شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
أيّها العالم، ابكِ عليَّ أو ساعدني على البكاء

أيّها العالم، ابكِ عليَّ أو ساعدني على البكاء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والنساء

السبت 7 يناير 202311:48 ص

حياكة الكلام


وحش الميلاد

كان الجو ضبابياً ويميل للبرودة، ومناسباً جداً للموت، حيث ماتَ جدي بدفءٍ مع من يحب؛ بينما كنت وحدي في دمشق، أتمنّى ميتة مشابهة وأرتجف إذ أشعر باستحالة الأمر.

لم يزرني أحدٌ منذ أشهر لذا وجدت أنه لا داع ٍلتزيين شجرة الكريستماس؛ ما فائدة ضوءٍ لن يراه غيري؟ أسأل نفسي أسئلة مشابهة كل يوم ولا أبكي من أجوبتها، غير أنها تدفعني لتبرير برودي؛ أشرب نيسكافيه بارد، وأستحمُ بمياهٍ باردة، وبدل أن أضحك أبتسم. 

لا شيء هنا يدعو للفخر في أن تكون مهملاً لنفسك إلى هذا الحد، لكنك بعد عامٍ كاملٍ على هذا الحال تفهم أنه لا مانع من الحديث عنه كونك لا تملك شيئاً آخر لتقوله، ويبدو لي أن كتابة هذا النص محاولةٌ يائسةٌ لأقول للعالم: أريد أن أموت الآن ولكن مثلما مات جدي. وجهي بارد. أكره البرد وأحتاج لدمعةٍ واحدةٍ لأدفئ قليلاً قبل مغادرتي... أيّها العالم، ابكِ عليَّ أو ساعدني على البكاء!

وحش الكريستماس

مهمّة الأعياد بسيطة؛ تجمعكَ مع الأحباب وتعطيك سبباً للاحتفال وآخر للابتسام، وربّما إذا قرّبنا العدسة قد نرى خيوطاً بسيطةً معقدة لا تسمح لهذه العملية بالاكتمال.

أعرف كيف يكون سهلاً القول بأن وحدتي خيارٌ شخصي، أو أن كل هذا يتطلّب مني الخروج من المنزل قليلاً، لكن الحقيقةَ أنّي فعلت هذا حقاً وللأسف أنّه نجح، وبشكلٍ لن يصدقه شخصٌ يعيش في بلدٍ غير سوريا؛ أخشى الأصدقاء لأني أعرف أنهم مغادرون، وكلّما قلت هذا لأحدٍ هنا جاوبني: أفهم، وتمنيت لو أبكي.

وجهي بارد. أكره البرد وأحتاج لدمعةٍ واحدةٍ لأدفئ قليلاً قبل مغادرتي... أيّها العالم، ابكِ عليَّ أو ساعدني على البكاء... مجاز

هكذا إذاً: غادر كل أصدقائي، تاركين وحش شجرة الميلاد يطلّ كل ليلةٍ من تحت السرير، حاملاً معه رعباً جديداً، ووحش الوحدة يخيف أكثر من الموت.

النبيذ

 سبق وقلتُ إني أشعر بالوحدة، إلا أني أملك شبكةً واسعةً من المعارف، وكلُّ من يعرفني يعرف عشقي للنبيذ، هذا وأقيم له طقوساً مقدسة: لا يجب أن يشرب على عجلٍ، ولا في الليالي الحزينة، ولا أشربه إلّا مع من أحبّ.

ويمكنني القول إن النبيذ وسيلتي للهرب كلّما شعرتتُ بأن الحياة تحشرني في تابوت طفلٍ صغير، ويساعدني على الضحك عندما أشعر أني سعيدة لدرجة البكاء!

وفي العيد تحديداً، أجلس مع والدي نشرب النبيذ بشكلٍ استثنائي ونقضي ليلةً طويلةً نضحك على أمي بعدما تسكر، لكنّ جدي مات؛ ولحسن حظه فإنه يملك أحباباً أوفياء لن يحتفلوا بالعيد دونه.

وهكذا أيضاً: يفقد النبيذ أيضاً فرصته لانتشالي.

على نافذة العدم

أفعل مثلما يفعل أبطالي المفضّلين في الروايات أو الأفلام، أخرج كلَّ يومٍ من عملي ضاحكةً مع الزملاء، وأنتظر رحيلهم لأتجرّد من كل شيءٍ، خلال ثانيةٍ واحدةٍ يعود وجهي إلى ملامحه الحيادية التي تعلّمت إخفاءها جيداً بالكثير من الانفعالات. أقطع الشارع بلا اكتراث، وفي المرات القليلة التي أكاد أتسبب بحادث سيرٍ أو أكاد أدهس، أتخيل وجه السائق المرعوب، وكيف سيظن أن الحظ حالفه أخيراً وأصبح حدثاً مهماً في حياة شخصٍ ما لكن بطريقةٍ لا يريدها، وكيف سيعتقد أنه أثّر فعلاً على حياتي إذا قتلني، فأضحك، ثم أتخيلني ممدةً على الأرض وأشعة الشمس تساعدني على الشعور بدفء دمي على جلدي.

المنظر من عدسة عين الصقر تبدو مثاليةً لتكون لقطةً في فيلمٍ ما، وأفكر بأن حياتي قد تكون فيلماً أو يجدر علي التمثيل حيث أموت قدر ما أريد وأكرّرها.

بلى، أنا عاشقةٌ ووحيدة ولستُ مثل أي شيء آخر، لا مثل زهرةٍ في الثلج ولا مثل لوحةٍ في معرضٍ مهجور، بل بهدوءٍ وبساطة... مجاز

لكن لا شيء يحدث؛ أصعد إلى السرفيس وأحدق طويلاً من النافذة دون أن أرى شيئاً حقيقياً، ودون أن أشعر بشيء حقيقي، كأني كلما كنت في سرفيس "باب توما – كراج الست" خدشتُ جدار العدم، ومع هذا لم يسحبني.

الحب... كونه لا مفرّ

 هل أستطيع الحديث عن حبيبي دون أن أبكي أو أضحك؟

ليس فعلاً، فبينما يحاصر البرد كل تفاصيل حياتي الدافئة، مازال الحبُّ قادراً على منحي شرارته في دمي، مثلما تستطيع الغيرة إحراق دمي.

لكن هل يمكن أن أكون عاشقةً ووحيدة؟

نفيتُ هذا طيلةَ حياتي، واليوم في مكتبٍ صحفيٍ معتم أقول بلى، أنا عاشقةٌ ووحيدة ولستُ مثل أي شيء آخر، لا مثل زهرة في الثلج ولا مثل لوحةٍ في معرضٍ مهجور، بل بهدوءٍ وبساطة.

ربما علي الآن أن أكون صريحةً بعض الشيء، فلا وجود الأصدقاء ولا غيابهم، ولا أضواء المدينة أو أعيادها، لا شيء على الإطلاق يمكن أن يغيّر حقيقة أني فقط مشتاقةٌ إليك، وأن هذه الليالي صارت أبرد وأوحش لأنك لا تبتسم لي خلالها.

ربما؛ وربما فقط أكتب كل هذا لأني لا أريد الكتابة عن غيابك!

خاتمة؟

أكتب هذا النص في آخر أيام سنتي الأكثر إثارة على الإطلاق، إذ إني أتخيل أنها منحتني ذكريات كثيرة لأتذكرها بينما أحتضر.

ولأن حياتي ليست على مشارفها على عكس السنة، أتذكر زوجة الدكتور إيرف د.يالوم في كتابهما المشترك عن الموت والحياة؛ ففي حين كانا يستعرضان حياتهما ويتحدثان عن الموت، وكيف عاشا حياتهما بالكامل وحصلا على ذكرياتٍ رائعة، ضغطت مارلين على يده قائلةً: "إيرف، لا يوجد شيء أريد أن أغيّره".

وعند موتي، أريد أن أكون قادرةً على قول جملةٍ كهذه دون تردد.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard