شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
قفزتُ وأختي من الطابق السادس إلى الخامس، كي ننجو

قفزتُ وأختي من الطابق السادس إلى الخامس، كي ننجو

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!
Read in English:

Escape, fear and survival: My name is Wesam Al Taweel and this is my story


بدأت قصّتي أنا وأختي حين حُبسنا للمرة الأولى في غرفة مغلقة بالكامل، بابها الوحيد مغلق على الدوام، يفتح مرّة أو مرّتين على أقصى حد للسماح لنا بالذهاب للحمام. غرفة مظلمة لا تصلها الشمس إلّا من بين فراغات سياج الشباك، هذه الفراغات كانت بوصلتي لرؤية العالم وعبرها أقدّر ما يحدث خارج سجني. أقف على عتبة الانتظار المعتاد لأي انسان حرّ، عرف وذاق نفسية الحبس بمعناه الخاص المقرون بالأمل البعيد، الأمل الذي يربينا على النضال لأحلامنا وأمانينا وما فقدنا وسنفقد.

مرحباً، أنا وسام عماد الطويل، أبلغُ من العمر أربعاً وعشرين ربيعاً، تخرجتُ من كلية الشريعة والقانون في غزة العام الماضي، وبسبب الظروف القاهرة التي مررتُ بها لم أستطع مُشاركة زملائي حفلهم وفرحهم، فشاركتهم دموعي وفرحتي ودعائي.

هناك ثمن ندفعه للنجاة، نجاتك من نفسك أولاً، مرافقة الترومات أبواب تجلياتك الليلية، نجاتك من اسمك ومخاوفك وانهياراتك على مرمى قريب من الأحبة.

هناك ثمن ندفعه للنجاة، نجاتك من نفسك أولاً، مرافقة الترومات أبواب تجلياتك الليلية، نجاتك من اسمك ومخاوفك وانهياراتك على مرمى قريب من الأحبة، وكثيراً ما أرهقتني مسارات طريقي، غير أنني كل مرّة اخترت الذوبان أمام محطات قراراتي، قررت أن أقف وأواصل، لأنني مؤمنة بمعركتي وحاجتي الماسة للتغيير الجذري.

طريقي طويل ومتعثر ببقايا ما كنت أخشاه وأتوارى خلفه، لكن بدعم الأصدقاء والصديقات تحمّلت وانتصرت أكثر، وعرفت أن المنتصر في هذه المعركة خاسر، فعلى صعيدي الذاتي تركت خلفي عائلة ومدينة كساها التشويه الأيديولوجي للعادات والأعراف. لقد كبرت وترعرعت في بيئة لصيقة بالمفاهيم السائدة التي يتبناها غالبية الناس دون طرح مساحات للتساؤلات، بداية من صاحب محل السجائر، إلى سائقي سيارات الأجرة، إلى مداخل البيوت في المخيم. لا أزال أشعر كل يوم بتلك الغصة بشكل كبير داخلي، على الطريقة الفصامية بالتعامل مع مجريات قضيتنا، أنا وأختي فاطمة. محاولات طائلة بتشويه الحقائق، والحقيقة الأكثر تأصلاً هي أننا معنَّفات وكسرنا قيد السلاسل بالقفز من الطابق السادس وصولاً للخامس، لننجو، هذا ما توقعناه على الأقل، ليس إيماناً بالمنظومة الشرعية للعدالة، بل من إيمان دفين بالضرورة، إيمان بعوالم أكثر سلاماً وأمناً لنا كنساء.

عندما تقرّر امرأة معنّفة، بعد فصول من الأسى وإسقاط مفاهيم المجتمع الذكوري على جسدها سواء بالضرب المبرّح أو الإهانات اللفظية لعقلها ومكنوناته، أن تأخذ قراراً صارماً بالبحث عن مساحة آمنة تشعر بداخلها بقدر من الثقة للتعبير عن نفسها، وتقرّر معها أيضاً البوح بما تتعرّض له منذ سنوات قاحلة، في هذه اللحظات النادرة، كأن المرأة تخرج من أعشاش الدبابير محاولة صياغة قصّتها على أساس متين من الجرأة، غير مكترثة لما سيحدث بعد ذلك.

مرحباً، أنا وسام عماد الطويل، بدأت قصّتي أنا وأختي حين حُبسنا للمرة الأولى في غرفة مغلقة بالكامل، بابها الوحيد مغلق على الدوام، يفتح مرّة أو مرّتين على أقصى حد للسماح لنا بالذهاب للحمام

نعيش في مجتمع قالبه الأساسي الانشغال بالقسوة والعنف بكافة أشكاله، الصريحة منها والضمنية، بيئة عطشة لشرعنة العنف وتحطيم دوائر الأمان خلف مسميات مثل، سلطة الأب الشرعية وحماية الأسرة الفلسطينية، وأعراف ترنو لأن تكون إنسانية أو من قبيل إسلامي ديني، ينادون بالاستقامة والطهارة والتعفّف، وعلى استعداد مميت لحماية النظام التاريخي للشرف.

البحث عن سياسيات حكومية آمنة للنساء في بلادنا، ما هي إلا أمر متعب ويأخذ حيّز الاستنزاف المطلق للمرأة، لتصل إلى حد الاستسلام والتسليم بما يقوله المعنِّف، تتمثل صورته، كون مراكز بيوت الأمان ما هي إلا مساحة لاستراحة محارب، هكذا قالت لي مشرفة بيت الأمان في غزة، بعد نقاش حاد عن رداءة الدور الحقيقي لحلول جذرية لقضايا النساء.

في ظل هذا التيار السلطوي الصارم للتعذيب والقسوة والتوحش، أعيش صراعي، متجاوزة قضيتي، مراقبة لقصص أخريات، نساء عاشرتهن وعشت معهن وسهرنا معاً حتى الوقت الأول من الصباح، أصبح يجمعنا همّ مشترك والكثير من الألم الطافح ومحاولات المواساة الجماعية للتخلص من دوامة الذنب ووصمات العار التي تلحق بالنساء في مجتمعنا، يعشن في بؤرة من العذاب الخانق والهموم المكبدة بالمسؤولية، خاصة إذا كانت أماً حاملاً في مولودها الرابع من زوج يفتقر لأي معنى حقيقي في حياتها وحياة أبنائها، وأهلها من جهة أخرى يجدون فيها عبئاً لا يمكن استقباله.

تعرفت على "شيرين" في بيت الأمان، امرأة حاربت من أجل حياة كريمة وآمنة، لم تطلب الكثير في سهراتي الطويلة معها، وفي ليلة ما، قالت لي: "بتعرفي يا وسام، ما بدي إلا بيت إله سقف يأويني أنا وأولادي"، وفي صباح اليوم التالي استيقظت على خبر رحيلها إلى المجهول ذاته.

البحث عن سياسيات حكومية آمنة للنساء في بلادنا، ما هي إلا أمر متعب ويأخذ حيّز الاستنزاف المطلق للمرأة، لتصل إلى حد الاستسلام والتسليم بما يقوله المعنِّف

التفكير بالنساء كشأن عام وفعّال ومستمر يرجعنا إلى الاكتظاظ السليم بالدفاع عن الحق ومراجعة أخطاء الماضي، وإسقاط آليات جديدة على الوعي بالحاضر، لتغمر مجتمعاتنا عدالة وأمان وثقة بمحاسبة المسبّبين لألم النساء هذا، بالقدر الذي فقدت فيه الطبيعة الفطرية قلب الواقع المعاش.

من الأخطاء القاتلة التي يرتكبها مجتمعنا العربي، والغزّي بشأن خاص، هي الهيمنة العشائرية على العقول.

من الأخطاء القاتلة التي يرتكبها مجتمعنا العربي، والغزّي بشأن خاص، هي الهيمنة العشائرية على العقول، وقمع تعدّد الهويات والأقليات الفكرية غير المنبثقة عن الأعراف والتقاليد، وعدم بذل أي خطة جدية لقبولها أو مداولتها، فأصبحنا ننفي التعددية الثقافية، ونطمس كل الأدوات الممكنة لزرع أرضية عادلة داخل البلاد، لنبصر هوية واحدة وأناساً يملكون ذات ردود الفعل على أي حدث قاس، حتى محاولات تفكيك المنظومة السلطوية لتراتبية إصدار القرارات في الأسر الممتدة تدخل منحنى الرفض القاطع، فيتوارى لدينا الخلاص الفردي ونجاة الواحد.

ما يغضبني حقاً أننا ما زلنا نعيش سنوات طويلة من مواجهة هذا النظام، بوجود العديد من النساء مقهورات اللواتي يكشفن الستار العاطفي لقهرهن جيداً، ولا يترددن بمحاسبة المسؤولين، لكن الواقع ما زال قاسياً.

هذه الضجة التي تفعلها النساء اللواتي يناضلن يومياً من أجل حقوقهن والحقّ في حياة بلا عنف، أبصرتها في كل امرأة صادفتها في حياتي، بداية من شيرين إلى سمر ونهلة وتغريد وكاريمان ونهيل، إلى إسراء غريب ومادلين والنساء ذوات القلوب العامرة بالحب والإصرار رغم القهر الوجداني الصارخ... إليكن أكتب وسأكتب دائماً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن بأن للإنسان الحق في التفكير وفي الاختيار، وهو حق منعدم في أحيانٍ كثيرة في بلادنا، حيث يُمارَس القمع سياسياً واجتماعياً، بما في ذلك الإطار العائلي، حيث أكثر الدوائر أماناً، أو هكذا نفترض. هذا الحق هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات ديمقراطية، فيها يُحترم الإنسان والآخر، وفيها يتطوّر وينمو بشكل مستمر. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard