شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أُنهي عاماً جديداً في مدينة شاحبة أحبّها كثيراً

أُنهي عاماً جديداً في مدينة شاحبة أحبّها كثيراً

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 16 يناير 202304:06 م

الاستيقاظ فعل يومي يحتاج منا نحن من يعيشون اليوم في سوريا، جهداً هائلاً. عدا عن "كليشيه" البحث عن المعنى والجدوى، و"ما الذي نفعله في هذه الحياة؟"، وإلى جانب قوة محبطة تسحبنا كل يوم نحو الأسفل أكثر، نعارك في هذه الأيام درجات حرارة متدنية للغاية داخل بيوت أنهكتها العتمة والعزلة والبرد القارس.

أقرر أن أبدأ هذه السنة بإحساس وطاقة مختلفَين، على عكس كل الإنهاك الذي أنهينا به العام الفائت، على أمل أن يكون الأمر هو "قرار" حقاً، مجرد قرار. أول ما عليّ فعله هو ألا يستغرق نهوضي من الفراش أكثر من عشر دقائق، كي لا أسمح لتلك القوة المحبطة بأن تشدني إلى زاوية يصعب الخروج منها. فور النهوض، أغتسل بماء شبه متجمد، أفتح نوافذ المنزل جميعها لأحصل على أكبر قدر ممكن من الإضاءة "لرفع المعنويات الهابطة"، وأرتدي ثلاث طبقات من الملابس، ثم أسخّن بعض المياه لإعداد القهوة.

الاستيقاظ فعل يومي يحتاج منا نحن من يعيشون اليوم في سوريا، جهداً هائلاً.

إن نجحت في ذلك كله، من دون تأخير أو تلكؤ، يمكنني أن أبدأ يومي بسلام وطمأنينة، وقد أنهيت أولى المعارك بنجاح.

أقول "معارك"، وأنا أستعير تشبيهاً من صديقة كتبت قبل أيام، عن أن تبديل السوريين لملابسهم قبل الخروج من المنزل بات أشبه بمعركة تحتاج إلى الكثير من الشجاعة، ونحن نتحدث هنا عن شتاء قاسٍ، ومنازل تنعدم فيها كافة وسائل التدفئة في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة وعدم توافر المحروقات، وإن توافرت فبأسعار خيالية.

أرد عليها متهكمةً بأنني صرت أفكر في أن أنام بملابس الخروج، فلا أضطر إلى ذلك الفعل "المؤلم" كل صباح.

صديقة أخرى تخبرني: "لم أعد أطيق الحياة هنا. كمية الإحباط والمعارك اليومية التافهة صارت فوق قدرتي على التحمل. 2023 سيكون عامي الأخير في دمشق".

أصمتُ، أهز رأسي، وأنظر إليها بلا مبالاة، لكني أعتقد بأنني في قرارة نفسي، كان جزء مني يحسدها، ويحسد صديقَين التقيت بهما ليلة رأس السنة، وكانا يشربان نخب "آخر ليلة راس سنة بسوريا"، وهما سعيدان حقاً. لن يضطرا إلى أن يعيشا بعد اليوم تحت وطأة حياة تطبق علينا كل لحظة بفكّين قاسيين لا يرحمان.

لم أحاول أن أقنع صديقتي بالبقاء، أو أن أقول للصديقين "انتظروا شوي، انشالله السنة الوضع رح يكون أحسن". قبل أشهر كنت سأفعل ذلك على ما أظن، على أمل ألا أخسر مجدداً المزيد من الأشخاص الذين أحبهم، وأدخل في دوامة متكررة من البحث عن صداقات جديدة، وهو أمر صرت أتقن فعله كل عامين أو ثلاثة تقريباً. لكني اليوم لم أعد أبالي.

أكتفي بأن ألوّح بيدي كما هي عادتي حين أريد أن أطرد من ذهني أفكاراً مؤذيةً، وأذكّر نفسي بأنني سعيدة هنا، وبأن الحياة جيدة، وبأنني أحب هذا المكان.

لم أحاول أن أقنع صديقتي بالبقاء، أو أن أقول للصديقين "انتظروا شوي، انشالله السنة الوضع رح يكون أحسن". قبل أشهر كنت سأفعل ذلك على ما أظن، على أمل ألا أخسر مجدداً المزيد من الأشخاص الذين أحبهم، لكني اليوم لم أعد أبالي

أهتمّ بمتابعة توقعات الأبراج، التي تنبأت لي بعام جميل وسعيد خاصةً في نصفه الثاني، وأضيف ما قاله لي المتنبؤون والمتنبئات وكتب الأبراج إلى مخزوني من "الطاقة الإيجابية" التي أعِد نفسي بها وبالمحافظة عليها.

أقرأ عنواناً لتقرير إخباري على صحيفة محلية: "هل تغيّرت فعلاً أشكال السوريين بسبب الحالة الاقتصادية؟". أنسى أن أفتحه كي أعرف كيف أصبحت أشكالنا. أستمتع بأن أتخيل أننا نتحول مثلاً إلى "أفاتارات" بلون أزرق. كم سيكون ذلك جميلاً. أحب هذا الفيلم وتسحرني العوالم التي في داخله، ولا أمانع أن يتحول شكلي إلى وجه متطاول وأذنين كبيرتين، ويدَين بأصابع أربعة في كل منهما، وجلد أزرق غامق.

اليوم وأنا أقترب من إتمام عامي الأربعين هنا، أنظر إلى وجهي في المرآة فأشعر بأنني لا أعرف نفسي. يُخيل إليّ بأن السواد حول عيني تضاعف في الأشهر الثلاثة الأخيرة. يزعجني أي ضوء مبهر فقد اعتادت عيناي على الظلام بشكل لافت ومزعج. لديّ مزيج غريب ومتناقض من اللا مبالاة والكسل وعدم الرغبة في فعل أي شيء، بل في البقاء نائمةً طوال اليوم، والطاقة الهائلة التي يمكنني بها أن أجوب العالم راكضةً خلال ثلاثة أيام فقط.

أشعر بأن هناك "غولاً" يتمدد في كل مكان حولنا. يزحف ببطء كي يلتهم في غفلة منا جزءاً آخر من المدينة.

اليوم، وأنا أنهي عامي الأربعين، عليّ أن أعترف بأن كل هذه المعارك، مع البرد، والعتمة، ومؤشر الوقود في خزان السيارة شبه الفارغ، وبائع وقود التدفئة، والازدحام والفوضى في الطرقات، وارتفاع الأسعار الجنوني، والمشاة الذين يسيرون في منتصف الشوارع غير آبهين بشيء، والتجاعيد الآخذة بالتزايد حول عينيّ بتسارع، وغيرها من مؤشرات تدهور الحياة، ليست هي ما يستنزف طاقتي تماماً، وإنما معركتي الخاسرة هي مع وجه جديد لدمشق، لا أشعر معه بأي نوع من الألفة، ولشدّة غرابته وقسوته أفقدني كل ارتباط بمدينة لم أعرف غيرها طوال حياتي.

أتذكر حلمي القديم بأن أمتلك مقهى جميلاً مليئاً بالكتب، في شارع العابد أو الشعلان أو المهاجرين أو الحلبوني، وهي من أكثر المناطق التي أحبها في دمشق. ما زلت محتفظةً بدفتر صغير خصصته للتخطيط لهذا المشروع، "مشروع حياتي"، وكنت أكتب عليه بعض الأفكار والملاحظات على فترات متباعدة.

تضيق المساحة التي يمكنني أن أنفذّه ضمنها، والتي أشعر بأنها ما زالت "تشبهني"، ولا أدري من سيكون حقاً مهتماً بالقهوة اللذيذة التي أنوي أن أصنعها كي أشجع الناس على القدوم إلى مقهاي الجديد.

اليوم، وأنا أنهي عامي الأربعين، عليّ أن أعترف بأن كل هذه المعارك ليست هي ما يستنزف طاقتي تماماً، وإنما معركتي الخاسرة هي مع وجه جديد لدمشق، لا أشعر معه بأي نوع من الألفة، ولشدّة غرابته وقسوته أفقدني كل ارتباط بمدينة لم أعرف غيرها طوال حياتي

أشعر بأن هناك "غولاً" يتمدد في كل مكان حولنا. يزحف ببطء كي يلتهم كل يوم وفي غفلة منا جزءاً آخر من المدينة. نصمت، نحزن أحياناً، نشعر بالعجز أو اللا مبالاة أو الرغبة في الصراخ، لكن الوحش يستمر غير آبه بنا، ونحن نستمر في السير بأرجل وروح ثقيلة غير قادرين على مواجهته.

أفكر في أنني اليوم، وأنا أنهي عاماً جديداً في هذه المدينة، عليّ ربما أن أعيد التفكير في حلمي القديم، وأن أختار له اسماً ومكاناً، وأبدأ بانتقاء حبات القهوة التي ستفوح رائحتها منه كل صباح. أفكر أيضاً في أنه ربما عليّ أن أمزّق ذلك الدفتر الصغير، وأرمي قصاصات الورق التي كتبت عليها تفاصيل الحلم لذلك الغول الكبير، كي يلتهمها. قد تكون الفكرة الأجدى هي أن أحرق الدفتر بما فيه من أوراق لأحصل منها على بعض الدفء.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard