شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ماذا فعل الشعراوي للإنسانية كي نقدّم سيرته على خشبة المسرح القومي المصري؟

ماذا فعل الشعراوي للإنسانية كي نقدّم سيرته على خشبة المسرح القومي المصري؟

رأي نحن وحرية التعبير

الجمعة 13 يناير 202310:58 ص

أثير جدل واسع بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي بسبب إعلان عن تقديم أمسية على خشبة المسرح القومي المصري، تستعرض سيرة رجل الدين الراحل محمد متولي الشعراوي، ليتم عرضها خلال شهر رمضان المقبل. قوبل المقترح بالهجوم والرفض، فلماذا اعترض بعض مثقفي مصر على هذه الأمسية، وما هي أفكار وفتاوي الشعرواي التي تطارد ذكراه كاللعنة؟

عمل فنّي لمفتي التحريم

القصة بدأت عندما أعلن البيت الفني للمسرح خطته من الأعمال الرمضانية، في مؤتمر صحفي، وشملت الأسماء المقترحة سيرة الشيخ. استشاط بعض المثقفين غضباً، حيث رأوا أن تقديم سيرة الشعرواي تدعم أفكاره الرافضة للعلم والفن، ما يساهم في عودة المجتمع للوراء، وكان أبرزهم الكاتبة والبرلمانية فريدة الشوباشي، التي تقدمت بطلب إحاطة للبرلمان المصري برفض إنتاج هذا العمل، لأن الشيخ سجد شكراً عند هزيمة مصر في حرب 1967، وحرّم الفن بنفسه، فكيف يتم تبجيله في عمل فني؟

حمل الشيخ على كتفه جهاد الفن والعاملين فيه، فكان يدفع الفنانين إلى الاعتزال، مثل الفنان حسن يوسف الذي لعب شخصيته في مسلسل "إمام الدعاة"، وحاول إقناع الفنانات بالاعتزال وارتداء الحجاب، ومن بينهن الفنانة الراحلة شادية.

اعتبر الشيخ، أن الفساد المنتشر في المجتمعات بسبب ما يُعرف باسم الفنون الجميلة، وأن من يعملون في مجال الفن يأكلون من الباطل، ويدخلون بطون أولادهم من باطل، وأن على الابن الذي يعمل أحد أبويه في مجال الفن، أن يذلهم ويقول لهم: "لن آكل من أموالكم المحرّمة"، وأن الخائف من قلة الرزق ويقول إنه يعمل في الفن من أجل لقمة العيش، سواء باللحن أو النغم، عليه أن يترك هذا العمل وسوف يرزق.

ماذا قدّم الشعرواي للإنسانية حتى ندافع عنه؟ الرجل أفسد الاقتصاد المصري، حينما حرّم البنوك والاستثمار المشروع قانوناً، وتسبّب في تخلف الرعاية الصحية لدى المصريين بتحريمه زراعة الأعضاء البشرية

سخر مريدو الشيخ من "فوبيا الشعراوي" الذي لا يزال في نظرهم "يقضّ مضاجع العلمانيين بعد عقود من موته"، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل الشعراوي يصلح لدراما جديدة؟ هل يريد المسرح أن يعرض آراءه في العلم والمرأة والختان وتوظيف الأموال، أم أن الدراما المسرحية سوف تركز على مآثره وشعبيته وكراماته فقط؟

معظم الذين يضعون صورة الشعرواي على سياراتهم، خاصة التوك توك والميكروباصات، لا يعرفون عن فتاوي الشيخ أي شيء، ويدافعون عنه بجهالة. لم يسمعوه وهو يحرّض على قتل تارك الصلاة وتارك الزكاة وتارك الإسلام، لم يسمعوه وهو يحرّم الغسيل الكلوي ونقل الأعضاء، لكنهم فقط يتبركون به كما يتبركون بآلاف أصحاب الأضرحة الذين لا يعرفون عنهم أي شيء، البسطاء الذين سطحت عقولهم وأدمنوا الدين ورجاله.

تبرير التحرش

رأى الشعراوي أن تبرُّج المرأة يعدّ إلحاحاً منها في عرض نفسها على الرجال، ومحاولة للفت أنظارهم إليها، وأنها حين تتستر باللباس الشرعي لن يتعرض لها أحد أو يؤذيها بكلمة، لكنها ما إن تلبس ما يفصّل جسدها من ثياب فتصبح رهن الإشارة، وهنا يبيح للرجال التحرّش بالنساء إن كن غير ملتزمات بالملابس الإسلامية، أما "ختان الإناث" من منظوره فهو بمثابة كرامة للمرأة، فهو يرى أن القدر الزائد يكون خارجاً عن الشفرتين، فإن كان مرتفعاً وجاء الثوب علية أو مرّ به، أهاج شهوة المرأة، وإذا هاجت شهوة المرأة جعلها تطلب الرجل فتكون هلوكاً، والمرأة التي لا تختن تصبح بدون كرامة أمام الرجل، وهذا يخالف العلم الذي أثبت خطورة الختان على الصحة الجنسية والجسدية والنفسية للنساء.

أسأل وكلّي تعجب: ماذا قدم الشعرواي للإنسانية حتى ندافع عنه؟ أليست كل فتاويه تستحق النقد، الرفض والاعتراض؟ الرجل أفسد الاقتصاد المصري، حينما حرّم البنوك والاستثمار المشروع قانوناً من خلال التمويل العقاري أو التأمينات أو القروض، لصالح عصابة توظيف الأموال الإسلامية، وتسبّب في تخلف الرعاية الصحية لدى المصريين بتحريمه زراعة الأعضاء البشرية، وتحريض الأبناء على عدم علاج كبار السن وتركهم للموت وعدم تعطيل لقائهم بربهم.

نشر الكراهية والتحريض على الفكر الجهادي

لم يترك الشعراوي غير المسلمين في شأنهم، بل كفّرهم أيضاً وتسبب في حدوث انقسام طائفي بين المصريين عموماً، وتستغل فتاويه لنشر الكراهية، و أفتى بأحقية الرجل بضرب زوجته وإهانتها دون أن يحق لها الاعتراض لأنه اطلع على عورتها، وحرمان المرأة من حقها في التعليم والعمل، وروّج لفكر سيد قطب، عصب جماعة الإخوان الإرهابية، حينما أشاد بعمق فهمه للنص الديني وأنه نجح في استخلاص الغايات التي تساعد المسلمين في الاستيلاء على بلاد الكفر، حسب تعبيره، وإعادة الخلافة، وهنا يروّج للفكر الجهادي.

أتعجب ممن لديهم الجرأة لوصف الشعرواي بأنه رجل دين وسطي ومعتدل، ورمز من رموز الإسلام الذي يجب الحفاظ عليه، وفتاويه تسفّه قيمة العلم وتسخر من منجزات الحياة الحديثة وتنشر الكراهية وأولوية الصلاة عن العمل

أتعجب ممن لديهم الجرأة لوصف الشعرواي بأنه رجل دين وسطي ومعتدل، ورمز من رموز الإسلام الذي يجب الحفاظ عليه، ماذا قدم الشيخ من إسهامات لتطوير الفكر الإسلامي مثلاً حتى نحيي سيرته؟ ماذا جنى المجتمع المصري أو الإسلامي من فتاويه؟ هل رفعت من قيمة المجتمع؟ هل فكره الوسطي الذي يزعمه الكثيرون جعلنا متسامحين أو ساهم في تقدمنا اقتصادياً؟!

تسفيه قيمة العلم والسخرية من منجزات الحياة الحديثة ونشر الكراهية وأولوية الصلاة عن العمل، كلها فتاوى مازالت تشكل وعي الناس الجمعي، والشعراوي دعم صراحة العنف ضد الزوجة وبرّر اغتصابها بكذبة أن المرأة لا يمكن طبياً أن تسمح بعمل علاقة جنسية بسبب عضلات الرحم. دعم العنف ليس مجرد رأي، بل جريمة مثل جريمة التحريض على قتل تارك الصلاة، واعتباره رمزاً من رموز الإسلام فهذا في غير صالح الدين نفسه.

فتاوي تستحق الدفن

حتى نستطيع أن نواصل العيش بشكل إنساني، يجب أن ندفن أفكار وفتاوي الشعراوي التي تركها لنا. إن عملية تغيير فكر مترسّخ في وجدان وعقول الناس منذ سنوات طويلة لن تحصل بلمح البصر، الأمر يستدعي الكثير من السنوات والنقاشات وحتى الخلاف والجدل حتى يستفيق المغيبون، ويتم إنزال الشعراوي من مجلسه الذي يحظر الاقتراب منه إلى مجلس عامة البشر، ممن يمكن مناقشة آرائهم ونقدها ورفضها، وليس تقديسها واعتبارها صحيحة حتى لو كانت غير منطقية.

إن تاريخنا الحديث مليء بالكثيرين الذين أثروا فيه سلباً على الحاضر والمستقبل، وبدون نقد هؤلاء ونقد أفكارهم لن نسلم من الخطر. 

مستمرون في كسر الصمت الذي ورثه بعضنا من الآباء حتى ظنّ أن للحيطان آذاناً بالفعل... نحن في حاجةٍ إلى مساعدتكم. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض تحويلنا إلى كائنات خائفة يسهل حكمها. لذلك كنّا وسنبقى موقعاً يرفع الصوت ضد كل قمع لحرية التعبير ويحتضن كل الأفكار "الممنوعة" و"المحرّمة". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard