شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
لماذا أكفر كل يوم بفن الرواية؟

لماذا أكفر كل يوم بفن الرواية؟

رأي

الأربعاء 11 يناير 202312:13 م

في ذلك المقال، أحدث نفسي، لكني أعلم أنك هنا تقرأ/ين، فلا يمكن لأحد أن يحدث نفسه إلا عبر ذات أخرى تستمع. في تلك العتمة يسقط كلانا، عمانا مشترك، لا يمكن لأحد أن يفهم نفسه أو الآخر إلا عبر الإقرار بتلك العتمة التي تحكم ذواتنا، حينها قد يسطع في غرفة المرايا المعتمة والمتبادلة بيننا ضوء ما.

*****

أحب فن الرواية حد الإيمان أن في الإخلاص لكتابتها نجاة روحي من فوضاها وتشتتها، وتدريب لعقلي على التركيز على مشروع كتابة يتطلب فترة طويلة من الانخراط، فعقلي ملعب غواية للهوس والسير في كل الاتجاهات، ثم الملل فجأة من موضوع هوسي دون استكماله أو تحقيق شيء يذكر. لقد أنقذتني الرواية من هذا المصير.

لكن منذ عامين وأنا أفكر أن الانسحاب إلى ما يعنيه الأدب حقاً، تمثل الخطوة الأولى فيه التوقف عن كتابة الرواية. قناعة تتراكم ظلالها يوماً تلو آخر، إدراك ما ينكشف، وأوله أن هناك فارقاً شاسعاً بين الأدب والرواية، حيث كل ما ينتج تحت اسم رواية هو رواية بالفعل، لكن ليست كل رواية تنتمي لعالم الأدب، حيث أرغب حقاً أن أنتمي.

كما أن ذلك الانسحاب يعني التحرّر أيضاً من جملة شروط فرضت على الأدب من خارجه وخارج معناه، تفرض عليّ الامتثال الإجباري مهما ادعيت أني بهروبي من المركز الثقافي بالقاهرة قد أفلت من ربقة تلك الشروط. فالرواية، يوماً بعد يوم، تصبح أكثر ميلاً للخضوع لقواعد سوق استهلاكي، يجعلها جائعة لشيء آخر غير الكتابة، سوق علينا فيه أن نستمر جميعاً في الركض كيلا نموت. الأدب عكس الركض، يبدأ من التوقف والتأمل والكسل.

الرواية، يوماً بعد يوم، تصبح أكثر ميلاً للخضوع لقواعد سوق استهلاكي، يجعلها جائعة لشيء آخر غير الكتابة، سوق علينا فيه أن نستمرّ جميعاً في الركض كيلا نموت. الأدب عكس الركض، يبدأ من التوقف والتأمل والكسل

في مطلع عام 2021، وكنت أعمل بحماس على رواية ظلت تعاندني لمدة خمس سنوت، وقد عثرت أخيراً، بعد مسودتين منتهيتين بمعالجتين مختلفتين وعشرات المحاولات، على المعالجة المناسبة، عندما ضربني بغتة نفور، ليس فقط من كتابة الرواية، بل من قراءة الروايات ومن هذا الفن برمته.

أتذكر تلك اللحظة، عندما وقعت بين يدي رواية من الأعلى مبيعاً، تتجاوز الستمائة أو السبعمائة صفحة، وكنت أعلم بالطبع ما أنا مقبل عليه، لكني قرّرت أن أخوض تلك التجربة لأفهم ما الذي أعجب الناس في رواية تعيد نسخ أحداث تاريخية، معتمدة على كليشيهات لها أثر المخدر الممتع لما نطمئن إليه وما يرغب القارئ في سماعه - بينما أرى أن هذا بالضبط عكس دور الأدب - يوفر التاريخ المادة، ثم تُرسم شخصيات بلا أسئلة، يشبه الأمر إسكتش رسومات أطفال مجهزة مسبقاً بخطوط أبيض وأسود، كل ما على الطفل فعله هو أن يقوم بتلوينها، للرواية التاريخية دور أكثر من هذا في رأيي.

بالطبع اندهشت من ذلك النفور الذي سببه مجرد قراءة رواية سيئة، لكني كنت أعلم أن تلك الرواية كانت – كما يقولون- القشة التي قصمت ظهر البعير، وأن ذلك النفور أو الشك لم يكن ابن يوم وليلة، لكني كنت أعمل على علاجه عبر الرواية التي ظلت تعاندني سنوات، رواية تتحدث تحديداً عن جذور هذا النفور، عن كل سعي تافه تجاه فن الرواية بمعاملتها كقمة هرم الوجاهة في الأدب، وهي الرؤية التي تزيدها هواناً وإذلالاً، تتكاثر الروايات وتتضاعف، نعم، لكنها تبتعد عن الأدب.

في تلك الفترة بدأت رحلة كتابة عن سبع قصص قصيرة، وتحليلها من خلال تطبيق ما تعلمته من كتاب A swim In a pond in the rain للقاص الأمريكي جورج سوندرز، والحائز على جائزة المان بوكر عن روايته الوحيدة "لينكولن في باردو". الكتاب عبارة عن محاضرات سوندرز في فن القصة القصيرة، والتي حلل فيها سبع قصص لأربعة كتاب روس كبار: تشيكوف، تولستوي، تورجنيف وجوجول.

قمت حينها في سلسلة مقالات، نشرت في موقع مدى مصر، تحت عنوان "استكشاف النمط الفريد" بتحليل سبع قصص لأربعة كتاب عرب: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، محمد المخزنجي وإبراهيم أصلان.

لم تكن رحلة الكتابة عن القصص القصيرة السبع فقط عن الكتابة، بل عن القراءة، تماريني الشخصية على الفهم والانتباه لنصوص الآخرين (هل أقول للآخرين؟) أن أعرف متى أستجيب ومتى علي أن أكف عن الاستجابة للصوت الصادر من النص/الآخر، وما إذا كان تعطل تلك الاستجابة نتيجة خلل ما في ذاتي، كعدم الإنصات بالقدر المطلوب، أم أن عطباً في ذات الآخر أو نصه هو ما أوقفني عن مشاركته رحلته؟

كانت أيضا رحلة من أجل قراءة نصوصي، ذاتي وفهمها بشكل أفضل.

غيرتني تلك التجربة بالكامل، لكني لم أعرف مدى تأثيرها وعمقه بعد.

*****

كل يوم يزداد إيماني بالنص القصير، غير الروائي، يتعمّق الكفر والشك في الفن الذي أحببته سواء عبر كتابته أو قراءته.

الرواية هي فن الضرورة التي عليها أن تخجل من كذبتها، وأن تعتنق ما لا يمكن للفنون الأخرى تحقيقه، أن تُكتب لا بدافع الأمل بل اليأس من إيجاد شكل آخر للتعبير، هذا هو السبيل الوحيد لنجاة ذلك الفن كنوع أدبي

ربما لأني أدركت أن الرواية -على عكس القصة- فن يسهل تزييفه وتقديم نسخ مقلدة منه ببراعة، نسخ خادعة، كل شيء فيها ظاهرياً سليم، لقد حفظ الجميع الوصفة، وكذلك صار السوق ينتظر الوصفة عينها، والكتابة في رأيي المحدود هي ما لا يُنتظر، لا تنتج من خلال أطر معدة سلفاً أو وفق قانون ثابت.

انتهيت من مسودة الرواية التي عاندتني وتناقش جذور ذلك الفن. نجحت في إنهائها تحديداً بسبب ذلك التوقف وذلك الكفر بهذا الفن.

النفور ما زال حاضراً، ولا أعرف أصلاً إن كنت سأكتب المزيد من الروايات أم لا، لا أعرف ولا ألزم نفسي بشيء. ليس حدثاً جللاً على أي حال أن تكتب أو أن تتوقف عن الكتابة، فالكتابة هي الفعل الوحيد في العالم الذي لا يطالبك أحد به إن توقفت عنه.

لكن ما أعرفه هو أني لو كتبت رواية أخرى، علي أن ألزم نفسي بإخضاعها للشرط الذي تعلمته من القصة القصيرة، أن تكون الرواية هي فن الضرورة التي عليها أن تخجل من كذبتها، وأن تعتنق ما لا يمكن للفنون الأخرى تحقيقه، أن تُكتب لا بدافع الأمل بل اليأس من إيجاد شكل آخر للتعبير، هذا هو السبيل الوحيد لنجاة ذلك الفن كنوع أدبي.

أما ذلك التناسخ، تكاثر العشب الضار، فلم تعد معركتي تدور فيه مع نصوص الآخرين، فليكتب من شاء ما يشاء، بل معركتي مع ذاتي، مع سطر واحد ينشق عن صدع ما أو يكشف عن صدع ما، ليس بالضرورة أن يكون رواية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard