شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"تزوجته لأن إمّي قالتلي رح يشتريلك كل يوم بوظة"... حكايات نساء عن الزواج المبكر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الأربعاء 11 يناير 202302:14 م
Read in English:

“Mother promised he’d buy me ice cream every day”: Child brides in Lebanon


 يأتي هذا التقرير كجزء من مشروع "مش عَ الهامش"، 

 والذي يسلط الضوء على الحقوق والحريات والصحّة الجنسيّة والإنجابيّة في لبنان.

"تزوجته لأن إمّي قالتلي رح يشتريلك كل يوم بوظة"، و"تزوجته لأنو بياخدني عالمطعم"، حكايتا الطفلتين أروى وروضة، تنتميان إلى سلسلة حكايات مكرّرة تحكي قصص أحلام طُمرت داخل قفص يُسمى الزواج المبكر.

حثّت هذه القصص المأساوية وغيرها جمعية action aid، للإضاءة عليها والعمل على التوعية بشأن قضايا الزواج المبكر، وهي منظمة عالمية تعمل في دول عربية عدة أهمها لبنان والأردن، وتعطي الأولوية في المنطقة العربية لقيادة النساء والشباب، خاصةً الأفراد الذين يعيشون في فقر وإقصاء، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين والقضاء على الفقر.

في ملف مكافحة الزواج المبكر، والصحة الإنجابية والجنسية في لبنان، أطلقت الجمعية حملات عدة تحت عناوين "قصتها"، "مش قبل الـ18"، و"دورتي قصة حياة".

"دورتي قصة حياة"

كُلّفت مجموعة من المتطوعات من نساء المنطقة التي تنوي الجمعية العمل عليها بالبحث على الأرض والتشاور لمعرفة ما هي حاجات المجتمع الأساسية وحاجات النساء بشكل خاص لمعرفة الأولويات.

تحدّثت المتطوعات مع النساء عن أولوياتهنّ، وخلص البحث إلى أن الصحة الإنجابية والجنسية لا تزال تفتقر إلى المعرفة الكافية والموارد اللازمة للوصول إليها.

سبب آخر شجّع "أكشن إيد-المنطقة العربية"، على الاهتمام بملف الصحة الإنجابية في السنوات الأخيرة، تراه المنسّقة الإقليمية للتواصل والحملات في المنظمة سابين أبي عاد، لافتاً جداً في الآونة الأخيرة، وهو وضع الأمور المتعلّقة بالمرأة وحقوقها واحتياجاتها على الهامش في الأزمات، ما ساهم في تفاقم أوضاع النساء واللاجئات في لبنان.

"تزوجته لأن إمّي قالتلي رح يشتريلك كل يوم بوظة"، و"تزوجته لأنو بياخدني عالمطعم"، حكايتا الطفلتين أروى وروضة، تنتميان إلى سلسلة حكايات مكرّرة تحكي قصص أحلام طُمرت داخل قفص يُسمى الزواج المبكر

أقيمت حملة "دورتي قصة حياة"، بالتعاون مع التجمع النسائي الديموقراطي، و"هدفها الأساسي كان تعريف النساء بحقوقهنّ الإنجابية والجنسية"، وفق ما قالت أبي عاد، في حديثها إلى رصيف22، كالتعريف بالحقوق الأساسية مثل قرار عدد الأطفال وتوقيت الإنجاب بحرية والوسائل للقيام بذلك، واتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب بمسؤولية وبشكل خالٍ من التمييز والإكراه والعنف، والتمتع بحرية اختيار الشريك.

تصمنت المعلومات التي كثّفت الجمعية الجهود لنشرها التعريف بالعنف الذي يمكن أن تتعرّض له النساء، كالإجهاض القسري والاغتصاب الزوجي والعنف الزوجي وسبل الوقاية منه بالتعاون مع متخصّصين/ ات في المجالات كافة.

نقص في الموارد

تعاني النساء في الأرياف والقرى ومخيمات اللجوء في لبنان، من نقص في الوصول إلى الموارد اللازمة لتأمين حاجاتهنّ الجنسية والإنجابية، بسبب سوء توزيع المراكز الصحية والوضع الاقتصادي المتدهور في تلك المناطق أكثر من غيرها، وكذلك بسبب تجاهل الحكومة لهذه الاحتياجات وعدّها غير أساسية.

نساء كثيرات لجأن إلى وسائل غير آمنة لتأمين احتياجاتهنّ نتيجة الوضع المتدهور، بعضهنّ عمد إلى تكرار استخدام الفوط الصحية واستخدام الأنواع البديلة.

وبحسب دراسة أجراها التجمع النسائي الديموقراطي بالتعاون مع "أكشن إيد"، عن الأوضاع الصحية والإنجابية بعد الأزمة الاقتصادية في منطقة جب جنين في البقاع، تبيّن أن 68% من النساء تغيّرت أولوياتهنّ بشأن الرعاية الصحية وباتت للغذاء والمسكن، 70% يستخدمن فوطاً صحيةً أقل جودةً، و18% لم تكن لديهنّ حرية اختيار وقت الإنجاب، و41% لا يعرفن عن الأمراض المنقولة جنسياً، و33% لا يعرفن عن العلاقة الجنسية وسبل منع الحمل، و49% يقصدن مستشفيات خارج جب جنين للمعاينة، و30% لم تكن لديهنّ معلومات مسبقة عن الدورة الشهرية عند البلوغ.

نساء كثيرات لجأن إلى وسائل غير آمنة لتأمين احتياجاتهنّ نتيجة الوضع المتدهور، بعضهنّ عمد إلى تكرار استخدام الفوط الصحية واستخدام الأنواع البديلة

من هنا برزت الحاجة إلى ما هو أكثر من التوعية وتوزيع المنشورات وإقامة الجلسات الحوارية، فاتجهت "أكشن إيد" نحو السعي إلى المساعدة في تأمين الاحتياجات الأساسية، ووزّعت الفوط الصحية في المناطق التي استطاعت دراسة حاجاتها، إلى جانب رسم خرائط لأقرب مراكز صحية، كلّاً بحسب المنطقة الأقرب إليه.

عن الصعوبات التي اعترضت فريق العمل والمتطوعين/ ات للوصول إلى النتائج اللازمة، قالت سابين أبي عاد: "واجهنا مشكلات في إقامة الحملات في البداية. في إحدى المرات، رفض والد فتاة رفضاً قاطعاً أن نتحدّث معها عندما سمع عن أهداف الحملة، وكانت كلمة "الجنسية" كافيةً لإثارة غضبه، ففي معظم الأحيان، يعدّها الأفراد تشجيعاً على إقامة العلاقة الجنسية، وهذا السبب نفسه دفعنا في إحدى المرات إلى حذف كلمة "جنسية" من عنوان إحدى الندوات كي يوافق الرجال على حديثنا مع زوجاتهم وبناتهم".

وأضافت: "مع أن الموضوع لم يكن سهلاً إطلاقاً، إلا أننا تمكّنا من مساعدة العديد من النساء والفتيات".

من ضحية إلى متطوعة

"كنت أعتقد أن الزواج شيء جميل". لا يدري قارئ قصة غفران الرفاعي، كيف يصفها: هل هي ملهمة أم قاسية؟

تزوّجت غفران مبكراً وكان عمرها أقل من 18 عاماً. تركت التعليم واتجهت إلى الحياة الزوجية.

كانت تعتقد أن هذه الخطوة هي الحلّ للذهاب إلى المكان الذي تريده في الوقت الذي تريده، لكنّها اكتشفت أنها ليست على قدر المسؤولية الملقاة عليها وأنها لن تستطيع تربية الأطفال: "الأصعب كان الاصطدام بفكرة التعامل مع زوجي وأهله. لم أستطع مجاراتهم في العادات والتقاليد المطلوبة مني. صُدمت بالمجتمع، ودفعت طفولتي ومستقبلي ثمناً لهذه التجربة".

قرّرت غفران أن تغيّر من واقعها وتدعم من هم بحاجة إلى التعلم من تجربتها، فتطوّعت في جمعية "أكشن إيد"، وتغيّر مفهوم الزواج لديها.

غفران الآن تشجّع الآباء والأمّهات على عدم سلب الفتيات طفولتهنّ وعدم تزويجهنّ في عمر مبكر.

نقص التوعية

"عدد كبير من القاصرات المتزوجات لا يعرفن معنى الحمل والإباضة"، وفق ما قال الأخصائي في الجراحة النسائية والتوليد بهاء سكرية.

وشرح سكرية لرصيف22، كيف أن نقص التوعية لدى معظم الفتيات قبل الزواج المبكر يمكن أن يؤدّي إلى نتائج كارثية على صحتَي الأم والجنين معاً: "تأتي إليّ العديد من الفتيات من دون معرفة مسبقّة بتفاصيل الحمل. سألتني إحداهنّ: كيف نحمل؟ متى يمكن أن يحصل الحمل؟ ما هي الإباضة ومتى تأتي؟ كيف تجري عملية التوليد وما هي التحضيرات اللازمة للعملية؟".

تابع: "في بعض الأحيان، تُمضي الأم مرحلة تسعة أشهر من الحمل من دون أن تتابع الحالة لدى طبيب مختص، وتالياً ينعكس هذا الأمر بالطبع على العناية بنفسها وبجنينها في أثناء فترة الحمل".

على المستوى الصحي، ثمة خطورة على الأمّ عندما تحمل في عمر صغير، فالجهاز التناسلي من الرحم إلى المبيضات لا يكون قد اكتمل بعد، والهرمونات التناسلية تكون غير مستقرة، بحسب ما شرح سكرية: "هذه الأسباب تؤدّي إلى صدمة جسدية تصاحب الصدمة النفسية عند ممارسة الجنس، وتختلف الصدمة حسب قوة الشريك في الممارسة. من ناحية أخرى، تُعدّ المراهقة أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً، وبسرطان عنق الرحم بسبب عدم استقرار الهرمونات وضعف المعرفة بالعناية الشخصية بتلك المنطقة وكيفية ممارسة الجنس الآمن".

"كانت حاجاتي وأطفالي مشتركةً"

"نطُّي بِرُوح الولد، اشربي قِرفة بينزل دغري"؛ لا تعرف معظم المراهقات عن وسائل منع الحمل، وعند الحمل غير المرغوب به يتمّ اللجوء إلى وسائل إجهاض بدائية بحسب ما هو منتشر في المجتمع المحيط بها، وخصوصاً عندما تلجأ المرأة إلى أكثر الوسائل بدائيةً، وهي إدخال أشياء غريبة داخل المهبل لضمان الإجهاض الفوري، ما يتسبّب لاحقاً بالتهابات حادة قد تؤدّي إلى اضطرابات دائمة.

أما في ما يخصّ صحة الجنين، فهي تتأثر كذلك بشكل كبير بعمر الأم الحامل، إذ تزيد فرصة ولادة طفل يعاني من مشكلات صحية إلى جانب ارتفاع احتمال حصول إجهاض تلقائي.

"تزوّجت في سنّ صغيرة جداً، ولا أتذكر إذا كانت 15 عاماً أو 16، لم أكن أعرف شيئاً عن الزواج، بالأحرى لم أكن أعرف شيئاً عن زوجي، لم أرَه يوماً قبل ليلة الزفاف"، هذا ما قالته آمال (اسم مستعار)، في حديث إلى رصيف22.

"تأتي إليّ العديد من الفتيات من دون معرفة مسبقّة بتفاصيل الحمل. سألتني إحداهنّ: كيف نحمل؟ متى يمكن أن يحصل الحمل؟ ما هي الإباضة ومتى تأتي؟ كيف تجري عملية التوليد وما هي التحضيرات اللازمة للعملية؟"

تستعيد المرأة الستينية ذكرياتها بعدما أصبح لديها 4 أطفال: "لم تشرح لي أمي شيئاً عن ليلة الدخلة ولم تقل لي يوماً ما معنى أن أكون زوجةً، بل قالت لي إن زوجي ووالدته التي ستصبح بمثابة أمي من دون أن أعرفها سيكونان كفيلين بتعليمي وتربيتي.

وأضافت: "سكنت مع زوجي في منزل عائلته. تعرضت للتعنيف الزوجي والعائلي في منزل والدة زوجي، التي قيل لي إنها "والدتي الثانية"، والتي كانت تعنّفني كي أسمح لزوجي بخيانتي، كون ذلك مجرد نزوات ستنتهي حتماً في المستقبل. لم أستطع أن أربّي أطفالي، فحاجاتنا كانت مشتركةً في معظم الأحيان. كيف أعطيهم الحنان الكافي وأنا لا أملك منه غير القليل، ومن أين سآتي به؟".

وتابعت آمال سيرة المعاناة والخضوع: "عشت عمري كلّه أستجيب للأوامر، زوجي، والدته، والده في بعض الأحيان، أعمل من الصبح إلى آخر الليل، وحتى اليوم، لم أعطِ رأيي في أي أمر يتعلّق بأبنائي، ولم أختبر معنى الحب أو الاستقلالية، بل لم أتجرأ حتى على أن أحلم بهما يوماً".

"تروما" الزواج

في اليوم الأول للزواج، تبدأ المشاعر السلبية للفتاة القاصرة في الظهور، ففي معظم الحالات تتزوّج الفتاة من رجل لا ترغب فيه بضغط من أحد أفراد أسرتها، إذ تُعدّ المراهِقة أكثر عرضةً للعنف الجسدي والنفسي من دون قدرة كافية على الدفاع عن النفس، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.

في هذا الصدد، قالت الأخصائية النفسيّة أليسا رشدان، لرصيف22: "من الصعب أن تقوم المرأة بعلاقة جسدية قبل أن تكتشف جسدها. هذا ما ينعكس سلباً على صحتها النفسية، ويمكن أن يتطوّر إلى حالة من الصدمة النفسية التي قد تسبّب مشكلات جسدية من بينها الإجهاض".

سبب آخر تراه رشدان مكوّناً للمشاعر السلبية، وهو الحرمان من عيش الطفولة بطريقة سليمة، وتالياً نقص الحنان: "بعض الفتيات يُصَبْنَ بنقص حاد في الثقة بأنفسهنّ، بعدما تعوّدن على تلقي الأوامر وعدم المشاركة في اتخاذ القرارات مهما كانت أهميتها بالغةً في حياتهنّ، من الأهل وصولاً إلى الزوج والمحيط المشترك بينهما".

ورأت أنه بالإضافة إلى كل تلك العوامل، تأتي ضغوط ومسؤوليات تكون الفتاة غير مستعدة لمواجهتها والتعايش معها، وتالياً يمكن أن تصطحب معها القلق والاكتئاب".

"من الصعب أن تقوم المرأة بعلاقة جسدية قبل أن تكتشف جسدها. هذا ما ينعكس سلباً على صحتها النفسية، ويمكن أن يتطوّر إلى حالة من الصدمة النفسية التي قد تسبّب مشكلات جسدية من بينها الإجهاض"

لا تزال مسألة رفع سن الزواج موضع جدال في الأوساط اللبنانية، وقد عملت جمعيات عدة بشكل مكثف لتوفير إطار قانوني لطرح هذه القضية في البرلمان اللبناني، قضية القانون الموحّد للأحوال الشخصية.

هذا الملف لا يزال يخضع لقوانين الأحوال الشخصية المختلفة للطوائف الدينية، ما يعني أن الحد الأدنى لسن الزواج تحدده التشريعات الدينية، ويمكن أن يصل إلى 15 للذكور و9 للإناث.

هذا وقد استعانت الجمعيات بدراسات صحية ونفسية واجتماعية لتبيان مدى تأثير تزويج القاصرات على صحتهنّ النفسية والجسدية، فيما لا يزال ضغط المؤسسات الدينية لمنع إقرار ما يعارض التشريعات الدينية، كبيراً جداً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard