شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"لا يشعر بالفقير إلا الفقير"... الأسواق الشعبية ملاذ العسكر في لبنان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والفئات المهمشة

الأربعاء 4 يناير 202301:40 م

على مقربة من أرضٍ زراعية، وطريق موحلة للوصول إليها، بسطات مغطاة بشوادر من نايلون على مد النظر، وأصوات باعة ينادون على بضائعهم. تتقدم خطوات إضافيةً باتجاه هذا التجمع، لتجد نفسك في سوق الخميس في رياق البقاعية، وهو اليوم المخصص للسوق في هذه المنطقة، الذي يجمعه واقع سوري لبناني خاص: الفقر.

هذه الأسواق الشعبية تتوزع في منطقة البقاع على مدار أيام الأسبوع، ولكل يوم سوقه المخصص؛ السبت في منطقة علي النهري، الإثنين في المرج، الثلاثاء في سعد نايل، الأربعاء في بعلبك، الخميس في رياق، والجمعة في فيضة زحلة. الباعة ذاتهم ينقلون بضائعهم من سوقٍ إلى آخر، وشهدت هذه الأسواق اكتظاظاً كبيراً في ظل تردي الواقع الاقتصادي، إذ امتدت شعبيتها إلى كافة مناطق البقاع، وهي التي عُرفت منذ عشرات السنين، وكانت ملجأً لطبقة الفقراء واليوم صارت ملجأً للغالبية التي تقطن محافظة تأثرت بالأزمة بشكل حوّل سكانها جميعاً إلى باحثين عن البقاء، والأسواق الشعبية ملجأهم للاستمرار.

الأسواق الشعبية تتوزع في منطقة البقاع على مدار أيام الأسبوع، ولكل يوم سوقه المخصص

سوق الفقير

إذا كنت تمتلك عشرة آلاف ليرة لبنانية، ما عليك سوى التوجه إلى بسطة "أبو محمد الحلبي" للثياب، كي تحصل على قطعة لتُفرح بها طفلك، إن كُنت من ذوي الدخل المحدود أو فقيراً. يروي أبو محمد من الجنسية السورية لرصيف22، وقد جاء من منطقة بعلبك كي يبيع "البالة": "نحن فقراء ومع الفقراء، فلا أحد يشعر بالفقير إلا نحن لأننا نشبه بعضنا البعض. الناس لم تعد قادرةً على الشراء من محال عادية، لذلك تتوجه إلى هذه الأسواق. هنا يبدأ سعر القطعة من 10 آلاف إلى 100 ألف ليرة لبنانية (ما يوازي دولارين ونصف حسب سعر صرف السوق السوداء اليوم). في المقابل، في المحال التجارية يبدأ سعر القطعة من 300 ألف إلى المليون وأكثر، بينما السوق الشعبي دائماً أرخص، ونحن ننقل بضاعتنا من سوق إلى سوق في جميع المناطق البقاعية".

يضيف الرجل الخمسيني: "ليس الفقير فقط من يأتي إلى هذا السوق، بل هناك أناس من ذوي الدخل الجيد، يأتون إلينا من أجل ثياب البالة الفخمة التي لا يستطيع الفقير شراءها ونعرفهم جيداً، ولكن مؤخراً صار أغلبية الزبائن من اللاجئين وعوائل العسكريين".

الأرقام تكشف الواقع

نقص الأغذية والحاجة في لبنان، ترجمهما واقعياً التقرير السنوي لبرنامج الأغذية العالمي في لبنان للعام 2022، الذي أشار إلى أنه "تمت مساعدة نحو 1.8 ملايين شخص، كما أُجريت نحو 23 مليون دولار كتحويلات مالية للعوائل المتضررة"، وحذر التقرير من ارتفاع "مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي بين كل المجتمعات اللبنانية ومجتمعات اللاجئين، حيث بلغت 54% في المئة، كما عُثر على 2.1 مليون شخص لبناني يحتاج إلى المساعد الغذائية خلال عام 2021 فقط".

"يعيش 88% من اللاجئين السوريين في الفقر المدقع ويحتاجون إلى مساعدة غذائية"، بحسب التقرير الذي يشير إلى أنه "بلغ التضخم الشهري 14.6% في تشرين الأول/ أكتوبر، والتضخم السنوي بنسبة 158% حسب الرقم القياسي لأسعار المستهلك للإدارة المركزية، وكان هذا مدفوعاً بالزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية والطاقة منذ أواخر العام 2021 بالإضافة إلى انخفاض سعر الصرف ورفع الإعانات المالية".

نحن فقراء ومع الفقراء، فلا أحد يشعر بالفقير إلا نحن لأننا نشبه بعضنا البعض. الناس لم تعد قادرةً على الشراء من محال عادية، لذلك تتوجه إلى هذه الأسواق كي تستطيع البقاء

وبحسب أداة IPC التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لتطوير طرق تحليل الأمن الغذائي واتخاذ القرار، لسنة 2022، "بلغ سوء التغذية 1.29 مليون لبناني، أي 33 في المئة من عدد السكان و46 في المئة من العدد الإجمالي للّاجئين السوريين".

وتوقع التحليل أنه بين كانون الثاني/ يناير ونيسان/ أبريل 2023، من المتوقع أن يواجه نحو 2.26 مليون، أي ما يعادل 42 في المئة من السكان الذين تم تحليلهم، مستويات عاليةً من انعدام الأمن الغذائي في المرحلة 3 من الأزمة، أو أعلى، متأثرين بزيادة تدهور الحالة الاقتصادية وانخفاض قيمة اللبنانيين، بالإضافة إلى التضخم المطول، وارتفاع الأسعار الدولية".

كما قدّر التحليل أنه "من المتوقع أن يواجه 354،000 فرداً (7 في المئة) حالة الطوارئ وانعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة 4 من التصنيف الدولي الموحد للأغذية)، ومن المتوقع أن يبلغ 1.91 مليوناً، أي 36%".

ملاذ العسكريين

تفتح هذه الأسواق أبوابها في العاشرة صباحاً حتى مغيب الشمس. تراقب ليلي، وهو اسم مستعار لزوجة عسكري من بلدة رياق رفضت الكشف عن اسمها، قبل ليلتي الخميس والسبت مع مجموعة من النسوة، عبر تطبيق "واتس آب"، أخبار البالات والمنتجات التي ستُباع في سوقي رياق وعلي النهري القريبين منها، وتقول لرصيف22: "لم تعد المحال التجارية في الأسواق تناسبنا، ولو كانت أسعارها متوسطةً. أشتري مستلزمات أطفالي من هذه الأسواق بالكيلو، كالخضار والألبسة المدرسية، وكل ما أحتاجه في المنزل".

وتضيف: "لم نكن نرتاد هذه الأسواق مسبقاً إلا في النوادر، أي عندما نحتاج إلى مستلزمات غير موجودة إلا في السوق، لكن اليوم وبعد انهيار الليرة والأزمة الاقتصادية، بات دخل زوجي العسكري لا يكفي لأسبوع، وهذا ما شجعنا على التوجه إلى سوقي الخميس والسبت، لشراء الحاجات المنزلية من الأثاث وثياب الأطفال، والتي تبدأ من عشرة آلاف ليرة إلى المئة ألف".

بلغ الفقر 54% في المئة، كما عُثر على 2.1 مليون شخص لبناني يحتاج إلى المساعد الغذائية خلال عام 2021 فقط

عطر بماركة الفقر

داخل السوق، بسطة للعطور يتجمع عندها العديد من اللاجئين السوريين والعوائل اللبنانية، لصاحبها علي من مدينة إدلب السورية، الذي يقول لرصيف22: "هنا تُباع رائحة العطر بأرخص الأسعار، لا يستمتع برائحتها سوى المحتاج أو طفله الصغير، وربما زوجته التي وعدها بهدية متواضعة في مناسبة ما". ويضيف: "نحن نعمل بضمير، عيار العطر كما هو لا نغشه، كما يحصل في باقي المحال خارج السوق، مع العلم أن البضاعة هنا رخيصة، وزجاجة العطر يبدأ سعرها من 20 ألفاً".

إلى جانب بسطة العطور، يقف فهد بيضون، وهو عسكري في الجيش اللبناني، ينتظر ليبتاع زجاجة العطر الخاصة به. يقول لرصيف22: " جئت لأشتري عطراً واستخدمه عندما أذهب إلى الخدمة العسكرية، فمن المهم أن أحافظ على مظهري الخارجي، والأمر لم يتوقف على العطور. أنا عسكري أتوجه إلى الأسواق الشعبية لأنها أرخص من الأسواق وأوفر طبعاً، والسبب دخلي الشهري الذي لم يعد يكفي عائلتي. لديّ أربعة أطفال فكيف أعيلهم؟".

يتابع العسكري حديثه وهو يتبضّع الخضروات والفواكه كي يؤمّن غداء عائلته لليوم: "أبحث عن فواكه وخضروات رخيصة، وثياب بالة بقيمة 10 آلاف ليرة لأولادي. قبل الأزمة كنت أشتري من أفضل المحال، ولم أفكر في الذهاب إلى الأسواق الشعبية، ولكن هذا الوقت صعب علينا، اضطررنا فيه إلى الاعتماد على هذه الأسواق، إلى درجة البحث عن خضروات ليست صالحةً بالكامل كي أستطيع شراءها لأنها أرخص؛ ننتزعُ النصف غير الصالح منها ونأكل الآخر، فأشتري خسةً بـ12 ألف نصفها ذابل. هذا ما وصلنا إليه كي نطعم أطفالنا، وللأسف القادم أسوأ بكثير".

يسرقون ويُفقرون

"استطاع قائد الجيش جوزيف عون، أن يؤمّن بعض الدولارات والمساعدات من الخارج كي يدعم أجور الجيش، لكن بقية الأسلاك العسكرية لم يستطيعوا توفير الدعم، والأجور لا زالت تنخفض والفقر يزداد، الأمر الذي أدى إلى توجه العسكريين وعوائلهم إلى الأسواق الشعبية"، يقول الدكتور إيلي يشوعي الخبير في الشؤون الاقتصادية والنقد في حديثه إلى رصيف22.

ويشدد يشوعي، الذي أجرى العديد من الدراسات والمسوحات حول الشؤون الاقتصادية في لبنان، على أن "العسكري يجب أن يكون مكتفياً، لأنه يخاطر بحياته ويجب أن يكون أجره أعلى من متوسط الأجر العام، إذ لا يوجد من هو مستمر في البلد غير القطاع العسكري فقط، فكل مؤسسات الدولة انهارت، حتى القطاع الخاص منهار بنحو 80%، ولا يوجد في البلد غير الغذاء والدواء عبر جمعيات المجتمع المدني، والسبب يعود للفساد المتجذّر في لبنان من قبل السياسيين الذين أسقطوا سيادة البلاد".

أنا عسكري أتوجه إلى الأسواق الشعبية لأنها أرخص من الأسواق وأوفر طبعاً، والسبب دخلي الشهري الذي لم يعد يكفي عائلتي. لديّ أربعة أطفال فكيف أعيلهم؟

يعارض يشوعي السياسة النقدية المتّبعة في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي، ويرى أن سرقة اللبنانيين مستمرة عبر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ويقول: "سرقة اللبنانيين عبر منصة الصيرفة، وهي أكبر منصة سرقة في لبنان، ابتكرها سلامة، كي يضع فيها دولارات المودعين والشعب اللبناني ويبيعهم للتجار، أو يشتري دولارات ويضعها في المنصة، وبذلك يتسبب في ارتفاع سعر صرف الدولار، في السوق الحرة، والتاجر يأتي بدوره لشراء الدولار بسعر يقل عن السعر الحقيقي في السوق، ومن ثم يبيعنا على سعر الدولار الفعلي في السوق، أي يشتريه مدعوماً ويبيعه للناس غير مدعوم، وهذا يساهم في زيادة تكلفة المعيشة".

برأيه، ما يقوم به سلامة وتُجار الدولار "زاد من نسبة الفقر في لبنان إلى أن وصلت إلى 80 في المئة من الشعب اللبناني، ومنهم الجيش وكل الأسلاك العسكرية التي تشكل النسبة الأكبر، أي 80% من اللبنانيين".

لطالما عرف البقاعيون الأسواق الشعبية، وترددوا عليها ليبتاعوا بشكل خاص الخضروات بسعر مقبول، واليوم، صارت هذه الأسواق ملجأً لهم لكي يستطيعوا أن يؤمّنوا غذاءهم، ولكي يُلبسوا أبناءهم ما تيسّر، وما يقيهم فصل شتاء بدأ برده ينخر عظامهم، فمازوت التدفئة بعيد عن الأسواق الشعبية، للأسف.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في مهمتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard