شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
كلي أمل أن يدرس بيتر ميمي السينما

كلي أمل أن يدرس بيتر ميمي السينما

رأي نحن والفئات المهمشة

الأربعاء 18 يناير 202301:13 م

لسهرة عائلية لطيفة في السينما، سيكون فيلم "شلبي" للمخرج بيتر ميمي، ومن بطولة كريم محمود عبد العزيز، ترشيحاً مناسباً تماماً، خاصة للأطفال.

لكن خارج أسئلة الأطفال، ثمة أسئلة أخرى تخصّ تخيّلات بيتر ميمي عن كل شيء: ما الذي تعنيه السينما أصلاً بالنسبة إليه؟ ما الذي يعنيه الواقع؟ ما الذي يعنيه الفقراء والفقر؟

بيتر ميمي هو مخرج السلسلة الشهيرة من مسلسل الجهة السيادية الشهيرة "الاختيار"، ومن قبله مسلسل "كلبش" عام 2017، والذي أطلق ظاهرة الضابط البطل، المقدس والذي لا يخطئ.

وفيلم "شلبي" ليس فيلمه الأول الذي تدور عوالمه في عوالم الفقراء، فقد سبقها أفلام "سعيد كلاكيت" عام 2014، بطولة عمرو عبد الجليل، "القرد بيتكلم" 2017 من بطولة أحمد الفيشاوي وعمرو واكد، و"من أجل زيكو".

لكن خارج أسئلة الأطفال، ثمة أسئلة أخرى تخصّ تخيّلات بيتر ميمي عن كل شيء: ما الذي تعنيه السينما أصلاً بالنسبة إليه؟ ما الذي يعنيه الواقع؟ ما الذي يعنيه الفقراء والفقر؟

إذا ما استثنينا أفضل أفلامه "من أجل زيكو" الذي يتحدث عن التفاوت الطبقي، لولا النهاية العجيبة التي تحصر أمل الفقراء الوحيد في الثراء هو أن يتحولوا إلى مطربي مهرجانات، مستبعداً خيار التعليم، فإن الجامع بين تلك الأفلام هو عدم اهتمام بيتر ميمي بالواقع، عدم الاهتمام بالمنطق الدرامي، لا في رسم الشخصيات ولا في حواراتهم، وكذلك تقديم الفقر بوصفه كرنفالاً وفلكلوراً، والإصرار على تزييف البيئة التي يعيشون فيها وتجميلها.

فمثلا في فيلم "شلبي"، يعيش الأبطال الفقراء في بنسيون شديد الجمال والأناقة بأجرة لا تزيد عن 40 جنيهاً شهرياً، يصفق الأطفال الهاربون من ساعات التعليم الحكومي البائس لمونولوج مسرحي بالفصحى، في حين أنهم في الواقع سيسخرون من صاحبه، تلفق الأسباب التحولات الدرامية التي تساهم في اتخاذ الشخصيات لقرارتها.

بدون مقدمات، يقرّر كريم عبد العزيز أن يتحول من شخص ضعيف مسالم إلى مقتحم وسارق لفيلا رجل ثري، في مشهد وشخصية ممسوخة من الثري في فيلم "المنسي"، حتى الشخصيات الصعيدية التي ظهرت في الفيلم تتجاوز فكرة الاستنساخ من الصورة النمطية عن الصعيد إلى تقديم صورة لا تمت بصلة لا للواقع ولا للمسلسلات والأفلام.

الجامع بين أفلام بيتر ميمي هو عدم اهتمامه بالواقع، عدم الاهتمام بالمنطق الدرامي، لا في رسم الشخصيات ولا في حواراتهم، وكذلك تقديم الفقر بوصفه كرنفالاً وفلكلوراً، والإصرار على تزييف البيئة التي يعيشون فيها وتجميلها

لا أظن أن بيتر ميمي يزيف الواقع عن عمد، بل إنه يملك صورة في ذهنه عن ذلك الواقع دون أن يراه أو يعرفه، يلوي الواقع لصالح الحدوتة، تماماً كما فعل مع السينما التي لم يدرسها، وهو أمر غير ضروري إذا ما كان صاحبه يملك موهبة ورؤية وقدرة على التعلم.

ميمي هو مثال لمتوسط الموهبة العصامي. بالتأكيد علينا أن نحييه على تلك النقطة، فلا أظن أن صعوده محكوم بشبهة الشللية، ونجاح أفلامه في شباك التذاكر هو الذي كان وراء ترشيحه لإخراج مسلسل "الاختيار"، الذي قدم بالمنطق نفسه: صورة مشوهة عن الواقع لصالح حكاية في أذهان أشخاص، نجاح يجعله قادراً على إقناع أكبر شركة إنتاج في مصر على أن تموّل له فيلماً عن أبطال خارقين – أي السينما الأمريكية مرة أخرى- وهو فيلم "موسى".


جزء من أسباب صعود بيتر ميمي كانت في الأساس قدرته على إسعاد المنتجين من حيث قلّة أجره كمخرج، على الأقل في بداياته، إنجازه السريع للفيلم في الوقت المطلوب، غير متعب لمديري الإنتاج، مستعد لأي تنازل لصالح المنتجين مهما أضرّ ذلك التنازل بجودة الفيلم. حتى أن المنتج العراقي سيف عريبي، منتج عدد من أفلام بيتر ميمي كـ"الهرم الرابع" و"القرد بيتكلم"، كان يضع الموسيقى التصويرية بنفسه لتلك الأفلام، ربما كشرط للإنتاج لم يواجه اعتراضاً من المخرج.

أول فيلم يرى النور لبيتر ميمي كان فيلم "سبوبة" عام 2012، من بطولة أحمد هارون، وهو تمصير متعجل لفيلم "Reservoir Dogs" لتارانتينو، وقد نفذ بأقل الإمكانيات، وبطله كان، وما زال، ممثلاً مغموراً.

جزء من أسباب صعود بيتر ميمي كانت في الأساس قدرته على إسعاد المنتجين من حيث قلّة أجره كمخرج، إنجازه السريع للفيلم في الوقت المطلوب، غير متعب لمديري الإنتاج، مستعد لأي تنازل لصالح المنتجين مهما أضرّ ذلك التنازل بجودة الفيلم

يتطور بيتر ميمي على مستوى التكنيك من عمل إلى آخر، لكن هذا التطور لا يشبه حتى تطور مخرجين كشريف عرفة ومروان حامد، ولا حتى عدد من المخرجين الذين يطورون أدواتهم، رغم افتقادهم للرؤية التي كانت تميز سينما الثمانينيات والتسعينيات.

كل ما يفعله بيتر ميمي هو نسخ ما أعجبه من أفكار من مشاهد من لقطات، في مزيج غير متماسك، فلا ينتج في النهاية سوى كيمرا أو هجين، كمن يملك تقنية مجمعة على طريقة من كل بستان زهرة، حيث تميزت أفلامه بغياب أبسط قواعد المنطق، وكذلك لم ينقصه كبيتر ميمي، حب لا متناه لفن السينما وطاقة جبارة وآمال عريضة وأحلام واسعة، لا أشك في هذا.

كل ما يفعله بيتر ميمي هو نسخ ما أعجبه من أفكار من مشاهد من لقطات، في مزيج غير متماسك، فلا ينتج في النهاية سوى كيمرا أو هجين، كمن يملك تقنية مجمعة على طريقة من كل بستان زهرة

تمكن بيتر ميمي أن يحظى بفرصة أسرع من مخرجين شباب، عبر الجهد، لكن أيضاً عبر التعجل، إد وود المصري، يتهافت عليه المنتجون، ويظل خيارهم الأول، ونقلاً عن شهادة أحد مساعدي الإخراج العاملين في هذا المجال، أن اضطرار المنتجين للتعامل مع مخرجين آخرين؛ لأن بيتر ميمي مشغول في مشاريع أخرى لسنتين قادمتين.

كلي أمل أن يدرس بيتر ميمي السينما، سيمثل ذلك فكرة لا بأس بها، ربما ساهمت فعلاً في تغيير مسار أفلامه، فالاعتراض هنا ليس على أفلام التسلية، لكن على ما نراه على الشاشة من افتقاد الفيلم لأي شيء سوى "عناصر متنافرة مضروبة في خلاط".

وكذلك أنوه بكامل احترامي لجهده، لكن يظل من المؤلم أن نرى في أيام الأزمة الاقتصادية الطاحنة، تحوّل الفقراء إلى فلكور، فتحت ثنايا الحدوتة المسلية غير المنطقية، يدهس الفقراء مرة أخرى على الشاشة، وتمرّر فكرة أنهم يعيشون حياة لطيفة، والمقابل هو إنكار تصوير الفقر من السينما والإعلام.

أتفهم تماماً أن السينما المصرية وظروف الإنتاج محكومة بما هو أكبر من تصوراتنا، وأن بيتر ميمي فهم تلك الظروف أفضل من أي مخرج في جيله وتكيّف معها.

كل فئات المجتمع تستحق الحياة، هكذا ببساطة. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard