شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
إلى باسيليوس زينو... ما زلتَ هنا تتوهمُ أنكَ قد غادرتَ فعلاً

إلى باسيليوس زينو... ما زلتَ هنا تتوهمُ أنكَ قد غادرتَ فعلاً

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 26 يناير 202301:56 م

كمن يبحث عن اسمه في قائمة الناجحين، بدأت أقرأ أسماء الذين وردوا في مقدمة كتابه، وقلبي يخفق خوفاً من أن أكون قد سقطت من ذاكرته. سريعاً عبرت الصفحة الأولى، وانتقلت إلى الثانية، وصدقاً لا أدري لماذا انتابني شعور بأنني سأجد اسمي بالرغم من أنه لا مبرر لوجوده، فأنا لم أقدّم له شيئاً كي يقول لي شكراً. هكذا فكرت لثوانٍ. مع ذلك، أكملت القراءة. كثيرة هي الأسماء التي ورد ذكرها وعرفتها من قرب في دمشق. نهاية الصفحة بدأت تقترب، وأملي بدأ يتراجع؛ يبدو أني سقطت فعلاً، ثم ها هو اسمي. شعور لا يمكن أن أصفه في تلك اللحظة. لقد غرقت في دموعي.

لم أرَ باسيليوس زينو، ولم ألتقِ به ولم أتحدث إليه منذ عشر سنوات وأكثر، لكنه لا يزال مقيماً في ذاكرتي. كلما قرأت له إنجازاً أشعر بغبطة، وأغمض عيني وأشرد وأسترجع أيامنا ما قبل الـ2010، وما بعدها بقليل، قبل أن نفترق وينقطع الوصل لأسباب تبدو لي اليوم غبيةً وتافهةً. لكنني لم أكن أعي في ذلك الوقت أنها تافهة. صدقاً، لم أكن قادرةً على الرؤية بشكل صحيح. ربما كنت مُخدّرةً أو مُحاصَرةً. لم أكن أعي وأدرك حقاً ما معنى أن أبتعد أو أخسر صداقة شخص استثنائي مثل باسيليوس.

دعني أعترف لك بسرّ يا باسل: لم أنسَك أبداً. كنت تغيب عن ذاكرتي بفعل الظروف الخاصة وظروف البلد، لكنك لم تكن تلبث أن تعود بابتسامتك اللطيفة الودودة. لم أتوقف عن وضع اسمك في قائمة البحث، ثم الدخول إلى صفحتك، لأقرأ ما يظهر من منشوراتك وأتقصّى أخبارك وأخبار من أًحب بجوارك. كنت أشجّعك بطريقة التسلل، وأبارك لك نجاحك، وأرسل قبلةً إلى وجنتَي طفلتك الجميلة، وأبتسم للشيب الذي بدأ يغزو رأسك، وقد بدا واضحاً في صورتك الأخيرة وأنت تجلس خلف طاولتك وترفع إلينا كتابك في غرفة فرشتها كما جرت العادة بخزائن الكتب التي تشبه إلى حد كبير غرفتك في دمشق. يمكنك أن تتذكر تلك الغرفة المُشبعة بالذكريات، أليس كذلك؟ غرفتك التي قلتَ إنك عائدٌ إليها بعد يومين، لكنك خرجتَ من البلاد كلها ولم تعُد.

يبدو أن الماضي كان ثقيلاً ولم أتخلص منه إلا وأصدقائي جميعهم قد ابتعدوا، وهاجروا كلّ إلى بقعة، وتزوجوا وأنجبوا وأصبح لكل منهم حياته الجديدة، وأنا أصبحت أسيرة الوجود الفردي الوحيد

في كل مرة كنت أقرر فيها أني سأرسل إليك، كان شيء ما يوقفني. لم أكن أعلم ما هو. يبدو أنني لم أكن مستعدةً للعودة بعد. اندفاعي للقيام بهذا الفعل تكرر مرات كثيرةً. نويت وكنت أتردد ثم أتراجع تماماً كما في الحلم، عندما تحاول أن تصرخ لكنك لا تستطيع. يبدو أن الماضي كان ثقيلاً ولم أتخلص منه إلا وأصدقائي جميعهم قد ابتعدوا، وهاجروا كلّ إلى بقعة، وتزوجوا وأنجبوا وأصبح لكل منهم حياته الجديدة، وأنا أصبحت أسيرة الوجود الفردي الوحيد. ولهذا السبب ربما لم أتجرأ أن أعود لأطرق الباب. لا رغبة لي أبداً في العودة ولا رغبة لي أيضاً في تكوين صداقات جديدة أو إدخال أشخاص جدد إلى حياتي.

لن يدرك أحد عمق علاقتي بك وبأصحابي القدامى وطبيعة الشعور الذي أكنّه لك ولهم. تغيرت الحياة كثيراً هنا يا باسل. كل شيء يدعوك لتصمت وتتوقف عن الكلام. أخبارنا مُسيلة للدموع. معظمنا لسنا على قيد الحياة. نمشي ونحن نيام. وأنا أكتب لك، أحاول أن أكتم صراخي وأبتلع غصّاتي قبل أن أنجرف في تيار من البكاء.

عرفتُ أنك تعرضت لعراقيل كبيرة خلال السنوات الماضية، لكنني لم أكن أعرف عمق محاولات التحطيم التي واجهتك هنا في سوريا قبل مغادرتك ولا مداها. وطوال وجودك في الولايات المتحدة، كانت تصلني عناوين مختزلة عبر أصدقائنا المشتركين، الذين لسوء حظهم ولحسن حظي أنهم ما زالوا هنا ولم تنجح محاولات مغادرتهم كالبقية.

استجمعت قواك يا باسل ورحلت عن هذه البقعة التي تزداد سواداً كل يوم، فتفوّقت ونِلت ما نِلت، وقُلت ما قُلت عن إيمان بأن البلاد التي تصنع الحدود الطائفية بين أبنائها، لن تنجو إلا بكسر كل ما يقف بيننا كبشر، لنكون مواطنين

هؤلاء الأصدقاء الذين استعدتهم في حياتي منذ وقت ليس بالطويل، أو بالأحرى هم من أعادوني إليهم وإلى الحياة والحاضر، لم ييأسوا مني ومن محاولة التواصل معي برغم حالة الهروب والصدّ الكبير التي قابلتهم بها. احتضنوني كطفل واحتفظوا بي. كانوا مؤمنين بأنني سأعود، وهذا ما حدث فعلاً: عدت إليهم، وحديثنا عنك لم يكن يوماً إلا حديث المؤمن بخالقه. لم نكن يوماً إلا مؤمنين بك، وها أنت اليوم تنجب أول مولود لك: إنه كتابك الأول ويمكن لي أن أتخيل كمية السعادة التي تشعر بها، ويمكن لك أن تتخيل كم نحن فخورون بك.

باسيليوس زينو (1983)، الذي أسره التاريخ السوري، كلّل تعب أيامه الطوال، وهجرته من بلده ليتابع ما آمن بأنه مصلحة بلده وتاريخه وحاضره ومستقبله، بصدور كتابه الأكاديمي الأول بالعربية في الآثار: "مرآة الإمبراطورية - مسكوكات ملوك سوريا السلوقيين"، الذي نُشر في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويقدّم الكتاب في 560 صفحةً، دراسةً أيقونغرافيةً-أثريةً شاملةً للإصدارات النقدية السلوقية والاستدلال على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفنية من خلال تحليل النقود وأوزانها وربطها بالمصادر الكلاسيكية والمكتشفات الأثرية.

أقف اليوم هنا في سجننا جميعاً، وأنظر إليك، أنت الذي مشيت وراء شغفك وأفكارك، ولم تتعامل مع نفسك كضحية. استجمعت قواك ورحلت عن هذه البقعة التي تزداد سواداً كل يوم، فتفوّقت ونِلت ما نِلت، وقُلت ما قُلت عن إيمان بأن البلاد التي تصنع الحدود الطائفية بين أبنائها، لن تنجو إلا بكسر كل ما يقف بيننا كبشر، لنكون مواطنين.

صباح الخير يا باسيليوس...

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard