شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الغائبون/ات في ذكرى ثورة يناير... تذكروهم/ن

الغائبون/ات في ذكرى ثورة يناير... تذكروهم/ن

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 25 يناير 202305:59 م
Read in English:

Remembering Egypt's heroes on the eve of the January Revolution

هدى عبد المنعم

في الساعات الأولى التي كان النظام لا يزال يبدو خلالها راسخ القدمين، وقفت هي أمام دار القضاء العالي، تخطب في المتظاهرين وتهتف لرحيل النظام، بينما كان الأمر مخيفاً لكثير من الرجال، وكانت بين المتظاهرين الأوائل الذين دخلوا إلى ميدان التحرير في يوم الخامس والعشرين من يناير.

بعد رحيل رأس النظام، محمد حسني مبارك، كثّفت المحامية المصرية هدى عبدالمنعم نشاطها في مجال حقوق الإنسان، وصارت عضواً في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، قبل أن تستقيل منه بعد إعلان يوليو 2013. حيث بدأت جهودها لتوثيق حالات الاختفاء القسري، وتطوّعت كمستشارة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات. لكن هدى اليوم تعتبر مثالاً واضحاً لثوار يناير 2011 الذين غيّبتهم السجون والقضبان.

هدى التي تجاوزت الستين تعتبر مثالاً لنساء (ورجال) شاركوا في ثورة 25 يناير 2011 في مصر، لكنهم اليوم غائبون عنها قسراً خلف القضبان، باتهامات مكرّرة ومتشابهة كأنها عبارات جامدة، منقولة نصّاً من قضية إلى أخرى دون أي تفسير واضح.

في مطلع نوفمبر 2018، جرى اعتقال هدى عبد المنعم، التي تجاوزت الستين من عمرها، من بيتها ثم اختفت لمدة 21 يوماً بعد اعتقالها، وذلك قبل أن تظهر  في مقر نيابة الأمن الوطني في أواخر نوفمبر، متهمة بالانضمام لجماعة محظورة والتحريض ضد الاقتصاد القومي.

قالت منظمة العفو الدولية إن هدى محتجزة تعسفياً، وأنه يجري محاكمتها أمام محكمة أمن الدولة طوارئ، بتهم مُلفقة، على خلفية نشاطها الحقوقي. وفي 11 أكتوبر 2021، أخبرت هدى قاضي المحكمة وأسرتها، خلال جلسة المحاكمة، بأنها تُعاني من مرض بقلبها يستوجب خضوعها لعملية قسطرة للقلب، لكن سلطات السجن رفضت نقلها إلى مستشفى خارجي للعلاج.

إلى جانب هدى، لا يزال العديد من النساء يعانين من الاعتقال الطويل الذي لا تلوح لنهايته أفق، بينهن المترجمة مروة عرفة، والإعلامية هالة فهمي، وابنة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين عائشة خيرت الشاطر، وحسيبة محسوب، والمصورة علياء عواد، وأخريات.

في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، جرى اعتقال هدى عبد المنعم، التي تجاوزت الستين من عمرها، قبل أن تظهر  في مقر نيابة الأمن الوطني في أواخر الشهر ذاته، متهمة بالانضمام لجماعة محظورة والتحريض ضد الاقتصاد القومي

 علاء عبدالفتاح

في مساء الخامس والعشرين من يناير 2011، تجسدت أخيراً كلمات وأحلام المدوّن المصري علاء عبدالفتاح يومها صورة واقعية بعد أن كانت خيالات جامحة عبر أثير الإنترنت، لكنها انتظمت بشراً على أرض ميدان التحرير، ما لفت الأنظار لدوره البارز حتى قبل اندلاع الثورة، وجعله أحد رموزها عن جدارة.

لكن علاء، وعائلته يدفعون ثمن ذلك من حياتهم التي ينزفونها، إمّا وراء القضبان أو أمام السجون، بانتظار زيارة أو قصاصة ورقية تطمئنهم أن ذويهم القابع في ظلمات الزنازين لا يزال حيّاً تتردد أنفاسه.

ورغم أن علاء، المعتقل منذ عام 2013، قضى عقوبة حبس فترتها خمس سنوات بتهمة "التظاهر بدون تصريح"، وأخلت السلطات سراحه (جزئياً) في مارس 2019، فقد أعيد اعتقاله مجدداً في يوليو من العام نفسه، وذلك باتهامات مكرّرة وغير واضحة، ما جعل بقاءه خلف القضبان ممتداً حتى اليوم.

ورغم أن علاء يعتبر أحد أيقونات الثورة البارزة، فإنه لم يحضر ذكرى الثورة حراً منذ ما يزيد على عشر سنين، بدأت بـ2014، وحتى هذا العام 2023، إذ قضاها جميعاً خلف القضبان. عائلة علاء عالقة كذلك معه في تلك الدوامة، إذ تقضي والدته الدكتورة ليلى سويف أياماً طوالاً أمام السجن للمطالبة بزيارة ابنها أو الحصول على جواب خطي منه تطمئن فيه عليه، خاصة عندما يبدأ في إضرابات طويلة عن الطعام للمطالبة بحقوقه.

وفي يونيو 2020، ضاقت السلطات المصرية ذرعاً بصمود عائلة علاء أمام السجن، فأطلقت بعض مجنديها للاعتداء على والدته وشقيقتيه، وعندما وثّقن ما جرى معهن وتوجهن إلى مكتب النائب العام للتقدم ببلاغ، ألقي القبض على شقيقته لتنال نصيبها من السجن هي الأخرى.

أحمد دومة

هو شاعر وثائر وخطيب متمرّد، لكن كما أن المواهب لا تأتي فرادى، فإن المصائب لا تأتي فرادى كذلك، سجناً وتغريماً وتعذيباً.

وكما أن ميدان التحرير واعتصامات الثورة شهدها دومة مبكراً، فقد شهد كذلك حكماً قاسياً بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً، في القضية المعروفة إعلامياً بـ"أحداث مجلس الوزراء"، كما تضمن الحكم الصادر بحقه إلزامه بدفع 6 ملايين جنيه، أضف إلى ذلك تسريبات مؤلمة عن تعرّضه للتعذيب داخل سجن مزرعة طرة للمرة الثانية في يوليو الماضي 2022.

وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها بعد انتشار تقارير عن تعرض دومة للضرب وسوء المعاملة مرة أخرى، ودعت في بيان لها السلطات المصرية إلى التحقيق في ادعاء دومة بالتعرّض للتعذيب داخل السجن وإطلاق سراحه فوراً.

دعوات استجاب لها النائب العام المستشار حمادة الصاوي، بفتح تحقيقٍ في البلاغ المقدم من أسرة الناشط السياسي أحمد دومة، والذي يتهم رئيس مباحث السجن بضربه والاعتداء عليه. لكنه رغم مرور شهور على بدء التحقيق؛ فإن نتيجة واحدة لتلك التحقيقات المزعومة لم تر النور.

عبدالمنعم أبو الفتوح

في صبيحة يوم الثورة الأول، كان أمين عام اتحاد الأطباء العرب عبدالمنعم أبو الفتوح، يقف وسط مجموعة من الشباب محاصراً من قوات الأمن المركزي، بدا حينها واثقاً من أن الثورة ستمضي إلى منتهاها بإسقاط مبارك، وقد كان، وبعد عام واحد أصبح أبو الفتوح قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى حكم البلاد، إذ احتل مرتبة مهمة بين أقوى المرشحين؛ لكن النهايات كانت مؤلمة للطبيب الذي تجاوز السبعين.

رغم أن علاء عبد الفتاح  يعتبر أحد أيقونات الثورة البارزة، فإنه لم يحضر ذكرى الثورة حرّاً منذ ما يزيد على عشر سنين، بدأت بـ2014، وحتى هذا العام 2023، إذ قضاها جميعاً خلف القضبان

السياسي المخضرم الذي قاد حملة انتخابية قوية جعلته في مصاف المرشحين الأقوياء للرئاسة في 2012، أسس بعد انتهاء الانتخابات حزباً سياسياً حمل اسم حملته الانتخابية "حزب مصر القوية"، ولمع اسمه (بعد استقالته من جماعة الإخوان المسلمين) كواحد من الشخصيات المنفتحة على التيارات السياسية الأخرى.

لكنه في فبراير 2018، ألقت السلطات المصرية القبض على أبو الفتوح واتهمته بنشر أخبار كاذبة لإلحاق الضرر بالمصالح القومية، وذلك في أعقاب مقابلة تلفزيونية انتقد خلالها أبو الفتوح أوضاع وسياسات في البلاد.

يعتقد سياسيون أن الانتشار الواسع لتلك المقابلة أقلقت السلطات المصرية من أن الرجل ربما ينوي تكرار محاولة الترشح للرئاسة مجدداً، خاصة أنها جاءت قبيل الانتخابات الرئاسية التي خاضها السيسي في 2018، فألقي القبض عليه عقب عودته للبلاد. وفي يوليو 2022، قضت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ بالسجن المشدّد 15 سنة على أبو الفتوح.

التنكيل بـ أبو الفتوح لم يقف عند شخصه، بل امتد ليشمل كذلك قيادات وكوادر في حزبه، بينهم نائبه محمد القصاص الذي جرى إدراجه على القضية ذاتها، وتلقى حكماً بالسجن المشدّد 10 سنين.

كثير من أولئك الذين لم يشهدوا ميدان التحرير في 25 يناير، لكن قلوبهم شهدت أهداف الثورة وتعلقت بحبها، قد اصطلوا كذلك بنار الاعتقال والتشريد، حتى أولئك الذين لم يبلغوا مصاف الشباب في ذلك الوقت

صلاح سلطان

حالماً بالثورة والحرية التي رآها في الغرب تتحقق في مصر، وقف الشيخ صلاح سلطان على سلالم دار القضاء العالي يهتف برحيل النظام، وسار ليدخل ميدان التحرير في أول أيام الثورة، رغم احتدام ضرب قنابل الغاز المسيل للدموع. ورغم أن كثافة الغاز المسيل للدموع حينها لم تحجب صوت الشيخ وظهوره، فإن السجون والمعتقلات في وقت لاحق قد أخفت حتى مكان احتجازه، فضلاً عن حالته الصحية ومعلوماته.

وبعد رحيل مبارك، لم يغب سلطان عن المشهد، وكان من بين أول أولئك الذين عارضوا الإعلان العسكري في يوليو 2013، لكن ذلك سرعان ما جرّ عليه وعلى أسرته ألوان التنكيل.

قفزت معاناة سلطان بقوة إلى الواجهة بعدما انتشرت صورة له مع ابنه المضرب عن الطعام محمد سلطان، بينما يرقد الأخير على سرير لا يقوى على الحركة أو حتى فتح عينيه، بينما بدا هو حائر يشعر بمرارة العجز عن إنقاذ ابنه.

ورغم الإفراج عن ابنه (الحاصل على الجنسية الأمريكية) بعد ضغوط أمريكية، فإن السلطات المصرية بدأت استخدام الوالد للي ذراع الابن الذي أسس منظمة حقوقية في أمريكا للدفاع عن حقوق المعتقلين.

وبعد رفعه دعوى قضائية ضد المسؤولين الحكوميين الموجودين في مناصبهم إبان سجنه (خاصة رئيس الوزراء المصري السابق حازم الببلاوي)، قال محمد سلطان إن والده السجين السياسي الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد، اختفى من زنزانته "انتقاماً لدفاعي عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة".

مظلومون في حب الثورة

لعل من المفارقات، أن كثيراً من أولئك الذين لم يشهدوا ميدان التحرير في 25 يناير، لكن قلوبهم شهدت أهداف الثورة وتعلقت بحبها، قد اصطلوا كذلك بنار الاعتقال والتشريد، حتى أولئك الذين لم يبلغوا مصاف الشباب في ذلك الوقت لكن عيونهم تفتحت على آمال الثورة، أو التحقوا بركب الثورة متأخراً، لكنهم لم يتأخروا عن مواكب تحمل الضرر والأذى.

من بينهم مجهولون في السراديب المظلمة للسجون، تكتظ بهم الزنازين الضيقة، ويشاركون الهم والأذى، وإن لم يشاركوا في الشهرة وإلقاء الضوء الإعلامي على معاناتهم.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard