شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"كل عام أسوأ مما قبله"... التغيّرات المناخية تعصف بإنتاج زيت الزيتون الجزائري

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

السبت 28 يناير 202310:49 ص
Read in English:

Climate change tests Algeria’s olive farmers' resilience

"تراجع مردود الزيتون في السنوات الأخيرة. التحولات المناخية أثرت بشكل سلبي على المحاصيل، وما من عام يذهب إلا والذي يليه أسوأ"؛

بهذه الكلمات استهل عبدو حديثه إلى رصيف22، وهو صاحب معصرة زيتون في دائرة بوعنداس الكائنة في محافظة سطيف شمال شرق الجزائر، وتشتهر بمنتوجاتها الفلاحية المتنوعة.

ويشرح المزارع ما حدث وأسباب تراجع أشجار الزيتون قائلاً: "في عامي 2017 و2018، بلغت كمية الزيت المعصورة بعد انتهاء موسم جني الثمار 600 ألف ليتر، بينما تتراوح كمية الزيت حالياً بين 200 و400 ألف لتر سنوياً".

"التحولات المناخية أثرت بشكل سلبي على محاصيل الزيتون، وما من عام يذهب إلا والذي يليه أسوأ".

ويرجح عبدو تسجيل التراجع الملحوظ في إنتاج زيت الزيتون الناتج عن عصر أو ضغط ثمار الزيتون، إلى التحولات المناخية التي تعود إلى أسباب طبيعية في الدرجة الأولى وإلى حرائق الغابات التي اجتاحت الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

وكانت أشجار الزيتون في محافظة تيزي وزو، الواقعة على بعد 30 كيلومتراً شرق العاصمة الجزائر، والملقبة بعاصمة "جرجرة" و"هضبة الوزال" وأيضاً مدينة الزيتون، الأشد تضرراً من الحرائق التي اجتاحت البلاد منتصف آب/ أغسطس 2021، إذ تسببت في إتلاف أكثر من 5،000 هكتار من الأشجار المثمرة وغالبيتها من أشجار الزيتون.

أما المهتم بالشأن الفلاحي إبراهيم تلموت، فيقول لرصيف22، إن تراجع إنتاج الزيتون في العشريتين الأخيرتين يعود إلى أسباب عدة، من أهمها مئات الحرائق التي سُجلت في المناطق الريفية والجبلية، والتي أتت على مساحات واسعة من أشجار الزيتون التي في غالبيتها تعود إلى الماضي البعيد.

تراجع الاهتمام البشري

تكشف إحصائيات المجلس الدولي للزيتون لموسم 2020-2021، أن الجزائر جاءت في المرتبة الثالثة عربياً من حيث الاستهلاك، بكميات ناهزت 73 مليوناً و40 ألف ليتر من زيت الزيتون، بينما حلت في المرتبة الثانية عربياً سوريا، إذ قُدّر استهلاكها الإجمالي بـ85.3 مليون ليتر.

ويرى إبراهيم تلموت، أن "الجزائر بمقدورها رفع إنتاجها في أثناء موسم جني الزيتون، إلى قرابة ملياري ليتر سنوياً، في حالة الاستغلال الأمثل للأراضي الشاسعة وبناء معصرة في كل قرية، فهذا المشروع سيوفر الآلاف من مناصب الشغل، وقد تكون هذه الشجرة المباركة البديل عن الذهب الأسود (النفط)".

تراجع إنتاج الزيتون في العشريتين الأخيرتين يعود إلى أسباب عدة، من أهمها مئات الحرائق التي سُجلت في المناطق الريفية والجبلية، والتي أتت على مساحات واسعة من أشجار الزيتون، إلى جانب التغييرات المناخية وشح الأمطار على المناطق نصف الجافة

أما حكيم، وهو مزارع زيتون في دائرة ذراع الميزان، إحدى دوائر محافظة تيزي وزو، الشهيرة بإنتاجها لأجود أنواع الزيتون، فله رأي آخر، إذ يقول لرصيف22: "الأمر لا يقتصر على التغييرات المناخية الطارئة على الجزائر فقط، بل يعود أيضاً إلى التراجع الملحوظ في الاهتمام بشجرة الزيتون وهو ما انعكس على كمية المنتوج السنوي".

ويشرح المزارع موقفه قائلاً: "شجرة الزيتون معرضة للإصابة بأمراض فطرية أو حشرية أو بكتيرية عدة، وهي تستهدف عادةً الساق أو الأوراق أو الثمار وتتسبب في تراجع الإنتاج وتردّي جودته، خاصةً أنها سريعة الانتشار وتنتقل من حقل إلى آخر. لمحاربة هذه البكتيريا التي تخترق أنسجة الثمار من خلال الفتحات، يحتاج المزارعون إلى التسميد من أجل توفير العناصر الغذائية اللازمة كالنيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وكل شجرة تحتاج إلى التسميد حسب عمرها، فكمية الأسمدة تختلف من شجرة إلى أخرى".

ويتابع: "نتيجة الأوضاع المادية الصعبة، يتغاضى أغلب المزارعين في المنطقة عن التسميد والري، فشجرة الزيتون وبرغم أنها معروفة بمقاومتها للجفاف وحتى مواجهة البيئات القاحلة، إلا أنها تحتاج إلى كميات إضافية من المياه لتحسين جودة الزيت والكمية المحصلة سنوياً، وعادةً تنطلق مرحلة الري في شهر فبراير/ شباط وتستمر إلى غاية بداية تشرين الثاني/ نوفمبر، والتوقيت المناسب للري يكون في وقت متأخر من بعد الظهيرة أو في الساعات الأولى من الصباح الباكر حتى لا تتأثر الثمار".

وانتقد حكيم في ختام حديثه بشدة الإهمال الكبير الذي يطال إنتاج زيت الزيتون في الجزائر، برغم أنه يحصد المراكز الأولى في المسابقات الدولية التي تتنافس فيها كبريات العلامات العالمية المشهورة في هذا الميدان، وقال إن "سعر برميل زيت الزيتون يفوق سعر برميل النفط، فلماذا لا توزَّع الأراضي على الشباب ويتم تشجعيهم على غرس الزيتون؟".

نتيجة الأوضاع المادية الصعبة، يتغاضى أغلب المزارعين عن التسميد والري.

أصناف مختلفة

بدوره، يتحدث بو بكر سعودي، أحد كبار منتجي ومصدري زيت الزيتون في الجزائر، لرصيف22، قائلاً إن توقعات محصول هذا الموسم تبقى أقلّ، مقارنةً بالمواسم السابقة، لأسباب عدة أبرزها موجة الحر التي ضربت البلاد خلال مرحلة تزهير شجرة الزيتون، وظروف الطقس السيئة التي أثرت بشكل ملحوظ على جودة الثمار، ويشير إلى أن نسبة تراجع الإنتاج على المستوى الوطني قد تصل إلى 60 في المئة.

ويتابع: "يُعدّ الزيتون من أبرز المنتجات الزراعية في البلاد، وهناك أنواع مختلفة منه، فمنطقة القبائل تنتج نوعاً يسمى ‘شملال’ وهو جيد وخاصيته أنه ليس ذاتي التلقيح، وتشتهر منطقة الهضاب العليا بإنتاج صنف ‘أزراج’، وهو نبات شجري يتبع الفصيلة الزيتونية وهو من النباتات الزيتية دائمة الخضرة، وتشتهر منطقة الشرق الجزائري بإنتاج صنف ‘فركاني’، وهو أكثر أنواع الزيتون تحملاً للجفاف وفي الوقت نفسه أكثر الأنواع إنتاجاً للزيت الممتاز في العالم".

ومن أجل توسيع مساحات غرس أشجار الزيتون، يؤكد بو بكر سعودي على ضرورة تقديم الدعم للفلاحين، والتشجيع على تصدير هذه المادة الحيوية، والتدخل العاجل من أجل إيجاد حلول ميدانية لأزمة نقص المياه بهدف ريّ مئات الهكتارات من الأراضي والمساحات الزراعية.

نقص الدعم

في المسابقة الدولية لزيت الزيتون الخام الممتازة التي نُظّمت في دبي في الإمارات العربية المتحدة، فاز منتج جزائري لزيت الزيتون من دائرة عين وسارة (وهي إحدى دوائر محافظة الجلفة وتبعد عن الجزائر العاصمة نحو 300 كيلومتر)، للمرة الثانية على التوالي. وحصل المنتِج حكيم عليليش، صاحب العلامة التجارية "ذهبية"، على ميدالية ذهبية تُعدّ الثانية من نوعها في 30 تموز/ يوليو الماضي، عن المنتوج عينه.

وسبق لزيت الزيتون الجزائري أن حصل على الميدالية الذهبية في مسابقة لندن الدولية للمنتوج الصحي لعام 2022، من خلال علامة "أوليزوا" لزيت الزيتون التابعة لشركة "بيو لالة مريم" في مدينة وهران الواقعة على الساحل الغربي للبلاد، كما حصد 4 جوائز في المسابقة الدولية التاسعة عشر لزيوت العالم والتي أشرفت على تنظيمها وكالة تثمين المنتجات الفلاحية في باريس، في أيار/ مايو 2021.

يجب أن يكون لزيت الزيتون ديوان خاص به، من مهامه تنظيم وتطوير قطاع الزيت، ويشكّل همزة وصل بين المنتج والمستهلك، وتُسند إليه مهام جمع كل زيت الزيتون الموجود على مستوى المعاصر، ثم تصنيفه وتسويقه على مستوى السوق المحلية أو تصديره إلى الخارج

ويؤكد أرزقي تودرت، رئيس اللجنة الوطنية لشعبة الزيت والزيتون، أن زيت الزيتون الجزائري من أجود الزيوت في العالم، وهو منافس قوي في السوق الدولي لأنه يحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات والأحماض الدهنية المشبعة ويمتاز بنكهات لذيذة.

لكن هذه الشعبة ما تزال تعاني من نقائص عدة، يذكر من بينها تودرت، لرصيف22، قلة المخابر الفيزيائية والكيميائية، وعدم توفر ديناميكية صناعية متكاملة يمكن أن تُدخل هذه المادة إلى مجال الاستيراد بقوة، ويستطرد المتحدث قائلاً: "يجب أن تكون لزيت الزيتون مصانع لصناعة قوارير زجاجية مخصصة لتعبئة الزيت، فمعظم المنتجين الجزائريين يستوردون الزجاجات الخاصة بتعليب هذه المادة من تونس".

ويعدد بقية العوائق المتمثلة في ضرورة استبدال المعاصر التقليدية بالعصرية، للحصول على زيت ذي جودة عالية ومن النوعية الرفيعة، كما يعرّج خلال حديثه أيضاً على نقص الكوادر المهنية الخاصة بشعبة الزيتون والتي يمكن أن تساهم في تسهيل عملية التصدير ودعمها.

ولذلك يرى المتحدث أنه يجب أن يكون لزيت الزيتون ديوان خاص به، من مهامه تنظيم وتطوير قطاع الزيت، ويشكّل همزة وصل بين المنتج والمستهلك، وتُسند إليه مهام جمع كل زيت الزيتون الموجود على مستوى المعاصر، ثم تصنيفه وتسويقه على مستوى السوق المحلية أو تصديره إلى الخارج، وجدير بالذكر أن كل البلدان التي تشتهر بإنتاج هذه المادة لها ديوان خاص بزيت الزيتون.

حسب الأرقام الرسمية التي كشف عنها رئيس الجمعية الجزائرية لزراعة وغراسة الزيتون سعيد بختاوي، في حديث له مع الإذاعة الحكومية، في الجزائر أكثر من 68 مليون شجرة، غير أنها لا تنتج أكثر من 15 في المئة من قدراتها بسبب غياب الإمكانات التقنية، وأيضاً وجودها في مرتفعات، ما يعرّضها للجليد والصقيع.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard