شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حبيبتان في بيروت... أن نجرؤ على الحبّ والحريّة ونقاوم التهجير

حبيبتان في بيروت... أن نجرؤ على الحبّ والحريّة ونقاوم التهجير

مدونة نحن والميم-عين

الاثنين 23 يناير 202303:40 م

تندرج هذه المادة ضمن "طيف22"، وهو مشروع مخصص لالقاء الضوء على التنوعات والاختلافات الجنسانية والجندرية والجسدية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يشارك فيه صحفيون وصحفيات، ناشطون وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمون لهم/نّ، ليكون مساحة للتعبير بحرية عن مختلف المواضيع المتعلقة بالتوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، بغرض كسر التابو والحديث بموضوعية عن هذه المسائل الشائكة.

يمشي حبيبان في أحد شوارع بيروت، يمسكان بيديّ بعضهما البعض ويضحكان. ينظر إليها وتنظر إليه، فيبدو الحبّ واضحاً في أعينهما، ويهيم في الشارع بينما يتمشّيان، فتحيط بهما هالةٌ يستطيع المارة الإحساس بها. يرفعان يديهما خلف ظهريهما، وكأنها حركة اتفقا عليها مسبقاً، أو اعتاداها، فيُمسك بخصرها وتُمسك بخصره، ويحضنان بعضهما. تخرج شرارة من أعينهما وتكبر ضحكاتهما. يقهقهان ويكملان طريقهما: حبيبان نحن، ولا يسعنا شارعٌ ولا مدينة.

يتكرّر المشهد طوال اليوم، وكلّ يوم، في كلّ شوارع بيروت. يطفو الهيام مع طلوع شمس الشتاء فوق مدينتنا المقهورة والمثقلة بأزماتٍ أتعبت قلوب قاطنيها، لكنّ أملهم بحياةٍ أفضل وأحلى يبقى، ويُزهر حبّاً جديداً يعيد النبضات إلى القلوب وينشّط الدم في شرايينهم.

قلبي يعتصر

أنا، المتعبة مثلهم ومعهم، أفرح لفرحهم، وألتفت إلى نظراتهم، وأراقب حبّهم، لكنّ قلبي يعتصر أكثر. ليس ذلك لأنّ الانهيار الاقتصادي طاولني وقلّل حيلتي، أو لأنّ الشمس لم تمسّ جسدي، بل لأنّ بلدي الذي أختار كلّ يوم أن أبقى فيه وأن أعمل لأجله، يمنعني من أن أعيش هذه اللحظات نفسها. يمنعني من أن أنظر إلى حبيبتي بعينين جريئتين يملأهما الحبّ المتفجّر في قلبي كينابيع الربيع الدافئ. يمنعني من أن أُظهر الحبّ على وجهي كلّما رأيتها تتحرّك بجانبي، ويجبرني على تقييد نفسي وردود أفعالي "الغرائزيّة" تجاهها.

في لبنان، برغم كلّ الكلام عن حريّات شخصيّة وفرديّة، لا نزال نصارع كي نقول إننا نحبّ من نحبهم، أو كي نحبّهم بيننا وبينهم من دون أن نبوح لأحدٍ حتى.

يمنعني بلدي من أن أنظر إلى حبيبتي بعينين جريئتين يملأهما الحبّ المتفجّر في قلبي كينابيع الربيع الدافئ. يمنعني من أن أُظهر الحبّ على وجهي كلّما رأيتها تتحرّك بجانبي، ويجبرني على تقييد نفسي

كلّما صعدنا درجةً جديدةً على سلّم نضالنا من أجل أن نكون من نريد أن نكون، كلّما خنقت السلطة (السياسية والدينية والمجتمعيّة) الأنفاس في حلوقنا. وكلّما اشتدّت الأزمات في بلدنا، كلّما كنّا كبش فداءٍ لرجال سلطةٍ طائفيين فاسدين فاشلين، فانتقموا من حبّنا وحريّتنا بقراراتٍ تمسّنا كفئات "مهمّشة" وتنغّص حياتنا اليوميّة كأفراد، فتمنعنا من "التجمع". ومهما قاومناها، على الصعيدين السياسي والشخصي، إلا أنّ قسوتها تجد طريقها إلى باطننا، فتكون عائقاً يمنعنا حتى من إفراز هرمونات الحبّ والسعادة في عقولنا.

أريد أن أتزوجها

أعرف أنّي ثنائيّة الميول الجنسيّة، منذ أن كنت في التاسعة عشر من عمري، لكنّ علاقاتي العاطفية العلنيّة كانت كلّها مع رجال.

مع بلوغي الثلاثين، خطفت امرأةٌ أنفاسي، فسيطرت على قلبي وعقلي ورغباتي الجنسيّة. "في يوم وليلة خدنا حلاوة الحبّ كلّه"، كما تغنّي وردة. وجدنا نفسينا في فقاعة يحيطها غبارٌ كوني، وعلاقةٍ حلمنا بأن تجمعنا بشريكٍ منذ أن تعلّمنا عن الحبّ وما يفعله بقلوب المغرمين.

عشنا (ولا نزال) لحظات "غرام وانتقام"، فمارسنا الجنس حتى طلوع الضوء، أو مع بزوغه، وفي نهاره وليله، وضحكنا. تحادثنا حتى استسلمت الكلمات وتطوّعت في لغةٍ جديدة لا يفهمها إلا نحن. فاضت بنا مشاعرنا حتى بكينا من شدّتها في ليالٍ حاربنا فيها وحوشاً زرعها محيطنا فينا، فأسكَتْنا صراخها بأننا "لا نستحق هذا الحبّ كلّه"، وصرخنا بصوتٍ داخليّ أعلى: بلى.

أريد أن أتزوّجها أيضاً. أن أستيقظ بجانبها كلّ صباح لأشمّ جسدها وأقبّله. أن تراني قبل أن أرى وجهي في المرآة. أن أستحمّ معها، وأن نشرب قهوتنا وندخّن أول سيجارة في يومنا. أن نواجه العالم ماسكتين يديّ بعضنا البعض من دون أن يحصل ذلك خلسةً

صباح اليوم، بينما كان حبيبان جديدان يمسكان بيديّ بعضهما، ويمشيان في الشارع بجانبنا، كانت حبيبتي تنظر إلى عينيّ، ويقفز من عينيها ولَهٌ يغمر كياني ويسرقني من الواقع حولي للحظات. قالت إنّها تريد أن تتزوّجني. سَرَت مع كلماتها على جلدي قشعريرةٌ أَغمَضَتْ عينيّ وأبرزت ضحكتي. أريد أن أتزوّجها أيضاً. أن أستيقظ بجانبها كلّ صباح لأشمّ جسدها وأقبّله. أن تراني قبل أن أرى وجهي في المرآة. أن أستحمّ معها، وأن نشرب قهوتنا وندخّن أول سيجارة في يومنا. أن نواجه العالم ماسكتين يديّ بعضنا البعض من دون أن يحصل ذلك خلسةً. أن تصبح أحلامنا واقعاً، من دون أن يعني ذلك حُكماً تفتيشنا عن بلدٍ آخر تحتوينا شوارعه.

أريد في تخيّلاتي أن نعيش معاً، هنا، من دون شروط، وأن نتحرّر من قيود الأمنيات، وتتحقّق، الآن واليوم وليس بعد حين. أن تطاول خيوط الشمس وجهينا بينما نجلس في مقهانا المفضّل، وأن ننظر إلى بعضنا من دون أن تكون تلك تهمة. أن نفرح لفرح أيّ حبيبين يمرّان بجانبنا، من دون أن يترك ذلك أيّ ألمٍ في صدورنا، وألا نتهجّر فقط لأننا نجرؤ على الحبّ والحريّة. 

هذا المشروع بالتعاون مع Outright Action International.

لكل إنسان الحق في الحياة. لا يسعنا سوى تقبّل اختلافاتنا والبناء عليها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

الأفراد في مجتمعاتنا مختلفون/ ات، ومتنوعون/ ات، وكي نبني مجتمعات كريمةً وعادلةً، لا يسعنا سوى تقبّل هذا الاختلاف والبناء عليه، واحترام قيمة الإنسان في الدرجة الأولى. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فهي جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard