شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
سوق الفاتح... ذاكرة الطعام السوري المُهاجر

سوق الفاتح... ذاكرة الطعام السوري المُهاجر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

السبت 18 فبراير 202302:31 م


تعيد منطقة الفاتح، في قلب القسم الأوروبي من إسطنبول، اختلاق شارع سوري وهمي لم يسبق له وجود. إذ لا يمكن القول إن الفاتح مكان منسوخ أو منقول كما هو من منطقة معروفة في دمشق بل هو أشبه بكولاج أو تجميعات من شوارع وأحياء سورية مختلفة، وإن كان يشبه إلى هذا الحد أو ذاك امتدادات الشعلان وشارع العابد في العاصمة السورية. فيه يستطيع المرء تناول شاورما العبد أو السلطان، أو فلافل وفتة بوز الجدي، ومن ثم شراء مستلزماته من محالّ السمانة والتوابل كالحجازي وبلودان والرفاعي. فهذه المتاجر تبيع مجموعة لافتة من السلع التي تغرينا بتأمل الآلية التي تتحرك بها النوستالجيا وتُعمل تأثيرها في جمهور الزبائن.

صُنع بأيادٍ سوريّة

في الحقيقة لا تبيع هذه المحالّ بالضرورة السلع السورية لكن السلع والمواد التي قد يشتريها أو يبحث عنها السوريون وغيرهم من الجاليات العربية الموجودة في إسطنبول. إذ يمكن مثلاً شراء ملوخية مُعبأة في مصر وزعتر فلسطيني مُصنّع في لبنان، ومنتجات أجنبية مصنوعة في دولٍ أخرى.


لكن السلع التي تستوقف المرء حقاً في هذه المتاجر لا ترتبط بالمنتجات التي تحمل هويّة ثقافية أو تراثية خاصة، كالفريكة والسمن والمكدوس ومستلزمات كعك العيد، وإنما السلع التي تنتمي إلى علامات تجارية اقترنت بوعي المستهلكين أو ارتبطت بطفولتهم. فعلى سبيل المثال، وفي بلد مليء بالمناديل كتركيا تجد هذه المتاجر تبيع مناديل سورية تحمل علامة "الكرزة" التجارية. عند سؤال السيد محمد (40 عاماً) في محل الرفاعي عن سبب الاهتمام ببيع هذا المناديل إلى جانب مرتديلا "هنا" السورية ونودلز "الأندومي" السورية وبسكويت "الفاخر"، يجيب البائع بأن جميع هذه العلامات التجارية فتحت معامل في تركيا، تركز معظمها في منطقة غازي عينتاب وبالتالي هي ليست مستوردة رغم كونها منتجات سورية. وبالفعل عند تقليب البضائع في المحل سيكتشف الزبون أن معظم السلع التي يراها أمامه مُصنّعة في تركيا بأيدٍ سورية.

تعيد منطقة الفاتح، في قلب القسم الأوروبي من إسطنبول، اختلاق شارع سوري وهمي لم يسبق له وجود. إذ لا يمكن القول إن الفاتح مكان منسوخ كما هو من منطقة معروفة في دمشق بل هو أشبه بكولاج أو تجميعات من شوارع وأحياء سورية مختلفة

نسأله عن سبب الإقبال على شراء هذا النوع من المنتجات رغم أن منتجات المناديل والمرتديلا والبسكويت التركية قد لا تقل جودة، يجيب السيد محمد: "أتذكر طفولتي حينما أقضم قطعة من البسكويت الذي اعتدت تناوله في صغري، أعتقد أن الأمر أشبه باعتياد المرء على طبخ أمّه حتى لو كان الطعام المُقدم في المطاعم أشهى وأشد إتقاناً".

ادفع أكثر للسلع القادمة من دمشق

في متاجر الحجازي بفروعها المختلفة لم يُرحب البائعون بالإجابة على أي نوع من الأسئلة التي طرحتها حول تفضيلات المستهلكين وحركة السوق في منطقة الفاتح بل أبدوا تعنتاً ورفضاً غير مفهومين للإجابة على أبسط الاستفسارات. قد يرجع السبب في ذلك إلى حساسية وقلق حملوهما من بلدهم الأم من الصحافة وكل ما يتعلق بها، أو يرجع لمخاوفهم الآنية حول مصادر رزقهم في ظل الظروف المتوترة تجاه السوريين في تركيا مؤخراً. وبكل الأحوال جاوبني بعضهم على مضض عن بعض الأسئلة حول أسعار بعض السلع بصفتي زبونة بدلاً من صحافية.

اللافت أن بعض هذه المتاجر تبيع منتجات محددة، كزعتر العرجاوي (نسبة إلى محل شهير مؤسس عام 1917 في قلب البزورية في دمشق القديمة) بأضعاف سعره لأنه قادم من دمشق مباشرة، إذ يصل سعر نصف كيلوغرام الزعتر في هذه الحالة إلى (ستة دولار أو 120 ليرة تركية).

سلع متاحة بعد فوات الأوان

من جانب آخر يستوقف المرء أيضاً بيع هذه المتاجر إلى جانب السلع التراثية والمنتجات المحليّة، سلعاً تجارية أجنبيّة كانت تدخل مهربة إلى سوريا بعد فترة الكساد جراء الحصار الاقتصادي الذي فرضته أمريكا على سوريا في الثمانينيات. بحيث ظلت تلك السلع "مُحرّمة ومرغوبة".


فعلى سبيل المثال، ورغم أن المستهلك قد يجد في السلاسل التجارية الضخمة والمولات التركية خيارات كثيرة من المعقمات ومواد التنظيف، يندر إيجاد معقم "الديتول" الذي يكون متوفراً مثلاً في محالّ الفاتح، إذ في الوعي الشعبي السوري، أو العربي، إن الديتول وحده هو القادر على القضاء على الجراثيم وحماية الأطفال من الأمراض. وعلى النسّق ذاته قد تجد السلع التي كانت تدخل مُهربة إلى سوريا من لبنان في الثمانينيات والتسعينيات كبسكويت الكيت كات وعصير التانغ وحليب النيدو ومشروب شوكولا ميلو المصنع في الإمارات وغير ذلك من السلع التي كان شراؤها صعباً ومتعذرّاً على فئات واسعة من المجتمع السوري لكنه الآن في حالة الشتات وفي سوق مفتوحة مثل تركيا بات متاحاً.

كل هذه التفاصيل تمهّد للاعتقاد بأن هذه المتاجر تلعب على وتر الحرمان وتستحضر ذكريات قاسية تدفع المرء إلى شراء ما اشتهاه صغيراً وكان متعذراً الحصول عليه. المثير أن ما يتم شراؤه هنا ليس السلعة أو المادة بحد ذاتها وإنما الذكرى المرتبطة بهذه السلعة، فنيدو هو "الحليب الذي تنمو معه الأجيال" أما ديتول فهو المطهر الموثوق به من قبل الأطباء منذ أجيال لقتل الجراثيم وحماية صحة العائلة، كما لو أن استخدامهما اليوم في الشتات المعقد، أشبه بمحاولات بناء وترميم لصورة عائلة سورية مستقرة ومتماسكة تعرف ما هو الأفضل لصحّة أفرادها.

هجرة الذاكرة والإرث الصناعي

يبدو موقف السوريين المقيمين في إسطنبول متناقضاً اتجاه منطقة الفاتح، البعض منهم يراها "جنّة الطعام" ويرتاح لسماع اللهجات السورية والعربية تتردد حوله إلى جانب الروائح التي تستحضر في ذهنه شتى الذكريات، بينما يراها آخرون منطقة خطرة مقتطعة من سياقها وترفض الاندماج فيما حولها، في حين يرى فريق ثالث أن الفاتح أكثر من منطقة تتجمع فيها المطاعم.

يبدو موقف السوريين متناقضاً اتجاه منطقة الفاتح، البعض منهم يراها "جنّة الطعام" ويرتاح لسماع اللهجات السورية والعربية تتردد حوله إلى جانب الروائح التي تستحضر في ذهنه شتى الذكريات، بينما يراها آخرون منطقة خطرة مقتطعة من سياقها ترفض الاندماج فيما حولها 

يقول الشاب محمود شالاتي المقيم في إسطنبول منذ سبع سنوات إنه يتردد على الفاتح لزيارة المكتبات العربية بصورة أساسية، رغم أنه لا ينكر أنه قادر على شراء منتجات سورية مختلفة عجز عن إيجاد بعضها أثناء عيشه في طرطوس قبل سنوات. يضيف محمود أيضاً أن منطقة الفاتح لا تستحضر بذهنه السلع والمأكولات فحسب بل الطقوس المرتبطة بها، فمحمود يرى أن المنطقة في شهر رمضان تتحوّل إلى حي شعبي سوري نموذجي بحيث يمكن شراء العرق سوس والمعروك واختبار الازدحام الذي يسبق الإفطار.

بهذا المعنى، تفسّر بعض السلع والأطعمة المباعة في متاجر الفاتح بأفضل صورة ممكنة المعنى الحقيقي للإرث الصناعي الذي يُعد جزءاً من التراث الثقافي لأي بلد. لكنّ اللافت في الحالة السوريّة أن هذا الإرث وما يرتبط به من ممارسات ومهارات تم اقتطاعه من سياقه وتهجيره ودمجه في سياق آخر. إذ يقدّر البعض أن عدد الشركات السوريّة المسجّلة في تركيا بلغ عام 2018 ما يقارب 163 شركة تصنّع منتجات مختلفة وتسوّقها في الأسواق التركيّة والأوروبية وفي مناطق محددة من الداخل السوري. وللمفارقة ما يزال يرّوج للكثير من تلك السلع كمنتجات وطنيّة كأن يقال فريكة بلدنا و"وجبة البلد" في الإحالة إلى مكان مُبهم غابت حدوده ومعالمه.


* أعد هذا المقال قبل الزلزال الذي ضرب تركيا، ولم يقدّر حتى اللحظة حجم الأضرار التي لحقت بالمصانع السورية على الأراضي التركية، خاصةً أن التقديرات المتداولة تشير إلى أن الولايات التركية العشر المنكوبة تضم ما يقارب 150 شركة من بين أكبر 500 شركة صناعية في تركيا، ومنها عددٌ من المعامل السورية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard