفي وسألوني ماذا أفعل هنا، وفي الوقت الذي كانت تحصل فيه عمليات توقيف وتفتيش من قبل السلطات الأمنية، تكرر السؤال نفسه في أكثر من مكان كنت فيه: ماذا تفعل هنا؟ ولماذا أنت هنا؟"؛ هكذا يروي الناشط والصحافي السوري عهد صليبي، الذي وصل إلى أنطاكيا في ثاني أيام الزلزال للمساعدة في عمليات الإنقاذ، لرصيف22، كيف هو وغيره من الشباب السوريين "طُردوا من أنطاكيا لأنهم سوريون"، مشيراً إلى تعرضه للإهانة من قبل جهات حكومية مختلفة وغيرها، فيما شاهد بنفسه أن سوريين آخرين قد تعرضوا للضرب المبرح، بحسب قوله.

وسط الكمّ الكبير من الدمار الذي يلفّ المدن التي ضربها زلزال 6 شباط/ فبراير في جنوب تركيا، حيث وصل عدد القتلى إلى ما يفوق 40 ألف قتيل، وفق البيانات الرسمية التركية، وحال الخوف والقلق والنزوح والتفلّت الأمني وإعلان حالة الطوارئ، يعاني آلاف السوريين المتواجدين في تلك المناطق من عنصرية لم يكن ربما متوقعاً أن تحضر إلى جانب الموت في أثناء كارثة طبيعية، لا تفرّق بين جنس وعرق، فالزلزال لم يختَر أن يهدم بناء شخص ما لجنسيته أو لكونه لاجئاً هارباً من الموت في بلاده.

تحدث مئات السوريين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عمّا تعرضوا له من تمييز وصل إلى الاعتقال والضرب

وتحدث مئات السوريين، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أم في الغرف والمجموعات الخاصة في "واتس آب" أو "تلغرام" وغيرها من تطبيقات، عمّا تعرضوا له من تمييز وصل إلى الاعتقال والضرب. وبرغم أن الحديث عن العنصرية ضد السوريين ليس جديداً إذ ساد خلال الأشهر الأخيرة ضد نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد والاستقطاب السياسي المرتبط باقتراب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والتي توصف بدورها بأنها الأهم في تاريخ تركيا الحديث، إلا أن وجود هذه المواقف العنصرية في أثناء كارثة إنسانية أمر كان من الصعب تصديقه.

خطاب الكراهية الممتد

منذ اليوم الأول للكارثة توجه مئات السوريين والعرب من الولايات التركية المختلفة إلى مدن الجنوب التركي المتضررة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، سواء عبر التعامل مع الأنقاض أو توزيع المساعدات أو غيرهما، خاصةً أن هذه المدن تشهد تواجداً سورياً كثيفاً، إذ يتواجد في مدينة غازي عنتاب وحدها 462 ألفاً و897 سورياً، وفي هاتاي 433 ألفاً و124 سورياً، وفي أضنة 430 ألفاً وفق إدارة الهجرة التركية.

ولم تقتصر المواقف العنصرية على مدينة أنطاكيا فقط، إذ يبدو أن السلطات التركية تحاول تلافي أي مشكلات في وقت الكارثة، ويروي أحمد محمود لرصيف22، أن مدينة الريحانية جنوب تركيا "شهدت بالفعل تواجد الخيام والمواد الإغاثية، لكن رئيس البلدية جمع عدداً من السوريين وتحدث عن فصلهم عن الأتراك منعاً للاحتكاك الذي قدّ يولد المشكلات في الظروف الحالية"، مضيفاً: "طالبنا نحن بالمساعدة ما دفع العديد من السوريين لإنشاء مطابخ لتقديم الوجبات السريعة للمتضررين".

والحديث عن المواقف العنصرية والخوف الذي غزا السوريين في الأيام الأخيرة، لم يكن من ناشطين أو منظمات أو حتى مواطنين سوريين عاديين فقط، بل كذلك من ناشطين وصحافيين أتراك أيضاً، وهو ما يؤكد الأمر بشكل قاطع، إذ قال المغنّي التركي محمد علي أصلان، في تغريدة على "تويتر"، إنه "التقى بسوريين رفضوا تلقّي أي مساعدات أو التعبير عن احتياجاتهم كي لا يتعرضوا لأي أضرار"، معرباً عن "خجله الشديد لعدم تمكّنهم من مقاومة الأجواء العنصرية".

كما اعتقلت السلطات الأمنية التركية 17 شخصاً من مشجعي نادي بشكتاش التركي، بتهمة التحريض على العنف، وذلك على خلفية انتشار تسجيل مصور دعوا فيه إلى العنف ضد اللاجئين السوريين والأفغان، ما دعا رابطة مشجعي النادي إلى إصدار بيان تنصّلت فيه من سلوكيات مشجعين ذهبوا لدعم جهود الإنقاذ.

هاجمني شبان أتراك لأنني أتحدث العربية، وأنا في بث مباشر لإحدى القنوات الإخبارية، وطالبوني بإغلاق هاتفي وسألوني ماذا أفعل هنا. لقد طردونا من أنطاكيا لأننا سوريون

هذه التحركات الشعبوية لا تأتي من دون سند سياسي واضح من شخصيات لها وزنها في الحياة السياسية التركية، وذلك عبر تصريحات متعددة جاء أبرزها من السياسي التركي المعادي للّاجئين ورئيس حزب النصر، أوميت أوزداغ، الذي قال إن "السوريين نهبوا منطقة سامانداغ التابعة لولاية هاتاي"، قبل أن ينفي رئيس فرع الحزب في المنطقة نفسها، صبحي يلدز، الأمر بشكل قاطع.

كذلك، غرّد رئيس تيار "وطن" محرم أنجة، على تويتر التالي: "وفي الوقت الذي تتعامل فيه فرق الإنقاذ مع كارثة الزلزال، الحدود التركية مفتوحة أمام السوريين لدخول البلاد، أنا قلق على 85 مليون تركي"، وهو ما استدعى ردوداً فوريةً من الناشطين السوريين على التغريدة نفسها.

ولم يقتصر الأمر فعلياً على شخصيات سياسية، بل امتد الأمر إلى رئيس نادي هاتاي سبور لكرة القدم، الذي اتّهم السوريين بسرقة المواد الإغاثية وهدّدهم.

منع دخول مراكز الإيواء

يقول هاشم، وهو أحد المتطوعين للمساهمة في جهود الإنقاذ (رفض الكشف عن اسمه الكامل)، إنه اشتبك لفظياً مع الشرطة التركية عقب اتهامه بالسرقة في أثناء محاولته العثور على أحد أقاربه تحت الأنقاض.

ويروي ما حصل معه لرصيف22: "عثرنا على إحدى أقاربنا تحت الأنقاض، وكان في يديها بعض الذهب، وكانت الوصية من أهلنا الاحتفاظ بأي ذكرى من هناك، فاشتكى علينا أحد الجيران لقوات الجندرمة، وتحدثوا معنا قبل وصول قوات الشرطة التي تحدثت بدورها مع الجندرمة التي قالت إنها تشتبه فينا، ما دفع ضابط الشرطة للاشتباك لفظياً معنا قبل أن يتأكد حتى من أوراقنا الثبوتية، علماً أن عدد أقاربي الذين ماتوا تحت الأنقاض في ذلك البناء 13 شخصاً، هذا كله قبل أن يعتدى عليّ بالضرب".

ويضيف الشاب أن تعامل الشرطة "كان لأننا سوريون ولا لشيء آخر. جاء الشرطي من دون أن يهتم بأي شيء سوى الاعتداء علينا".

المواقف العنصرية التي تعرض لها السوريون لم تقتصر على المتطوعين بل شملت ضحايا الكارثة، إذ طُرد سوريون من مراكز الإيواء لأن "الأولوية للأتراك".

 اعتقلت السلطات الأمنية التركية 17 شخصاً من مشجعي نادي بشكتاش التركي، إثر تسجيل مصور دعوا فيه إلى العنف ضد اللاجئين

محمد الذي فضل عدم ذكر اسمه الكامل، خوفاً من تعبات ذلك كما يقول، لم يتعرض لحوادث عنصرية في أثناء عمليات الانقاذ إلا أن الأمر كان مختلفاً في أثناء البحث عن مأوى، إذ يشير إلى أنه وعائلته توجهوا إلى مخيم "نيزيب" بالقرب من مدينة غازي عنتاب الذي أفرغ من اللاجئين في عام 2019، إلا أن المشرفين على المخيم قاموا بطرده منه، هو وسوريين آخرين تحت ذريعة أنه للأتراك فقط.

وكانت صحيفة "قرار" التركية قد ذكرت أن عدد ضحايا الزلزال من السوريين في تركيا وصل إلى ستة آلاف ومئة ضحية تقريباً، فيما تفاعل آلاف السوريين مع الكارثة ولم تقتصر جهودهم على التوجه إلى المناطق المنكوبة، بل كذلك شاركوا بشكل فعّال في حملة التبرعات الشعبية الضخمة التي بُثّت عبر أكثر من 100 وسيلة إعلام تركية، وجمعت أكثر من 6 مليارات دولار، إذ أعلن رجل الأعمال السوري بلال ساغر عن التبرع بـ30 مليون ليرة تركية، فيما تبرع رجل الأعمال علاء الدين مسّاح، بمليون ليرة التركية.

وكانت السلطات التركية قد أعلنت السماح للسوريين من حملة بطاقات الحماية المؤقتة في المناطق المنكوبة بالمغادرة إلى بلادهم لفترة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد عن ستة أشهر، وذلك نتيجة الضغط الكبير على مراكز الإيواء.

العنصرية زمن الكارثة

يبدو من الغريب أن يهتم أشخاص وسط كارثة كبرى مثل الزلزال، بوجود شخص أجنبي إلى جانبهم، مهما بلغت درجة العنصرية الموجودة لديهم، خاصةً مع حجم الكارثة التي أدت إلى فقدان آلاف الضحايا وأضرار بالغة في البنية التحتية، دعت السلطات التركية لإعلان المدن التي ضربها الزلزال مدناً منكوبةً.

ويفسر الباحث الاجتماعي صفوان موشلي، الأمر بأن "الإنسان الذي يتعرض للكارثة قد لا يستطيع السيطرة على شعوره الآني وقد يتصرف بطريقة مغايرة لما اعتاد عليه، وقد يؤدي شعور الصدمة إلى زيادة التصرفات العنصرية ويتناسى الكارثة الآنية".

ويضيف موشلي، في حديثه إلى رصيف22، أن الكارثة قد تتعدى قدرة التحمل، وتضع ضغطاً على البنية المجتمعية تدفعها باتجاه "السيولة" وإعادة التشكيل وقد يتبنى الشخص قيماً جديدةً تماماً غير تلك التي اعتاد عليها، أو يزداد تعصبه لأفكاره المسبقة، لذا نجد في أوقات الكوارث الطبيعية أن أعداد المؤمنين بالأديان تزداد وكذلك العكس".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard