شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"أسطورة" الحشاشين الصوفيين الأوائل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 17 فبراير 202303:02 م

شاهدت فيلماً وثائقياً على نتفليكس، ولم أصدق ما أرى أو أسمع. فمثل تلك الجمل والعبارات طالما قرأتها على لسان أشخاص مجهولين على موقع ريديت، أو على بعض المنصات الراديكالية في أمريكا، عن الخراب الذي حل في جماعة الفنانين والنشطاء بعد قرارات الرئيس الأمريكي نيكسون بتشديد عقوبة تناول الحشيش ومواد أخرى. ظاهرة الرحمة وباطنها العذاب، كما يقول أجدادنا العرب.

رأى الفيلم بشكل يكاد يتماهى مع رؤية الهيبيين أن الغرض من حظر مخدر الحشيش هو الحفاظ على امتيازات العرق الأنكلوساكسوني الأبيض، وأن الحشيش يجعل البيض يصاحبون ويراقصون السود، ويمتزجون معهم.

عرض الفيلم تسجيلاً صوتياً للرئيس الأمريكي الأسبق، يلعن فيه الهيبيين بطريقة تكاد تذكرنا بنظرية المؤامرة الرائجة بين محافظين عرب، إذ شن هجوماً حاداً على اليهود، واعتبر أنهم يسعون إلى تخريب الثقافة الأمريكية المميزة عبر نشر المخدرات بين الشباب.

"كان الحشيش بالنسبة للصوفيين وسيلةً لتحفيز الوحي الروحاني، وشكلاً من أشكال التقدير للطبيعة الإلهية. وكتب ناقد مسلم (لم يذكر الباحث اسمه) أن أكل الحشيش عبادة"... من كتاب "أول 12 ألف عام من الماريجوانا"

السؤال الذي من المفترض أن يطرح نفسه هنا، إن كان للماريجوانا هذا التأثير العنيف على الثقافة الأمريكية الرسمية، ألا يكون لها أثراً مماثلاً أو أكبر في تاريخنا العربي والإسلامي،  ونبتة القنب تناولها جماعات من العرب الصوفية أو ما كان يطلق عليهم بشكل يحمل من الوصمة والتدني الشيء الكثير "العوام"؟

هذا التأثير الراديكالي للقنب، وهو في الأساس شرق أوسطي، يمكن أن نقول إنه عربي أو فارسي أو مصري أو خراساني. كيف غيرت تلك العقاقير من سلوكيات أصحابها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

البحث عن إجابة

بحثت كثيراً بين الكتب التاريخية بلا إجابات شافية. بالعكس وجدت إجابات شديدة التأثر بالإحساس الفقهي المتسلط الممزوج بالرؤية الاستعمارية، التي لم تر أجسادنا سوى عمال وفلاحين، لا يحق لها الانتشاء. لذا ليس غريباً أن يكون التحريم القانوني جاء بعد ضغط الفقهاء المسلمين ولكن برؤية استعمارية.

هنا، كالعادة، حملت ما في قلبي من ألم وإحباط وغيرت لغة الكيبورد إلى الإنكليزية، باحثاً بين الكتب الناطقة أو المترجمة إلى الإنكليزية عن إجابة طويلة، وعميقة، محملة بالأدب وأنفاس التمرد والثروة، تشبع فضولي المعرفي.

وأنا أبحث بين النتائج، تذكرت محادثة دارت بيني وبين باحث صوفي أكن له الحب والتقدير لشجاعته وكتابته وجهده المضني الذي لا كلل فيه ولا انقطاع في الترويج لأفكار الصوفية بنفس جريء بين المثقفين والأدباء والشغوفين بهذا المجال.

حدثت الباحث عن السيد أحمد البدوي والمخدرات، بالأخص الحشيش، سألته إذا ما كان للحشيش أن ينتشر بين عوام الناس التي تتردد على الموالد الصوفية في مصر، علماً أن العديد من رجالات الصوفية تناولوه (ضربوه).

أليس ذلك يستتبع تحرراً سلوكياً يخص الجنس والتعامل مع الأمور الفقهية والدينية، خاصة أن تلك الموالد فيها من الاختلاط بين الجنسين ما فيها، وذكّرته بما قرأته عن نظام المواخاة المعمول بين صوفيي المغرب الأقصى، أي أن يكون لكل صوفيٍّ رجلٍ أختٌ قرينة له من النساء، يجوز ويحل له ما يحل بين الأخ وأخته.

لم يتركني الباحث الصوفي أن أكمل حديثي، راداً أن ما أقوله فإن السيد البدوي والصوفيين منه براء، معدداً الكثير من المراجع التي تناولت هذه القضية بشبه إجماع على أن ما ذكرته هو شائعات مغرضة، هدفها النيل من مصداقية الصوفية.

عثرت على كتاب: MARIHUANA The First Twelve Thousand Years، أو "أول 12 ألف عام من الماريجوانا" لأبل إرنست، الباحث الكندي في مجال الإدمان والكحوليات.

بغض النظر عن دقة المعلومات، وفيها ما فيها من أمانة البحث العلمي المحمل بقليل من انحيازات الباحث الأخلاقية والمعرفية والتاريخية، ولكني للمرة الأولى أقرأ سردية عن الحشيش متطبعة مع العناصر الثقافية والإبداعية والأخلاقية التي يمكن لهذا العقار أن يتركها في نفوس مستهلكيه.

1 - أسطورة الحشاش العربي الأول

يروي الباحث قصة يصفها بالملفقة والأسطورية، ولكنها تجسد ما يمكن أن تتداوله جماعات الصوفيين الحشاشين الأوائل، شبهها بحركة الهيبية الأمريكية. يقول: "قلائل هم الذين يعرفون العربي الأول الذي اكتشف الخصائص المذهلة للحشيش، ومع ذلك فالأساطير تعوض هذا النقص، وتحل محل الذكريات الغائبة، التي ألقيت في غياهب النسيان لدهر من الزمان. مثل قصة حيدر مع الحشيش، وهو فارسي".

بحسب الأسطورة، كما رواها الباحث، عاش الشيخ حيدر راهباً زاهداً في معبد بناه في جبال بخُراسان (شرق إيران)، عشر سنوات قضاها في ملاذه السعيد، البعيد، لم يغادره مرة، ولم يره أحد سوى تلاميذه.

وفي أحد أيام الصيف الحارة، اجتاحت حيدر مشاعرُ اكتئاب، وقرر للمرة الأولى أن يترك "ديره"، ويتجول في الحقول وحيداً، وغاب عن تلاميذه طويلاً، إلى الدرجة التي أثارت استياءهم، ولكنه عندما عاد، لاحظوا مزاجاً غريباً من السعادة في نفس معلمهم، وسمح لهم بأن يدخلوا غرفته الشخصية للمرة الأولى.

للأمانة، أمتعتني مفردات الباحث في سرده للقصة، يكتب: "عندما استمع أتباع حيدر لقصة هذا النبات الرائع، رغبوا في مشاركة سيدهم التجربة، وناشدوه أن يريهم هذا النبات الغريب".

تحكي الأسطورة أن حيدر عاش عشر سنوات أخرى، وزُعم أنه كان يعيش على أوراق القنب في أواخر حياته حتى وفاته عام 1221، وطلب من أتباعه زرع القنب حول قبره.

ينهي الباحث الحكاية، كاتباً: "هذه هي أسطورة حيدر واكتشافه لقوة الحشيش، قصة بسيطة، ممتعة، ومسلية، ولكنها بالطبع ملفقة".

2 - الطب العربي والحشيش

يذكر الباحث أن الحشيش كان معروفاً عند العرب قبل فترة طويلة من اكتشافه الأسطوري على يد الزاهد الصوفي حيدر، واستعرض أوصافاً للحشيش وردت على ألسنتهم، اختزلها بأنها تبدو مثل "رائحة الموت"، إذ تصيب العينين بالتهاب حاد، ويفقد المرء قدرته على الرؤية، ولا يستطيع أن يتفوه بما يرغب، وقد ينتهي به الأمر إلى الموت.

وذكر طبيب عربي آخر أن الحشيش يحدث القلق العنيف، والإغماء، ويمرض صاحبه مرضاً لا شفاء منه، ولا علاج، إلا إذا شاء الله أن ينقذه.

وخص الباحث ابن وحشية، الذي يحكى عنه في الطب ما يحكى، وأنه كان ملماً بالهيروغليفية، وذهب البعض إلى أنه أول من فك شفرات تلك اللغة، وكتب عنه أنه كان أكثر من جاهل بالخصائص التي يمكن التعرف إليها في نبتة الحشيش، ولكن كان ذا دراية ببعض آثاره السطحية، والبسيطة بشكل عام. ويوجز الكاتب رؤيته: "معظم ما قاله ابن وحشية (عن الحشيش) مأخوذ عن الدجالين".

3 - الحشيش والحقيقة الإلهية

يستعرض الكاتب الحركة الصوفية في معلومات قد تكون مجهولة للقراء غير العرب، ولكنها باتت "كليشيه" للعرب متوسطي الثقافة، مثل أن الصوفيين بدلاً من ارتداء القطن ارتدوا الصوف، وأدان المشايخ والعلماء ذلك، لأنهم اعتقدوا أنه تقليد ليسوع المسيح بدلاً من محمد، الذي ارتدى القطن، على حد زعم الباحث.

مشايخ الصوفية الأوائل كانوا متشددين في عقيدتهم، ولكن خلفاءهم والأعضاء الجدد الذين فتنوا بالحركة كانوا أكثر جرأة وتحدياً للأصولية الإسلامية، ومعظمهم جاؤوا من طبقات دنيا ومتوسطة، لذا نظرت النخب والسلطات إلى هؤلاء بعين ملؤها الشك وانعدام الثقة.

 "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت"

لم يمل المشايخ والفقهاء ورجالات الدين إلى الصوفيين، والسبب فلسفتهم التي تتبنى مقاربة الحقيقة الإلهية بلا وسيط، أي التواصل مع الله مباشرة بلا الحاجة إلى فقيه أو عالم أو حتى آثار دينية، وكما يقول أبو يزيد البَسطامي: "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت".

يحكي الباحث: "إحدى الطرق التي شجعت الصوفيين على تحقيق هذه الاستبصارات الروحانية كانت عبر النشوة المستثارة، وثمة أساليب مكّنتهم من هذا الحال، وأكثرها انتشاراً هو التخدير بعقار مثل الحشيش".

ويضيف: "كان الحشيش بالنسبة للصوفيين وسيلة لتحفيز الوحي الروحاني، وشكلاً من أشكال التقدير للطبيعة الإلهية. وكتب ناقد مسلم (لم يذكر الباحث اسمه) أن أكل الحشيش عبادة".

كانت الصوفية في هذا السياق أكثر من مجرد حركة دينية مهرطقة، إذ جسدت ثقافة مضادة داخل المجتمع العربي، تماماً مثل الهيبيين في ستينيات القرن الماضي، الذين مثلوا ثقافة أيديولوجية وسلوكية مضادة داخل المجتمع الأمريكي، وطبعاً نقصد هنا الصوفيين الذين تعاطوا الحشيش، فلا شك أن الصوفية بمدارسها المختلفة تتضمن مختلف الرؤى والطقوس والسلوكيات.

4 - الصوفيون أجداد الهيبيين

الصوفيون الأوائل والهيبيون الأواخر يتشابهون في نقاط كثيرة، ويختلفون في نقاط أقل:

1 - الصوفيون والهيبيون كانوا سباقين في رفض النظام الاقتصادي السائد، وانتصروا لنمط مشاع جماعي يتشاركون فيه الخبرات، والسلع المادية، من مأكل ومشرب، ومسكن، وملبس.

2 - الصوفيون والهيببون تجمعهم سمات جسدية ظاهرية مشتركة؛ بالنسبة للهيبية الشعر واللحية الطويلان، وللصوفيين كانت الملابس المصنوعة من الصوف.

3 - السمة المشتركة الأخرى هي أن الهيبي والصوفي لم يتربح من رؤاه مادياً، ولم يسع لمكانة اجتماعية. بالعكس نظرت المؤسسات الرسمية في كلا العصرين إليهما باعتبارهما كسالى، ولا قيمة لهما، ونبذتهما، ونسبت كسلهما وتراخيهما في النشاط الاقتصادي والاجتماعي إلى آثار المخدرات.

4 - والأكثر إثارة للاهتمام، بحسب رؤية الباحث، أن العقار المهيمن في كلتا الثقافتين المضادتين هو القنب. بالنسبة للهيبي كانت الماريجوانا، وبالنسبة للصوفي كان الحشيش.

5 - تشابهت الوصمة الاجتماعية والاتهامات التي تلقاها الصوفيون والهيبيون، نظرا لأن مادة القنب واحدة، فالحشيش يهدئ طاقة المدمن، ويجعله أقل استعداداً للعمل، ويهدد الثقافة المهيمنة، لأنه يقوض أخلاقيات العمل.

6 - وصمة الجنون والهلوسة طالت الهيبي والصوفي الحشاش، فقد نُسب إلى الحشيش ومستخدمه تلك السمات المذلة، والمنبوذة، فهو يدفع الرجال إلى الجنون، ويضعف العقل ويدمره، ويدفع صاحبه لبذل كل وقته وجهده في البحث عن المزيد من الحشيش.

دافع الحشاشون الصوفيون الأوائل والهيبيون عن نبتة القنب، وزعموا أنها منحتهم رؤى مستعصية، أحسوا بمعانٍ جديدة ومختلفة لتجارب بدت للمجتمع تافهة، لكنها جعلتهم يشعرون أنهم الأكثر ذكاءً، والأعمق فهماً

7 - العزلة أيضاً هي أحد أبرز التشابه بين الحركتين، فلقد انسحبوا نفسياً وبدنياً من الثقافة المهيمنة، بعزل أنفسهم في "كيميون"، كما فعل الهيبيون، أو في الجبال، كما فعل الحشاشون الصوفيون، ليتبعوا طريقتهم الخاصة، بشكل يحمل إخلاصاً لقادتهم الروحانيين، بعيداً عن غضب المؤسسات الثقافية المهيمنة، وحافظوا على رؤاهم لأنفسهم، ليس كمدمنين كسالى، ولكن كأبطال لثقافة مضادة، بينما نظر المجتمع إلى قادتهم كأنبياء كذبة.

8 - التحرر الجنسي والموقف حيال الأسرة والأخلاق الجنسية السائدة هي سمة مشتركة أخرى، فبينما كان الهيبيون جريئين جنسياً، كان الصوفيون متوسعين في المثلية الجنسية -بحسب الباحث- فالفقهاء نظروا إلى الحشيش باعتباره يقلص الرغبة الجنسية، مما يدفع الرجال إلى التحول للرجال بدلاً من النساء.

9 - رغم المسافة الزمنية، التي تمتد لأكثر من ألف عام، فإن الحركتين قدمتا وصفاً متشابهاً لما يمكن أن نسميه العنصر الثقافي والرؤيوي والإبداعي لنبتة القنب.

دافع الحشاشون الصوفيون الأوائل والهيبيون عن نبتة القنب، وزعموا أنها منحتهم رؤى مستعصية، أحسوا بمعانٍ جديدة ومختلفة لتجارب بدت للمجتمع تافهة، لكنها جعلتهم يشعرون أنهم الأكثر ذكاءً، والأعمق فهماً.

الاختلاف الأبرز بين الصوفيين والهيبيين -بحسب الكتاب- هو أن الصوفي الحشاش جاء من خلفية اجتماعية متواضعة، من "العوام"، أما الهيبيون فكانوا من عائلات الطبقة الوسطى الأمريكية المتعلمة.

النبيذ كان غالياً لدى الحشاشين الأوائل، ولكن الحشيش يمكن تحمل تكلفته، ولم يرد فيه نص قرآني واضح، أما بالنسبة للهيبيين فكانت أسعار الخمور في متناول أيديهم، ولم يكونوا يحملون هماً دينياً يخص الخمر أو الماريجوانا.

حاول العرب أن يقضوا على الحشيش، وتأثيره على ثقافة العمل وأخلاقيات الفقهاء، ولكن كل المحاولات أثارت الاستياء، وأثبتت أنها عقيمة.

وبحسب الباحث، لا يزال الحشيش طريقة هروب صوفية من الثقافة المؤسسية السائدة. ولنا أن نتفق معه أو أن نختلف.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard