شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
لماذا نشعر بأننا نخوض حرباً عندما نبحث عن منزل في بيروت؟

لماذا نشعر بأننا نخوض حرباً عندما نبحث عن منزل في بيروت؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

وأخيراً، وجدت منزلي الذي سأسكن فيه وحدي في بيروت، وتجرّأت على خوض هذه "الحرب" بعد البحث عن شقةٍ لمدّة عام بأكمله.

خلال السنوات السبعة التي سكنت فيها في المدينة، تنقلّت بين خمسة منازل مختلفة، ولم يمنحني أي منها شعور "البيت"، فمنها ما كان يشبه غرفة المنامة، أزوره حين أريد أن أنام، ومنها ما كان يشبه علبة السردين... جميل جداً، لكن الشمس لا تدخله أو تلمسه أبداً.

على الرغم من أن الـ"بيت" غير محدود في مكان واحد بالنسبة لي، أشعر بأن الانتقال إلى مكان جديد يشبهني هو بمثابة الانتصار على حربَين في بلد يجعل من أي محاولة لبناء الاستقلاليّة أمراً شبه مستحيل، إذ أصبحت القدرة على خلق مساحات آمنة ومريحة وبناء ما يشبهنا أمراً برجوازياً وثانوياً.

الجبهة الأولى: عقبات لبناننا

كنت أسكن منذ صغري في منزل متواضع في الضيعة: لم تكن لدي غرفتي الخاصة، أو الخصوصية التامة، من دون أن نفهم أهمية احترام الخصوصية التي تبدأ من الغرفة لتصل إلى بناء حدود للناس الذين سنتعرّف عليهم عندما نكبر. في منزلي ذلك، لم يكن شيء يشبهني، وكان الحصول على أي إضافة تشبهنا أمراً صعباً وثانوياً.

كانت حجتي حينها للانتقال من منزلي إلى بيروت، هي دراستي، وتالياً فإن الموافقة على النزوح إلى بيروت لم تنبع من رغبة مجتمعي في احترام خصوصيتي بالطبع، فنحن نعيش في مجتمعات تعدّ خصوصياتنا مهينةً لسبب ما: إذا سعينا إليها، فاذاً نحن نكره بيوت أهالينا، وهو اعتقاد غير دقيق بالضرورة. الدليل على ذلك، هو أنني في كل منزل في بيروت كنت أبحث عن شيء لم أجده أبداً: شعور البيت الذي كنت أشعر به في منزل أهلي، هو نفسه المنزل الذي كنت أكره غياب الخصوصية عنه وأعزل نفسي في غرفة واحدة فيه أحياناً، ونفسه المنزل الذي لم يوفّر لي مساحةً خاصةً لأكتب وأفكر.

نحن نعيش في مجتمعات تعدّ خصوصياتنا مهينةً لسبب ما: إذا سعينا إليها، فاذاً نحن نكره بيوت أهالينا، وهو اعتقاد غير دقيق بالضرورة

مع كل خطوة كنت أخوضها، كنت أبحث عن أجزاء من حريتي من خلال الاستقلالية المادية. في السنة الأولى: أردت عملاً، أي عمل. رحت أبحث عن عمل يجمع لي الأموال، فيما أعلم أن فرص العيش بسيرورة ضئيلة جداً في المدينة. في السنة الثالثة: أريد سيارةً، أي سيارة... وتمكنت من شراء سيارة بسيطة بعد جمع القليل من الأموال، واليوم أريد منزلاً: "بس مش أي منزل". أريده منزلاً جميلاً، مع شرفة كبيرة ومكان خاص للكتب والكتابة. أريد منزلاً جميلاً يسعني وأصدقائي، أتعلم الطهي فيه وأمارس الرياضة وأقرأ وأرقص ثم أكتب فيه مجدداً، أريده منزلاً قديماً، ليس كبيراً أو فخماً بالضرورة، لكنني أريده أن يمنحني دفء البيت الذي سكنت فيه، من دون صعوبة احترام حدودي ورغباتي في تجميل مساحتي الخاصة.

بعد العيش مع الأصدقاء ووحدي في بيروت، كانت هذه الرغبة الأخيرة هي الأصعب والأهم قبل أن أفكر في مغادرة هذا البلد: وكأنني أعطيه فرصةً أخيرةً في منحي شعور الاكتفاء. حسناً، سأفعلها، ولكن ماذا لو خسرت عملي في يوم واحد؟ ماذا لو حصل انفجار مثل انفجار الرابع من آب/ أغسطس، يدمر حياتي ومنزلي وكل تفاصيله الصغيرة التي سأستثمر فيها؟

أسكتّ الأصوات في داخلي وتجرّأت على انتقاء منزل يمكنني تغييره قليلاً. "نعيش مرّةً واحدةً، ولن أعيش في بيت أكرهه".

"ما تغيّري الصوفا..."؛ ينصحني البعض بمحاولة التوفير بما أن أسعار الإيجارات تزداد يوماً بعد يوم. كيف أفسّر لهم/ نّ أن تغيير الصوفا هذا غير متعلّق بالصوفا أبداً؟

لم أفهم أن الحواجز التي تمنعني من القدوم في هذا الاتجاه، لم تكن ماديةً أو اجتماعيةً فقط في هذه الحالة، بل كانت تنبع من الخوف من كل ما هو "أناني". أريده منزلاً مثالياً، من دون أن يساعدني أحد في دفع الإيجار، فيما تمنحنا بيروت كل ما هو غير مثالي: فاتورتين من الكهرباء، في الوثت الذي تنعدم فيه الكهرباء. مياه غير متوفرة، وصعوبة في تأمين المأكل والمشرب والدفء وشراء أبسط أثث المنزل، وايجاراتٍ توازي إيجارات باريس!

خلال رحلة البحث هذه، كان يشاركني أصدقائي التجربة نفسها: معظمهم/ نّ يريدون/ ن منزلاً لأنفسهم/ نّ، يحافظون فيه على الخصوصيّة ويربّون قطةً جميلةً، حتّى ولو اقترب منزل أهلهم/ نّ من المدينة

خلال رحلة البحث هذه، كان يشاركني أصدقائي التجربة نفسها: معظمهم/ نّ يريدون/ ن منزلاً لأنفسهم/ نّ، يحافظون فيه على الخصوصيّة ويربّون قطةً جميلةً، حتّى ولو اقترب منزل أهلهم/ نّ من المدينة. يطردهم أصحاب المنازل التي أحبّوها لأنّهم يريدون رفع الأسعار ويغادرونها ليبحثوا عن غيرها، فإمّا يكتفون بما لا يشبههم، أو يخوضون المعركة ذاتها ونتشارك أخبارها: "اليوم زبّطت الكهرباء". و"أنا كمان"... و"قديش عم تدفعي؟ الأفضل تركّبي عدّاد".

فجأةً، ننسى صورة البيت الجميل الذي نحلم به وننهمك في التفاصيل البائسة والموفّرة، فيما نحارب جميعاً نحو هذه الاستقلالية وكأنها نوع آخر من الحرية.

كان عليّ ألّا أنسى صورة المنزل الذي أريده طوال العام، فيما أقنع نفسي بأن ما أريده ليس برجوازياً، بل على العكس، هو أمرُ طبيعي أصبح شاقاً مثل كل شيء نسعى إليه في لبنان. كان عليّ أن أقنع نفسي بأن رغبتي في بناء ما يخصني هو جزء كبير من التحرر بغضّ النظر عن مشاعر ذنبنا تجاه ما يعيشه كثيرون في هذا البلد على الصعيد الاقتصادي... لكن شيئاً إضافياً كان يزيد تردّدي.

الجبهة الثانية: إنني امرأة!

"شو بدك بهل شغله هلق؟"، يقول لي البعض قبل أن أُقدم على هذه الخطوة.

يقنعني المجتمع بأنه من الأفضل أن أسكن في أي منزل في الوقت الراهن، لأن الوضع الاقتصادي سيئ أو لأنني امرأة بطريقة غير مباشرة. مع كل خطوة أقدمت عليها سابقاً من الاستقلالية المادية، تعلّمت أنني كنت أساهم في تعزيز نسويّتي من دون أن أعلم ذلك أصلاً. من الانتقال إلى العيش وحدي في بيروت، إلى الإقدام على العمل في عمر صغير وأخيراً إلى التمكن من خلق مساحتي الآمنة في الرابعة والعشرين من عمري.

يقنعني المجتمع بأنه من الأفضل أن أسكن في أي منزل في الوقت الراهن، لأن الوضع الاقتصادي سيئ أو لأنني امرأة بطريقة غير مباشرة.

"هذا هو الشيء الوحيد الذي أفتخر فيه اليوم..."؛ بذلك ذكّرت نفسي عندما اقتربت من الاقتناع بأنني لن أجد "بيتي".

بعد شبه الانتهاء من بناء تفاصيل منزلي، فرح محيطي وهنّأني: "مبروك... بس عقبال ما يصير عندك بيت مع جوزك"... تذكرت، معركتي إذاً ليست فقط مع تحديات هذا البلد، بل هي في الدرجة الأولى لأنني امرأة. ما نفع بناء منزل لي فيما يحسم المجتمع أنه عليّ أن أبني في النهاية منزلاً مع شريكي في الحياة؟ هذا هو "البيت" الحقيقي بالنسبة إليهم، وكل شيء آخر هو مجرّد بهارات.

أذكر أنني في صغري، كنت أفرح بالنساء القويّات، أي كل امرأة لديها منزلها الخاص، وسيارتها وقدرتها على التنقل والسفر بحرية.

لم أفهم حينها أن ما تلفتني حقيقةً هي "الاستقلالية". فلم أكن بعد "نسويةً"، ولم أكن أعرف ماذا تعني تلك الكلمة تحديداً... بالطبع لم أكن أعلم أن الحرية الفردية تجعل من المرأة أو من أي فرد حرّ/ ة، من نمطيّة المجتمع وضغوطه. لم أكن أعرف أنه مع كل خطوة كنت أريدها، كنت أقترب أكثر من الحرية الداخلية. وهي عمليّة مرهقة: نبنيها ونحميها ونخاف عليها، ولا تشبه بساطة من يبدو حرّاً في شيء.

اليوم، لست سعيدةً سوى بأنني تخطّيت حواجز عقليةً ونفسيّةً مرهقةً، كي أكتب من مكتبتي الصغيرة وأتناول الطعام في منزلي الذي تلمسه الشمس. منزلي هذا غير المكتمل والكنبة المتواضعة الملوّنة هما تذكير إضافي بأنني نسوية حرّة؛ هما أهمّ من التعب الذي استغرقني والصعوبات التي سأواجهها.

لا زلت أزور بيت أهلي دائماً وأعشقه، ولا يزال لا يشبهني أبداً، ولكنني لسبب ما، وجدت نفسي أجمع بين دفء منزلي القديم وفرديّة منزلي الجديد في مكان واحد.

إن سكنت في أي منزل آخر يوماً ما، سيبقى هذا المكان الجديد هو ما أكمل صفحة الاستقلالية التي أصبحت أولويّتي مع الوقت، وسنبقى نبحث لأصدقائنا عن منازل جميلة وغير مؤقتة في بيروت، في وجه الصعوبات وانعدام الحريات والخصوصيات والمساحات في لبنان.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard