شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
حكاية

حكاية "قبة سيدي الأربعين"... إهمال مصر للآثار الإسلامية يضع حداً للغز الولي المجهول

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأحد 29 يناير 202310:30 م

 أثار انهيار "قبة سيدي الأربعين" الواقعة في شارع عبد المجيد اللبان (مرسينا سابقاً - وينطق بين العامة: مراسينا) بحي السيدة زينب في القاهرة القديمة، غضباً بين المهتمين بالآثار والتراث المعماري في مصر، بعدما انتشر الخبر صباح أمس السبت 28 يناير/ كانون الثاني الجاري.

وانهارت القبة المعروفة باسم سيدي الأربعين مساء الجمعة، ليعدها مصريون حلقة جديدة في مسلسل إهمال وتدمير التراث المعماري المنتشر بالقاهرة ومحافظات مصر المختلفة. خاصة وأن انهيار القبة تزامن مع نبأ سرى في بورسعيد عن بدء أعمال هدم عمارة "برودبينت"، وهي واحدة من المباني القليلة الباقية من التراث المعماري للقرن التاسع عشر على شاطئ القناة.

رغم البعد التاريخي لقبة سيدي الأربعين، التي يرجح أن تاريخها يعود إلى فترة سابقة على القرن الثامن عشر، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لدى الجهات الرسمية لتسجيلها اثراً يستوجب الحماية والترميم. وخضعت القبة للتجديد مرة واحدة في التاريخ المسجل في العام 1943.

انهيار قبة "سيدي الأربعين" تزامن مع نبأ سرى في بورسعيد عن بدء أعمال هدم عمارة "برودبينت"، وهي واحدة من المباني القليلة الباقية من التراث المعماري للقرن التاسع عشر على شاطئ القناة


ذكرها في كتب التاريخ

بالبحث عن أصل بناء القبة والحقبة التاريخية التي تنتمي إليها، لم نجد تاريخاً رسمياً مسجلاً؛ إلا أنها ذكرت في عدد من كتب التاريخ التي يمكن أن نتوقع من خلالها الفترة الزمنية التي بنيت فيها.

ذكر الضريح وقبة سيدي الأربعين في الخطط التوفيقية

ذكرت القبة في موضعين بموسوعة "الخطط التوفيقية" لعلي باشا مبارك الذي نشرت طبعته الأولى في العام 1886. إذ ذُكرت في الجزء الثاني في وصف شارع "مرسينا" صفحة 124، وفي الجزء السادس صفحة 35 التي تتضمن وصف أماكن زوايا الأربعين المتعددة في نواحي القاهرة. وجاء بالكتاب "هذه الزاوية بشارع الحوض المرصود تجاه جامع لاشين السيفي، وهي مقامة الشعائر وبها ضريح الأربعين وضريح نصر الدين السطوحي. يُعمل لهما حضرة كل ليلة أربعاء، ومن وقفها حوش ورَبْع ودكانان وقهوة، تحت نظر عبد الرحمن الزيني" ويعني تسجيل علي باشا مبارك صاحب الخطط التوفيقية، أن القبة وأملاكها تابعة حالياً لوزارة الأوقاف المصرية التي آلت إليها الأوقاف الإسلامية والمسيحية عقب يوليو 1952، قبل أن تعود الأوقاف القبطية لسلطة الكنيسة.

ذُكِرت القبة في موضعين بكتاب "الخطط التوفيقية"، الذي نشرت طبعته الأولى في العام 1886، في معرض وصفه لشارع "مرسينا" بناحية السيدة زينب

كما ذكرها الدكتور محمد أبو العمايم في كتابه "آثار القاهرة الإسلامية في العصر العثماني" في صفحة 479، إذ قال عن قبة سيدي الأربعين: "إن المتبقي من هذه الزاوية عبارة عن قبة تحتها ضريح الشيخ عبد المجيد اللبان، الذي يعرف أيضاً بضريح سيدي الأربعين، وبه تاريخ تجديد سنة 1362هـ". ويصف القبة قائلاً "هذه القبة بها منطقة انتقال من الداخل، عبارة عن عقد مدايني في كل زاوية بحيث يتحول مربع القبة إلى مثمن، وفي كل جهة قمرية معقودة بها أثر زجاج معشق بالجبس، وتحت كل قمرية صفة عدا جهة الدخول فهي عبارة عن باب من جهة الشارع، والقبة ذاتها من الطوب".

وصف القبة في ذكر شارع مرسينا - كتاب "آثار القاهرة الإسلامية في العصر العثماني"

روايات متعددة

لا توجد قصة مثبتة وراء بناء القبة مما فتح أبواب كثيرة للتأويل والتأليف حول أصلها. ويقال أن الحيرة التي سببتها تلك القبة هي السبب وراء ميلاد المثل الشعبي "تحت القبة شيخ".

وكتب المؤرخ محمد رمزي بك في "القاموس الجغرافي للبلاد المصرية" القسم الأول من الجزء الثاني في صفحة 28: "في الحقيقة، أنه لايوجد بأي جهة شيخ باسم الأربعين. وإنما اعتاد الناس أن يطلقوا اسم الأربعين على كل قبر يكون اسم صاحبه مجهولاً، فيسميه العامة سيدى الأربعين. كما اعتاد أيضاً بعض الفقراء الذين يريدون الحصول على بعض القروش يستعينون بها على القوت، أن يقيموا في الطرق العامة قباباً صغيرة، ويطلقون عليها اسم سيدى الأربعين، حتى إذا مر الناس عليها، ظنوا أنها صحيحة (أي ضريح لولي من أولياء الله الصالحين)، فيدفعون ما تجود به نفوسهم لأصحاب هذه المقابر باسم نذور أو صدقات".

وتحت عنوان "سيدي الأربعين" كتب الكاتب الراحل جمال الغيطاني مقالاً جاء فيه: "في المدن والقرى المصرية... يوجد ضريح له اسم واحد، يحوي كل منها رفات بعض الصالحين، لا أحد يعرف على وجه التحديد من هم، ومن أين جاؤوا... وفي كثير من الليالي، كنت أرى شمعة أوقدها مجهول على أحد هذه الأضرحة، أو عابر سبيل يقف ليقرأ الفاتحة".

وتابع مفسراً هذه الظاهرة: "في الريف المصري أيضا تنتشر أضرحة سيدي الأربعين، وقد حيرني هذا طويلاً، إلى أن اهتديت إلى تفسير خاص، ذلك أن أسطورة إيزيس وأوزيريس، تقول إن إله الشر سِتْ، قتل أوزيريس وفرق جسده إلى أربعين قطعة، ودفن كل منها في منطقة من أرض الوادي، وأن إيزيس راحت تبكي دامعة وهي تحاول جمع تلك الأجزاء، ومن دموعها فاض النيل ولايزال يفيض. الأسطورة القديمة بقيت في الضمير، وعبرت عن نفسها في أزقة المدينة الكبيرة وحواريها، المدينة التي ورثت جميع المدن... الحكايات بلا حد".

أصل اسم الأربعين - معجم قاموس البلدان

الآثار تخلي مسئوليتها

فور انتشار خبر انهيار جزء كبير من قبة سيدي الأربعين، أكدت وزارة السياحة والآثار ممثلة في المجلس الأعلى للآثار في بيان رسمي، أن هذه القبة "ليست أثراً، وغير مسجلة في عداد الآثار الإسلامية، لذا لا تتبع الوزارة".

وفي بيان تداولته المواقع الإخبارية، قال الدكتور أبو بكر عبد الله، القائم بتيسير أعمال قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، إن "قبة سيدي الأربعين بمنطقة السيدة زينب ليست أثراً، وغير مسجلة في عداد الآثار الإسلامية، وهي ما تبقى من زاوية تُنسب لمن يُدعى سيدي الأربعين، وتحتها ضريح الشيخ عبد المجيد اللبان، وبه تاريخ تجديد سنة 1362هـ، وتزخر أحياء القاهرة القديمة بقباب وأضرحة تحمل أسم سيدى الأربعين".

ميثاق فينيسا يعدها أثراً

وتعقيباً على تصريح المجلس الأعلى للأثار، كتبت الباحثة الأثرية مروة قاسم على صفحتها الشخصية: "أنا هرد على تصريح إن القبة مش أثر وغير مسجلة، وردي بالميثاق الدولي اللي المفروض أن مصر تكون ملتزمة بيه، وهو (ميثاق ڤينسيا 1964)، ميثاق حفظ وترميم المباني والمواقع الأثرية والتراثية، وهكتبلكم هنا المواد أرقام 1, 5, 6, 14 من الميثاق".

وأضافت مروة: "ولتوضيح إيه هو ميثاق ڤينسيا؛ فهو تم وضعه من خلال مؤتمر دولي اتعمل بمجموعة من الخبراء والمختصين عشان يتفقوا فيه على وثيقة دولية تحت رعاية منظمة اليونسكو واللي مصر تابعة ليها، وتم الاتفاق على البنود الموجودة في الميثاق ده، وهو المرجع الدولي الرئيسي لأسس الحفاظ على المناطق والمباني الأثرية والتراثية وأسس عمليات الترميم والعلاج والصيانة".

الزمن غير كافٍ لتسجيلها

في محاولة لفهم أسباب عدم تسجيل القبة رغم التأكد من أن عمرها تخطى 200 عام على أقل تقدير؛ تواصل رصيف22 مع الدكتور رأفت النبراوي، الأستاذ والباحث المتخصص في الآثار الإسلامية، الذي يرى أن: "العنصر الزمني ليس شرطاً للتسجيل، فيجب أن يتمتع المبنى بعناصر زخرفية ومعمارية أصلية ولا يكون تعرض المبنى للهدم والبناء دون علم المختصين، فالعامل الزمني ليس كافياً للتسجيل. لكنه أثر طالما مر على وجوده 100 سنة، وبعد الانهيار الذي تعرضت له قبة الأربعين يمكن ترميمها مرة أخرى بمعرفة المتخصصين في الآثار، ولو هي ذات قيمة وبها عناصر زخرفية قيمة للعصر الذي تنتمي إليه يمكن تسجيلها".

واتق معه الباحث الأثري الدكتور أحمد صالح، الذي قال لرصيف22 إن "العنصر الزمني ليس كافيا لتسجيل أي مبنى". وأوضح: "هناك لجنة تسمى اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية، مهمتها أن تخرج لتعاين المبنى وترى الحالة الفنية والمعمارية له. لو به سمات غير موجودة في مكان آخر أو عناصر زخرفية ومعمارية مميزة، تصدر قرار وزاري بضمها، وهناك الكثير من الأماكن الأثرية التي لم تسجل".

وتابع صالح: "شرط مرور 100 عام على المبنى ليس كافياً ولا ضرورياً، فيمكن إضافة مبنى لم يمر على إنشائه مئة عام بقرار استثنائي، إذا كان يتمتع بملمح فني معماري فريد. لذلك؛ فإن اللجنة الدائمة لديها سلطة إصدار قرار التسجيل وبها علماء في الآثار الإسلامية، وتقريرهم هو ما يحدد التسجيل من عدمه، فعلى مدار الثلاثين عام الماضية هناك آثار خرجت من التسجيل وغيرها سُجِّل، لكن هذا لا ينفي أن يكون المبنى أثراً".


مسار سياحي فريد

الباحث الأثري حسام زيدان، أكد "من الضروري في البداية التفرقة ما بين تسجيل القبة كأثر، وكونها أثراً فعلاً، مشيراً إلى أنه كان هناك طلب قُدِّم إلى اللجنة الدائمة لتسجيلها في الماضي، ولم توافق اللجنة عليه، خاصة أن شروط التسجيل تصل إلى 14 شرطاً" يذكر أن كثير من البيوت الأثرية ذات الطراز الفريد في منطقة القاهرة القديمة تعرضت خلال السنوات الخمس الماضية للهدم والبيع بسبب إصرار اللجنة الدائمة على رفض تسجيلها مع أن بعضها عاشت فيه شخصيات مهمة في التاريخ المصري ومر على بناء بعضها نحو 500 عام، ويسّهل رفض التسجيل بيع تلك الآثار لمقاولي الهدم، والراغبين الأمراء والأميرات العرب.

وأضاف زيدان خلال حديثه لرصيف22، أن تلك القبة كانت جزءاً من زاوية، "هي معلم من معالم شارع مرسينا (مراسينا) ومرتبطة بقصة، أو روايات تاريخية دارت حولها، ليس عليها إجماع. لكن هذه الروايات تعطي الفرصة لأي مرشد سياحي أن يتكلم عن الأثر أو المعلم. وليست كل القباب القائمة بها أضرحة حقيقية لمن تحمل أسمائهم، ومثال على ذلك قبة سيدي الذوق خلف باب الفتوح، إذ لا يوجد شخص يدعى بهذا الاسم لكن عندما تم ترميم السور تم ترميمها". وتابع "لكن لا يمكن إنكار أن المبنى قديم وأثري فنحن نتحدث عن معلم حتى لو لم يسجل كأثر".

وأشار زيدان أن المبنى لا ينتمي لوزارة الآثار طالما لم يسجل، فيمكن أن يكون تابع للأوقاف أو للحي، لكن من المعروف أن هناك رحلات سياحية تذهب إليه، "خاصة أن الشارع به عدد من الأسبلة والجوامع الأثرية وبقايا قلعة الكبش، فيعد مسار سياحي ينتهي بجامع ابن طولون، وإذا تم الاهتمام بالشاعر يمكن أن يكون مسار سياحي مثل المعز".

أما الدكتور محمد الششتاوي الخبير الأثري الذي عمل بالمجلس الأعلى للآثار، قال لرصيف22، أن قبة سيدي الأربعين بالسيدة زينب عمرها بين 150 إلى 200 عام على الأكثر، و"لجنة الآثار لكي تسجلها، يجب أن تجد بها ما يدفعها لتسجيلها من عناصر معمارية أو قيمة تاريخية وأن تستفيد منها الدولة، في الماضي كانت الأوقاف ترمم الأسبلة وتؤجِّرها لتستفيد منها، ومنطقة آثار جنوب القاهرة رأت في السابق أن القبة لا تستحق التسجيل، خاصة أن مُنشئها مجهول، لكن تحديد وقت بناءها جاء بمقارنتها بغيرها وأسلوب بنائها، وفي القاهرة أكثر من 40 قبة تحمل نفس الاسم سيدي الأربعين".

وأشار الششتاوي إلى أن هناك قبة تحمل نفس الاسم وتستحق التسجيل لأن حالتها جيدة ومرممة بشارع حسن الأكبر، وبها ضريح لكن يسكنها شخص.

ولفت إلى أن شارع مراسينا مهم، ويحتاج مشروع من الدولة مثل شارع المعز وسيكون أفضل لأنه أوسع وبه عدد كبير من الأماكن والمعالم الأثرية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard