شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بيني وبين البحر، ثقة مهدورة وأمنيات معطوبة

بيني وبين البحر، ثقة مهدورة وأمنيات معطوبة

انضمّ/ ي إلى ناس رصيف.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة "لناسنا"! تفاعل/ ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 21 يناير 202301:02 م

المضطرب


بينما كان أطفالي يستعدون لنزول حمام السباحة مع رفاقهم فى التمرين الأسبوعي، كنت أحمل حقائبهم المكتظة بالمناشف والملابس، وحقيبتى القماشية البيضاء المنتفخة بالكتب والأوراق.

أحاول إيجاد مقعد له ظهر بمدرج عال يمكّنني من رؤيتهما الاثنين، فأحدهما بأول الحمام والآخر بمستوى متقدم بآخر الحمام. بمجرد أن أرحت ظهري على المقعد الأخضر البلاستيكي المثبت فى الحجر، شعرت بنسمة هواء خفيفة تربت على جسدي المنهك من أثر الحر ويوم عمل طويل قبل التمرين. أرحت حقائبنا بجانبي ورحت أراقبهم بشغف.

أمان مستلب وذكرى مشوهه للغدر الأول

خطت عيني بعض الخطوات القليلة بعيداً عن جسديهما المتحركين في الماء لأثبتها على زرقة أرض الحمام، ابتسمت ورددت فى عقلي: "كم أنتما محظوظان، لا تهابان الماء مثلما كنت ولا أزال". كم أتمنى أن أسبح بحرية، أن أشعر بذراعي تضربان الماء دون اكتراث لشكل جسدي أثناء السباحة، دون اهتمام لمن يرى ويراقب، دون اهتمام لأفكاري ومخاوفي.

لم نكن من تلك العائلات التي تحرص على المصيف كل عام، كان أبي يفضل أن يقضي إجازته بالبيت ونحن حوله بلا ضجيج نلهو، وفي إحدى المرات - ولا أذكر هل أنا من طلبت أم هو من قرر ذلك- أرسلني إلى المصيف مع جدتي وعمي وزوجته وابنهما الوحيد وقتذاك.

تحمست أمي وسارعت لشراء قماش يصلح لأن يكون رداء بحر يناسب مقاسي "مايوه"، حاولت خياطته على ماكينتها العتيقة لكنها لم تفلح، أعادت الكرّة وجاءت بنفس النتيجة، فسلمت لرأي أبي أن عمي سوف يشترى لى آخر مناسباً من هناك.

أذكر صوت محمد منير والمطربة حنان يغنيان طوال الطريق، يصدر صوتهما من المسجل بالسيارة. أنام وأستيقظ، أسألهم: "هل وصلنا؟"، يردون باقتضاب: "لا لسه".

حتى أفقت على صوت عمي يحثني على الاستيقاظ لأرى البحر فقد لاح من بعيد. قمت كمن يستقبل العيد الذي ينتظره من سنين، لفني السكون طوال الطريق، فقد كنت أتأمل ذلك البحر الواسع الكبير جداً، وأتعجب كيف يمكن ألا يخافه المصطافون ويأمنون لكل هذه القوة؟

وصلنا، وبمجرد نزولنا نظر لي عمي ساخراً  قائلاً: "علينا العودة الآن فقد رأيناه، وهذا ما كنا نرغب به وكفى". نظرت له بعيون مرهقة بلا ردّ، لكني صدقته وحزنت.

في غضون دقائق فهمت أنه كان يقصد السخرية لا أكثر، لكنني لم أنس المشهد والجملة والتأثير حتى اليوم. اشترينا المايوه وكان لونه أزرق غامقاً برباط يلف على الرقبة، واستعد الجميع بعد الغداء للذهاب إلى الشاطئ.

لا أنسى هيبته ورائحة اليود تملأ أنفي، تتغلغل في صدري، تغلّفه للأبد وتقبع بالذاكرة، كنت أتقدم إليه حافية أخطو على الرمال لأول مرة في حياتي، كملكة تقود جيشها موقنة من النصر، حتى أصبحت في مواجهته... مجاز

لا أنسى هيبته ورائحة اليود تملأ أنفي، تتغلغل في صدري، تغلّفه للأبد وتقبع بالذاكرة، كنت أتقدم إليه حافية أخطو على الرمال لأول مرة في حياتي، كملكة تقود جيشها موقنة من النصر، حتى أصبحت في مواجهته.

أصابني التوتر للحظات، كيف أبدأ ومن أين؟

جلست على الرمل أنظر إليه وأفعل كما يفعل من حولي، أحفر في الرمال وأجلب بعض من ماء البحر لأحفر نفقاً وحوله حديقة وهضبة وسور. ناداني عمي الذي كان يمرح معه هو وطفله ودعاني للنزول، أعربت عن خوفي بإيماءة من رأسي. طمأنني وأخبرني أنه سيعلمني ولن يفلتني أبداً. فرد يديه على الماء وطلب مني أن أترك جسدى عليه، ففعلت، فقذفني للماء دفعة واحدة بدون أي تمهيد.

 ولأول مرة تدخل مياه البحر المالحة فى فمي فأبتلع منها قدر ما أستطيع، وفي عيوني فتلهبها، وأسمع صوت الموج يهدر حولي وأفقد الاتزان.

جاءت الموجه ورفعتني وألقتني على الشاطئ وأنا أسعل بشدة، ولا أستطيع أن أفتح عيني وهو يقف وسط الماء يضحك. بعد هذا اليوم كانت كل علاقتي بالبحر وحتى آخر المصيف هي اللهو بالرمال وبناء وهدم ونقل الرمال والماء.

محاولة ثانية لعقد صلح تنتهي بخصام طويل

لم أكرّر التجربة ولم أذهب للمصيف حتى بلغت 11 عام، وفي إحدى المرات أخبرتني أمي أنه علينا زيارة بعض أقربائنا بحلوان، وربما نعرج على كابريتاج حلوان وتسمح لي بالنزول لحمام السباحة لبعض الوقت قبل الزيارة.

وصلنا للمكان. قمت بتغيير ملابسي، واتخذت أمي مكاناً مناسباً لها للجلوس تحت الشمسية ومراقبتي. كان حولي الكثير من الناس وكانت مشاعري مضطربة جداً، لكنني  حاولت تجاهلها أو تجاوزها حتى لا أفوت الفرصة على نفسي ولا أخذل أمي التي تظن أنني تعودت على الماء، ولا أعرف من أين جاءها هذا الظن وهي لم ترني أسبح مرة واحدة في حياتها.

نزلت الماء وهالني حجم الحمام بعدما انتحيت جانباً أراقب الأطفال فى عمري وأكبر قليلاً كيف يؤدون حركات ملفتة بالماء، يرفعون أجسادهم وينامون على ظهورهم وبطونهم ويحملهم الماء على صفحته، هكذا ببساطة دون أن يبتلعوه ويحرق أعينهم، كما أنها لم تكن تشبه مياه البحر، فهذه غير مالحة كمياه البحر.

ظللت متسمرة مكاني، أقبض على ماسورة حديدية بأحد الجوانب، حتى انتبهت إلى أمي تقف وتحمل حقيبتها لتغير مكانها، وتشير لي أن أتحرك معها داخل الماء، فتحركت حتى استقرت هي فى مكان آخر تحت شمسية أخرى.

فى غضون دقائق كنت أشعر أن قدمي لم تعد تلامس الأرض، لم يخبرني أحد من قبل أن أرضية الحمام متدرجة العمق بحيث تناسب كل الأطوال، فهذه أول مرة في حياتي أنزل حمام سباحة.

أطفو وأدور مع الماء والشمس في وسط السماء وضحكات من القلب شاهدة على الحدث، تربت على علاقتي بالبحر في الذاكرة وتخبره أن "ايه في أمل"... مجاز

نعم حدث ما توقعته، غطس جسدي الضئيل تحت الماء، ورحت أجاهد لأطفو وأنا أقاوم الغرق، آخذ نفساً وأهبط مرة أخرى، العديد من المرات حتى أنني أذكر تلك الجملة فى رأسي: "يعني خلاص هموت".

شربت كمية كبيرة من الماء قبل أن ينتشلني أحدهم من الماء، رافعاً جسدي إلى أمي التي أبصرتها بنصف عين تجلس على حافة الحمام وتتدلى قدمها في الماء تصرخ وتطلب المساعدة. بعد أن استفقت، راحت توبخني بشدة وتتوعدني بعدم الخروج معها ثانية، وتتهمنى بأني تسببت لها في حالة نفسية سيئة سترافقها طويلاً.

عرفت فيما بعد أنها لم تطلب مني تغيير مكاني لكنها كانت تخبرني أنها سوف تغير مكانها إلى مكان آخر وأشارت إليه حتى أعرفه، بينما كان هو بالمصادفة المكان الأكثر عمقاً فى الحمام. لسنوات بعدها دأبت أمي على حكي الحكاية أمام الأقارب والأصدقاء، وكيف أنها لو لم  تصرخ وتلفت الانتباه لي لغرقت.

ولسنوات أيضاً شعرت بأنني متهمة بخذلانها والتسبب لها بمشاعر سيئة وعلي التكفير عنها بأي وبكل شكل، حتى أنها كانت تردد أمامي لصديقاتها أنها أصبحت لا تستطيع أن تنظر للنيل من شباك مكتبها بالعمل، وتتحاشى أن تقع عينها عليه حتى لا تتذكر ذلك المشهد المؤلم لها، فينظرون لي جميعاً مستنكرين الجرم الذي اقترفت، فأنكس عيني خجلاً وعجزاً.

هل يمكن أن نعاود الكرّة يابحر؟

تتعجب صديقاتي ممن يعرفن أني من برج السرطان، أي أني مائية الهوى ولكنى لا أجيد السباحة. كم سمعت أغنية حنان ماضي "البحر بيضحك لي يحكى لى ويغني"، وكل أغنية تغني للبحر أو تتغنى بسماته.

 تعلقي بالماء كان عميقاً بحيث أن أول إيميل حمل اسم "سمكة البحر" باللغة الإنجليزية، لا يمكن أن أرى نفسي بعيداً عنه لفترات طويلة، وأتمنى أن أسكن يوماً ما بمواجهته.

عندما كبرت قررت أن أداوم لسنوات الجامعة على رحلة الإسكندرية كل عام ليوم واحد فقط، أبتهج بالصحبة والزيارات واللعب على الرمال، لكن لا أجرؤ على معانقة البحر حتى وإن رغبت، حتى أغرتني صديقة يوماً ما أن تمنحنى شعور مبهج إن سمحت لها بتجربته معي، فوافقت.

كانت تعرف العوم، فطلبت مني أن أترك لها جسدي وهى ستضع يديها أسفله ولن تتركني، توترت وطلبت منها أن تحلف، ففعلت.

نزلت على استحياء وفعلت ما قالت مغمضة عيني وفمي استعدادا للغرق، رفع الماء جسدي وتحسست يديها أسفل ظهري، فارتخى جسدي بعض الشيء، ثم قامت بلف جسدى على الماء حول نفسه 360 درجة ببطء وطلبت مني أن أفتح عيني، وكان واحداً من أجمل المشاهد التي رأيتها في حياتي، أنا أطفو وأدور مع الماء والشمس في وسط السماء وضحكات من القلب شاهدة على الحدث، تربت على علاقتي بالبحر في الذاكرة وتخبره أن "ايه في أمل".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
Website by WhiteBeard