شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
الحديقة الخلفية للتهميش الاجتماعي... عن أهازيج كرة القدم في تونس

الحديقة الخلفية للتهميش الاجتماعي... عن أهازيج كرة القدم في تونس

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأحد 18 ديسمبر 202205:42 م

في يوم المباراة وقفت كلّ قوات الأمن الموزعة على الملاعب المصنفة "حمراء" في تونس تفتش وبحزم كلّ متفرج بشكل دقيق لتنجح في مصادرة المعلقات الخاصة بالمجموعات، وحتى تلك التي يتم تقطيعها إلى أجزاء بهدف تهريبها وإعادة تجميعها في الملعب. تم منع دخول القبعات التي تحمل الشعارات المميزة للمجموعات، بالإضافة إلى الشماريخ والولاعات والأحزمة الجلدية، ولكن لا أحد من الأمنيين اكتشف الأغنيات المخبأة بعناية أو استطاع أن يصادرها قبل دخولها إلى الملعب.

"مرحبا بسيادة رئيس الجمهورية"، عبارة ترتبط في المخيال التونسي وكلما ذكرت بأجواء مقابلة ما في نهائي الكأس المحلية في ما يتعلق وبشكل بديهي بما قبل سنة الـ2011 ومع إطلاقها في كل مرة كان كل ما في الملعب يتغيّر ويتحفّز حتى أن التلفزة الوطنية (قناة 7) كانت وفي كل مناسبة تحاول اجتراح بعض المحسنات لإضفاء شيء من الهيبة برصد السيارة الرئاسية الفارهة وهي تشق طريقها داخل الملعب بين شوطي المباراة (الموعد المعتاد لوصول الرئيس) مروراً بنزول الرئيس بن علي ومرافقيه وصولاً إلى أجواء تسليم الكأس للفريق الفائز.

في سنة 2009 كان كل شيء يشي بسير عادي لمقابلة في نهائي الكأس بين كلّ من "النادي الرياضي الصفاقسي" و"الاتحاد الرياضي المنستيري" إلى حدود الراحة ما بين الشوطين التي انشغل فيها مخرج المقابلة ببث بعض مشاهد التراشق بين جمهور النادي الصفاقسي والأمن بالملعب لما تم تقديره بأهازيج غير لائقة تم رفعها وسط أجواء متوترة لينتبه متأخراً إلى دخول الرئيس رفقة ابنه الصغير دون أن يعلم أحد بذلك ودون أن تصوره الكاميرا أو يعلن عن ذلك في خطأ بروتوكولي لم تكن الدولة حينها تسمح بوقوعه حفاظاً على صورتها ممثلة في شخص الرئيس.

خطأً رأت السلطة حينها أنه على قدر من الجسامة التي أفضت إلى إطلاق العنان لحملة تجنيد إجباري. تشير الأرقام حينها إلى تجميع أكثر من اثني عشر ألف مجند في أقل من أسبوعين، ولئن كان ذلك موزعاً على باقي ولايات (محافظات) فإنه كان وبشكل أشد وأعنف في ولاية صفاقس أي الولاية المعنية بأحداث الشغب في المقابلة المذكورة.

الكر والفر بين السلطة في تونس وجماهير كرة القدم

في مسألة الكر والفر بين السلطة في تونس ممثلة في وزارة الداخلية وجماهير كرة القدم، لم تكن تلك الحادثة أبداً نقطة بداية، ولم تكن مطلقاً نقطة توقف، لكن اللافت فعلاً هو أن عدداً هاماً من "مجموعات" جماهير كرة القدم في تونس وقبل هذا التاريخ بسنوات قليلة كانت قد انخرطت في طريقة مواجهة مبتكرة وغير مسبوقة بابتداع مفهوم "الدخلة" أو "التيفو" المرفقة بأهازيج خاصة بكل فريق على حدة.

أهازيج وأغان تغنت بالحرية وبشّر بعضها بالثورة، وحثّ بعضها الآخر على العصيان والتمرد مما دفع السلطة حينها وفي سنة 2008 تحديداً إلى اتخاذ قرار بمنع مثل هذه "الدخلات" في الملاعب في قراءة لقادم ربما يكون أسوأ، وهي للأمانة قراءة صائبة في الموضع الخطأ. فقد أتي الأسوأ فعلاً بعد سنتين، وكان هؤلاء "المشاغبون" و"المخربون" كما كانوا يوصفون في الإعلام الرياضي الرسمي "عصباً" مهماً في أحداث الثورة ومجرياتها.

أهازيج و أغان  في مبارايات كرة القدم في تونس تغنت بالحرية وبشّر بعضها بالثورة و حث بعضها الآخر على العصيان و التمرد مما دفع السلطة  إلى اتخاذ قرار بمنعها في الملاعب في قراءة لقادم ربما يكون أسوأ... وهي للأمانة قراءة صائبة في الموضع الخطأ

ففي مدينة سوسة وتحديداً في 9 يناير/كانون الثاني 2011 وحين كانت الأنظار تتجه إلى ما يجري في أرضية الملعب بين النجم الرياضي الساحلي  وضيفه الترجي الرياضي التونسي، كان ما لم تقرأ له السلطة حساباً موجوداً في المدارج، فعلاوة على المشادّات والكر والفر بين الأمن والجمهور فإن مسيرة ضخمة تم تأطيرها سراً داخل جمهور الكرة وعلى المدارج، ومن ثم الخروج بها بعد ذلك لتختلط الأهازيج الكروية بالشعارات والمطالب الاجتماعية والسياسية في صوت واحد. ستبقى هذه الحادثة واحدة من الأحداث الحاسمة في ما جرى بعدها بأيام قليلة من تغير سياسي في البلاد.

"يا حياتنا"، نشيد وطني

لا تحتفظ الذاكرة بحدث واحد في تونس كان له من الأثر أن استطاع أن يجمع كل "مجموعات" وجماهير الفرق الرياضية التونسية حول موقف واحد باستثناء حادثة وفاة عمر العبيدي محب النادي الإفريقي الذي توفي غرقاً بعد مطاردة أمنية خارج ملعب رادس في 31 آذار/مارس 2018   في ما عرف شعبياً بعد ذلك بـ"اتعلم عوم"، وهي العبارة التي قالها أحد رجال الأمن له قبل أن يجد نفسه متخبطاً في مياه قناة لا تصلح للسباحة، ليتحول بذلك إلى أيقونة جديدة في تونس تقف بين السلطة وضدّها في الملاعب وخارجها.

أمام أحد استديوهات تسجيل الموسيقى تبدو الحركة ليلاً أكثر من عادية، ولا شيء يوحي بأمر مقبل. يدلف أحدهم بشكل طبيعي ويتبعه آخر وآخر، ولا أحد يعلم ما يحدث سوى الله ومن هم بالداخل؛ صوت الجرس المميز لمنصة اليوتيوب، تم تنزيل أغنية جديدة، بوجوه مخفية وأصوات لا أحد يميز أصحابها؛ آلاف المشاهدات خلال دقائق معدودات.

أغنية "يا حياتنا"

أتت أغنية "يا حياتنا" الصادرة عن جمهور النادي الإفريقي بتونس ليكون قدرها أن تكون أوسع من جبة هذا النادي، بل وأوسع من كرة القدم نفسها. لا يتعلق الأمر بتشجيع طبيعي ينتهي صداه خارج الملاعب بل هو يتجاوز ذلك ليحمل كمّاً من القضايا والأحداث والسياقات التي عرفتها تونس والمستمرة قطعاً في الزمان والمكان.

يتعرض كتّاب الكلمات إلى ذلك الحجم من الغبن المسلط قبل 2011 وبعده على الشباب التونسي بشكل خاص متمثلاً في اتساع رقع البطالة وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وهو في ذلك يشبه حجر الرحى الغبية التي لا تميز في دورانها لتطحن كل ما في طريقها.

في الأغنية عودة على حادثة قتل عمر العبيدي وتذكير بحادثة وفاة عدد من الأطفال الرضّع الذين تسلمهم ذووهم في كراتين ورقية دون احترام لذواتهم البشرية بالإضافة إلى قصة الطفلة مها القضاضي التي جرفتها السيول وهي تعبر إلى مدرستها، إضافة إلى قصة عاملات الفلاحة اللائي انقلبت بهن شاحنة النقل الجماعي المفتقرة بدورها إلى أبسط قواعد السلامة واحترام الذات البشرية.

بتعديل بسيط يمكن أن تتحول أغنية مثل "يا حياتنا" من أغنية كروية إلى نشيط وطني رسمي تونسي تعبّر كلماته وزفرات الحنق التي فيه على ما يختلج في صدر التونسيين اليوم من عدم رضا عن وضع عام مترد.

أهازيج الملاعب في تونس كانت بشكل متواصل ومنذ ظهور المجموعات الأولى في السنوات القليلة التي تسبق سنة 2011 تحمل تعبيرات ثقافية في شكل رسائل سياسية واجتماعية لم تتمكن السلطة حينها من التقاطها، ليتواصل هذا العجز مستمراً إلى يومنا هذا

شأنها في ذلك شأن موسيقى الراب، فإن أهازيج الملاعب في تونس كانت بشكل متواصل ومنذ ظهور المجموعات الأولى في السنوات القليلة التي تسبق سنة 2011 تحمل تعبيرات ثقافية في شكل رسائل سياسية واجتماعية لم تتمكن السلطة حينها من التقاطها، ليتواصل هذا العجز مستمراً إلى يومنا هذا.

يسألني صديقي الجزائري عن الأماكن والمعالم التي أرغب في زيارتها في حال زرت الجزائر قريباً، فأجيب وبلا أدنى تردد: ملعب "5 جويليه" في مباراة لاتحاد العاصمة مع مجموعة أولاد البهجة لأردد معهم أغنية "بابور اللوح" في تلك الكوريغرافيا البشرية العبقرية، أو أغنية "ساعات الفجر و ما جاني نوم" بذلك الكم الهائل من الشعور بالضيم، تماماً مثلما سألني صديقي المغربي فأجبته مع جمهور الرجاء لرفع "تيفو" الغرفة 101 من جديد ولكن يوم يرفع عنه المنع.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard