شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
شاعر يرقص وروائي ينادي على كتابه لـ

شاعر يرقص وروائي ينادي على كتابه لـ"الزبائن"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 10 فبراير 202301:34 م

زرت معرض الكتاب في إحدى دوراته، ورأيت كاتباً يقف أمام دار النشر مع بعض الأصدقاء يهلّل لكتابه مصفقاً. يدعو الزائرين للإقبال على الشراء وهو يقوم بحركات بهلوانية لا تليق.

أصابني الذهول، كاتب قرر أن يخلع رداء العزة من أجل الانتشار أو الرغبة في المكسب، ولم يضع أي قيمة لكتابه. هل أصبح ذلك واقع عالم الكتابة والنشر الذي طالما حلمت بالانضمام إليه؟

تجاوزات كثيرة، نسمع عنها طوال الوقت، ومشهد الذهول في تلك الزيارة يتكرر في كل زيارة لمعرض الكتاب.

أخبرتني صديقة أن دار النشر الخاصة بها تشترط على كتابها أن يحشدوا القراء أثناء معرض الكتاب لشراء كتبهم وإلا فلن يكون هناك فرصة لطباعة أعمالهم، وصديق يخبرني أن دار النشر لا تفكر في النشر له إلا بعدما يصبح عدد متابعيه على صفحته الشخصية في منصة سوشال ميديا بالآلاف.

راودني منذ سنوات حلم الكتابة، فطالما تحمست لرؤية كتابي بين يدي قارئ شغوف، تحقق لي ذلك، وأفرغت ما بداخلي من مشاعر، ووجدت كلماتي ترحاباً من إحدى دور النشر.

كانت الكتابة بالنسبة لي عالماً سماوياً، يضئ ببهاء الكاتب وشرف الكلمة التي ينقلها لقرائه، ومع الوقت وجدت أن هذا العالم اتسخ ببشاعة الواقع، وغيوم الرأسمالية المدمرة، وتسليع الثقافة.

بدأنا ندرك الواقع الحقيقي

حققت حلم الكتابة، ورسمت لي سماء خاصة مضيئة بعدد قليل من الأصدقاء الكتاب، استمتعنا معاً بحلاوة الكلمة ثم بدأنا ندرك الواقع الحقيقي.

مع الوقت، تحول عدد من الكتاب إلى بائعين يزجون بأغلفتهم على كل الصفحات في محاولة لاستقطاب القراء للشراء. فهل السبب في ذلك هو تخلي دور النشر عن دورها في الترويج للكتاب؟ أم أن عصر السوشال ميديا فرض علينا وقائع جديدة غريبة حولت كتاباً إلى تجار، وكتباً إلى سلعة؟

سلع في زمن الرأسمالية

عندما نكتب نضع أرواحنا أمام القارئ، نعقد معه اتفاقية تعري شرعية نقبل فيها نحن بالكشف عن خبايانا، ويستقبل هو هذا الكشف بوعي وضمير، فهل باتت أرواحنا سلعاً للبيع في زمن رأسمالي لا يرحم؟

يرى عماد العادلي أن السوشيال ميديا فرضت واقعاً جديداً، ويقارن بين ما يفترض أن يكون، وما هو واقع، يقول: "العمل الجيد يفرض وجوده ولو بعد حين، حتى وإن لم يحرك الكاتب ساكنًا تسويقياً أو متحركاً، كما أعتقد أن دور المبدع من المفترض أن يتوقف عند عملية الإبداع، والتي تأخذ من وقته وجهده وروحه، على أن تكون مهمة التسويق على الناشر".

"التسويق والترويج مهمة أصيلة من مهام الناشر، ولكن للأسف الشديد واقع الأمر غير ذلك تماماً، فمعظم الناشرين لا يقومون بأدوارهم المنوطة بهم على أكمل وجه، وأحياناً لا يقومون بها على الإطلاق، فيضطر الكاتب أن يتحرك دعائياً لصالح عمله بما أتيح له من أدوات، وخصوصاً أن السوشال ميديا الآن فاعلة بشكل كبير في التعريف بالكاتب وبكتبه، على الأقل جماهيرياً".

"لم أنس في أحد معارض الكتاب حين رأيت أحد المؤلفين الشباب وقد اتفق مع أربع أو خمس أتوبيسات لإحضار الناس مجاناً إلى المعرض من أجل شراء كتابه، وآخر كان يتراقص في المعرض أمام كتابه من أجل جذب الأنظار وتسجيل رقم مبيعات خرافي دون أن يساوره أي شعور بالندم لكونه تحول من كاتب إلى بهلوان أم مهرج"

وينتقد العادلي سلوكيات الترويج التي يتبناها بعض الكتاب، يقول: "هناك بعض المبالغات الفجة التي يقوم بها بعض الكتاب في التعامل مع كتاباتهم باعتبارها سلعاً استهلاكية، وذلك لا يليق بمقام الكلمة، ولكن عندما نقترب من تلك الكتابات نجد أنها في مجملها لا تنتمي إلى الأدب أو الفكر الجادين، وإنما هي كتابات أفرزتها ثقافة السوشال ميديا، التي جعلت من كل الناس أصحاب رؤى، ومن كل الناس أدباء، فضلاً عن دور النشر التي تتعامل مع الأمر باعتباره عملاً تجارياً صرفاً أو بمعنى آخر "سبوبة" دون اعتبار لطبيعة المنتج، فيسفر عن ذلك ما نراه من مظاهر لا تليق بعمل له بعد ثقافي أو أدبي أو معرفي".

عماد العادلي صدر له كتابان، "حكايات حارس الكتب"، و"الأجندة".

ولكن، من المسؤول عن سلوكيات الترويج غير اللائقة تلك؟

تجيب الكاتبة المصرية منى الشيمي: "في ظل حالة التكريس التي تقوم بها بعض دور النشر الكبرى لكتابها، يندفع الكتاب الجدد لعملية ترويج ذاتية تصل إلى حد الإلحاح، من الصعب النظر إلى كلا الأمرين بشكل منفصل، لم تعد – كما كان على أيامنا- الكتب الجيدة هي ما يظهر، أو ما يأخذ حقه، بل ما يعلن عنه جيداً، وما تقام له حفلات توقيع، وما يصعد إلى البيست سيلر، وما يحصد جوائز. وربما كل هذا نتاج تسليع الثقافة، والتربح بها ومنها، وكل ذلك أحد أوجه الرأسمالية".

منى الشيمي لها العديد من الأعمال، منها رواية: "لون هارب من قوس قزح" و "بحجم حبة العنب" و "وطن الجيب الخلفي"، ومن مجموعاتها القصصية: "من خرم إبرة"، "صليل الأساور".

كاتب أم مهرج!

لا مانع من أن يقوم الكاتب بنشر الغلاف الخاص بكتابه بشكل لائق، وأن يضع بعض الاقتباسات الخاصة من عمله على صفحته الشخصية، ولكن أن يتجاوز الأمر ذلك لدرجة أن يشعر القارئ أنه مطارد من الكاتب فهذا لا يصح.

الكاتبة شيرين فتحي تعرضت هي الأخرى لمشهد انطبع في ذاكرتها، تقول: "لم أنس في أحد معارض الكتاب حين رأيت أحد المؤلفين الشباب وقد اتفق مع أربع أو خمس أتوبيسات لإحضار الناس مجاناً إلى المعرض من أجل شراء كتابه، وآخر كان يتراقص في المعرض أمام كتابه من أجل جذب الأنظار وتسجيل رقم مبيعات خرافي دون أن يساوره أي شعور بالندم لكونه تحول من كاتب إلى بهلوان أم مهرج".

وتضيف شيرين: "ورغم ذلك لا أرى أي غضاضة في أن يقوم الكاتب بالترويج لعمله ببعض الدعاية باستخدام صورة الغلاف أو بعرض اقتباسات من مادة الكتاب. خاصة أن بعض دور النشر قد لا تقوم بدورها كاملاً في عملية الدعاية والتسويق. ربما هذه ليست مهمة الكاتب ولكن لا بأس من المحاولة وخاصة أن مرحلة الدعاية لا تأتي إلا بعد انتهاء الكاتب من عمله مما يعني أنها لن تأخذ من وقته ككاتب".

بحسب كتاب تحدثوا إلينا، فإن بعض دور النشر تدفع الكتاب الجدد والشباب دفعاً لإقامة علاقة "غير لائقة" للترويج، أحدهم اضطر أن يجلب قراء بحافلات على حسابه، وآخر ينادي عليها كأنه يروج لبضائع، أما الدعاية الاحترافية فتقوم بها تلك الدور للكتاب المعروفين

شيرين فتحي صدرت لها حديثاً رواية "ضحكة خالد" عن دار الهالة، ومن أهم أعمالها: مجموعة قصصية "رأس مستعمل للبيع"، ورواية "خيوط ليلى".

كاتبة أخرى "س. ن" كشفت عن تفاصيل أخرى تحدث وضغوط تمارسها دور النشر على الكتاب الشباب الذي يبدؤون حياتهم. مثل أن تقوم دار النشر بفحص صفحة الكاتب الشخصية على "فيسبوك" ويطلبون منه طلبات تعجيزية لا يملكها مثل: "هل تضمن بيع الكتاب لعدد كبير من أصدقائك وهل تستطيع أن تحشد له"، هذا بخلاف دور النشر الكبرى التي ترفض النشر للكتاب الشباب الذين ليس لديهم الكثير من المتابعين.

أخلاقيات قد تختفي

في بضع حالات يقوم بعض الكتاب – إن جاز أن نطلق عليهم هذا اللقب- ببعض الممارسات غير الأخلاقية، بهدف استقطاب القراء أو تحقيق نجاح زائف، بحسب أدمن غروب "نادي القراء المحترفين"، والصحافية مرام شوقي، التي تقول لرصيف22: "نحن للأسف في زمن السوشال ميديا التي أصبحت تصنع النجوم فترفع بعضهم في السماء وتخسف بالآخر الأرض، ونخضع لما يسمى "التريند"، وهذا يحدث أيضاً في الثقافة والقراءة، فأصبحت مجموعات القراءة وصفحات القراءة سلاح ذا حدين، فهناك بعض الكتاب ودور النشر يتعاملون مع الكتاب أو الكاتب كسلعة يتم الترويج لها، وأنا لا أرى في ذلك مشكلة، ولكن المشكلة تكمن في الترويج للغث والسمين دون تفريق، مستخدمين أسلحة غير مشروعة من غروبات وصفحات مدفوعة الأجر".

أصبح الكثير منهم يدفعون للقراء لقاء عمل مراجعة للكتاب.

تكمل منى حديثها بأسى: "أصبح الكثير منهم يدفعون للقراء لقاء عمل مراجعة للكتاب، وتقييمه على موقع الكتب الشهير "جود ريدز"، فيصبح تقييم تلك الكتب غير منصف وزائف إلى حد كبير، وكثيراً لا يؤتي هذا النوع من الدعاية بثماره فهناك من يقوم بنشر غلافه بشكل مبالغ فيه أو يقوم بتجنيد جيش كبير من القراء لعمل فيض من المراجعات المدفوعة الأجر، مما يعطي نتائج عكسية فيصاب القارئ بالملل، مما قد يدفع القارئ المحترف لمقاطعة أعمال الكاتب مستقبلاً".

مرام تحدثت عن الكتاب الذين يضطرون لعمل دعاية فردية وسط هذا الزخم من الأعمال: "هناك بعض الكتاب الذي يضطرون لعمل دعاية لهم، فيجد أن السوشال ميديا طريقاً للوصول، فيسير على هذا النهج مضطراً حتى يصل لأكبر عدد من القراء، خاصة إذا كانت دار النشر لا تقوم بدورها بشكل صحيح".

ترفض مرام الممارسات التي تشبه "الباعة الجائلين"، وخاصة قبيل معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام، تقول: "بعض الكتاب يضعون أغلفة كتبهم في كل مكان على السوشال ميديا، مطبقين نظرية "حط البضاعة على رجل الزبون"، وهذا فيه إهانة كبيرة لمكانة الكاتب". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard