"لا أحد ينتظرني هناك"... سوريا المستحيلة بعيون إيطالية

"لا أحد ينتظرني هناك"... سوريا المستحيلة بعيون إيطالية

ثقافة

الثلاثاء 6 ديسمبر 202202:07 م

عن "منشورات المتوسط" في إيطاليا و"دار السويدي للنشر والتوزيع" في الإمارات العربية المتحدة، صدرَ حديثاً كتاب "أب وابن. سوريا بحجم العالم". يضم الكتاب نصوصاً كتبها كاتب وصحافي إيطالي من أصول سورية، هو شادي حمادي، إلى جانب والده محمد، المنفي من سوريا منذ ستينات القرن الماضي. الكتاب من ترجمة الكاتب السوري يوسف وقاص، وقد صدر أيضاً باللغة الإيطالية عن منشورات "آد" في العام نفسه، وحاز على "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة" عن فرع اليوميات المترجمة.

يتناول الكتاب مسألتين تبدوان بالغتي الأهمية، وخصوصاً بعد موجات الهجرة واللجوء الكبيرة من سوريا إلى عدة بلدان، وخصوصاً البلدان الأوروبية؛ المسألة الأولى "جيليّة"، من خلال نصوص مكتوبة وفقاً لوعي وأفكار جيلين مختلفين، الأب وابنه، وتتناول نفس الواقعة: سوريا. أما المسألة الثانية فتتطرق إلى الواقعية في التعامل مع فكرة "الوطن"، حيث مصالح البشر وحيواتهم وحيوات ذويهم وأمانهم واستقرارهم، بعيداً عن زجليات الوطن الأصلي الذي "لا يتغير" بحسب الثقافة السياسية العربية السائدة.

هنا، حوار مع شادي حمادي لمناسبة صدور الكتاب:

سوريا المتخيلة والمستحيلة

هذا الكتاب هو الجزء الثالث من ثلاثية كتبها على امتداد عشر سنوات، وكان يريد لهذه الكتب أن تكون كتباً يعود من خلالها إلى سوريا، خصوصاً أن العودة الفيزيائية إليها مستحيلة. "بالنسبة لي ولأبي لا يوجد شيء اسمه سوريا. والدي لا يعرف أحداً فيها وسوريا التي تركها صارت غير موجودة. تغير كل شيء وسكنتُ أنا ثلاثة أرباع حياتي خارج البلد. أنا إيطالي ولست سورياً، ولا أحد ينتظرني هناك".

"كلما توالدت الأجيال الجديدة ستكون سوريا أبعد"، كما يقول. تسأله زوجته ناديا: لماذا لا تتعلم ابنتهما ماتيلدا اللغةَ العربية؟ فيجيبها بالقول: "اللغة الأم بالنسبة لي ولك ولماتيلدا هي الإيطالية. أنا مهتم بالشرق الأوسط بحكم اهتمام والدي وأحاديثه معي، أما ماتيلدا فلن تهتم، وتاريخها إيطالي وأوروبي. سوريا بعيدة جداً عن ماتيلدا، وهذه أيضاً واحدة من نتائج المنفى. لو كان هناك نظام ديمقراطي في سوريا كنا نذهب لزيارة سوريا مرة كل عام، مثلاً. وهذا مستحيل".

بالنسبة لي ولأبي لا يوجد شيء اسمه سوريا. والدي لا يعرف أحداً فيها وسوريا التي تركها صارت غير موجودة... سكنتُ ثلاثة أرباع حياتي خارج البلد. أنا إيطالي ولستُ سورياً، ولا أحد ينتظرني هناك"... شادي حمادي

لا يستطيع معرفة مدخل قريته "تلكلخ"، ولا معرفة موقع بيت جده، وإذا عاد سيتوجب عليه سؤال الناس عن هذا البيت، وهم غالباً لا يعرفونه. "سوريا التي نتخيلها اختفت، لكن كان هناك مجال للمشاركة في نشاطات وفعاليات ثقافية وتواصل ثقافي بين أوروبا والعالم العربي، كإيطاليين من أصول سورية، والعمل على ذلك. ا"لسوريون موجودون اليوم في كل مكان، والعالم بهذا المعنى هو بيت لهم"، بحسب تعبيره. مع ذلك، يتذكر بعضاً من طفولته، فهو في الطفولة كان يشعر بنفسه إيطالياً، إنما مع بعض الغربة. درس في مدرسة كاثوليكية في إيطاليا وكان الوحيد الذي يحمل اسماً عربياً: شادي. كان الإيطاليون يحتفلون بالقديسَين، لوكا وفرانسيسكو، وكان يعتقد آنئذٍ أنهم يحتفلون بلوكا، زميله في الصف.

سوريا في إيطاليا

عندما ذهب الى مكتبة فيلترينيللي الإيطالية الشهيرة قبل ثورة عام 2011، لم يجد كتباً تتناول تاريخ سوريا باستثناء كتاب واحد يتحدث عن حافظ الأسد بطريقة إيجابية، وهو يشبه كثيراً كتاب باتريك سيل عنه. لا شيء عن السجون ولا عن الديكتاتورية، ومنذ ذلك الوقت بدأ بالتفكير في الكتابة حولها انطلاقاً من تجربته.

تواصلَ مع داريو فو، الكاتب الايطالي الحائز على جائزة نوبل للآداب، وكتب فو مقدمةً لكتابه "السعادة العربية"، تحدث فيها عن ضرورة الاهتمام الإيطالي بالشرق والعالم العربي وثوراته، خصوصاً أن إيطاليا هي بوابة أوروبا وجزء من حوض المتوسط، ومن الممكن أن نلعب دوراً وسيطاً على هذا الصعيد، وهو ما لم يحصل. صارت سوريا حاضرة بقوة في إيطاليا بعد الثورة، بين إيطاليين متضامنين معها ومعارضين للنظام من جهة، وراديكاليين يساريين ويمينيين يدافعون عن بشار الأسد من جهة ثانية. "غريب أن يلتقي اليسار واليمين على نقطة واحدة وخصوصاً محبة الأسد. بالنسبة للفاشيين فإن بشار الاسد هو شبيه موسوليني، رجل القدر، وهم يحبون الديكتاتوريات على أي حال، لكن السؤال الأساسي كان حول اليسار، وهو ما يزال محور نقاشات بين يساريين مختلفين حول الموقف من القضية السورية"، كما يقول.

الكاتب شادي حمادي

أما في ما يتعلق بالسوريين في إيطاليا، فيتذكر أنه ذهب ذات مرة للمشاركة في حفل تقيمه الجالية السورية في ميلانو في سيستو سان جيوفاني، وعندما دخل الصالة وجد سوريين من مختلف المناطق، وكانت المرة الأولى التي يشاهد فيها صورة لحافظ وبشار الأسد في إيطاليا. "والدي وأنا ذهبنا إلى ذلك الحفل كتجمع للسوريين، لكن اتضح أخيراً أن هؤلاء قريبون من النظام في دمشق ومؤيدون له".

والدي كان سجيناً سياسياً وقد تعرض للتعذيب، والتعذيب له تبعاته الجسدية والنفسية والروحية، وهو دمّر علاقته مع سوريا، وكنت أسمعه مراتٍ كثيرةً يصرخ أثناء نومه في التسعينيات. هذه ذكرياتنا وما نعرفه عن سوريا

لا يستطيع أن يفهم ويفسر هذه الظاهرة في إيطاليا، لكنه يتفهمها في سوريا عندما زارها لفترة قصيرة في السابق. "عندما اكتشف الناس في سوريا أنني من أم إيطالية مسيحية، غراتسيا، لم يسألني معظمهم عن إيطاليا نهائياً، بل عن ديني وما إذا كنت مسيحياً أم مسلماً كأبي. وعندما سألت الأشخاص عن صاحب الصورة الموجودة حتى في الحمامات، أجابني ابن خالتي بأنه (رئيسنا). قلت له: نحن في إيطاليا لا نضع صوراً لرئيس إيطاليا، فأجابني: نحن نحب الرئيس ونضع صوره في كلّ مكان. سألته: نحن نستطيع انتقاد الرئيس الإيطالي، وأنتم؟ فختم كلامه وأغلق الحديث بالقول: نحن مهذبون ولا نتحدث عنه بالسوء احتراماً له. كان هذا دليلاً على الخوف وعلى أنماط التفكير الموجودة عند شرائح واسعة في البلد، وعرفت يومها تماماً معنى الديكتاتورية فيه".

سوريون وعرب في إيطاليا

كان محمد، والد شادي، أول عربي يدخل إلى عضوية مجلس بلدية سيستو سان جيوفاني في إيطاليا، وكان الشيوعيون والديمقراطيون المسيحيون يشكلون، في حينه، القوى السياسيةَ الرئيسية في البلاد:

"كان موضوع الهجرة في تلك الفترة جديداً، كما كان وصول عربي إلى مجلس البلدية حدثاً. لم يُفتح نقاش مثلاً عن موضوع الهجرة والمهاجرين وطبائعهم وتوجهاتهم، ومن هؤلاء أيضاً كان ثمة مهاجرون مسلمون محافظون رفضوا والدي أيضاً، لأنه لم يلتزم بالإسلام المعياري والمسجدي، ولم يتوافق مع طريقة تفكيرهم الدينية المنغلقة جداً. لذلك لم يتعاملوا معه بايجابية، خصوصاً أنه كان يعمل على قضايا الحوار بين الأديان ولا يقدّم الدين على السياسة، بالإضافة إلى أنه منتخب على لائحة الحزب الشيوعي الإيطالي وعضو في المجلس البلدي كممثل لأهل المنطقة، وليس للمسلمين فقط. لذلك قوبل بالمعارضة والرفض من قبلهم، ففي صلاة عيد الأضحى مثلاً جاء رجل دين من الفاتيكان إلى المسجد بدعوة من والدي للحديث عن مسألة الحوار الاسلامي المسيحي، ورفض هؤلاء التعاطي معه".

الكاتب شادي حمادي ووالده

يلاحظ حمادي وجود عنصرية ضد العرب والسوريين في إيطاليا وأوروبا، لكنه ينتبه أيضاً إلى وجود عنصرية ضد الغرب والغربيين من قبل سوريين وعرب، وخصوصاً المسلمين المتطرفين منهم، واستقالة هؤلاء من الحياة الثقافية والاجتماعية الإيطالية والأوروبية: "أنت قادم من العالم العربي وتريد العيش في إيطاليا، لكنك تعيش فيها كما لو كنت ما تزال هناك. لا تتعلم اللغة وتتحدث فقط عن دينك، مع العلم أن إيطاليا هي أفضل من أي بلد عربي على صعيد حرية التعبير والاعتقاد الديني، للمسلمين ولغيرهم. هل يستطيع هؤلاء ممارسة حرياتهم في مصر أو الجزائر أو سوريا وغيرها؟ طبعاً لا. تستطيع هنا الكتابة والتعبير بحرية عن كلّ ما تريد، بما في ذلك تناول الأديان نفسها بالنقد، وأن تمارس إيمانك وتعتقد بما تشاء. كثيرون من المثقفين العرب لا يستطيعون كتابة ما كتبوه إلا في الغرب، ودون خوف".

"كلما توالدت الأجيال الجديدة ستكون سوريا أبعد"

يستأنف كلامه حول هذه النقطة ويضرب مثالاً عن شخص اسمه أديل زميت، والدته مصرية وأبوه ايطالي، وهو توفي قبل فترة. شكّل زميت جالية مسلمة متشددة وأحدث ضجةً وطالب بإزالة الصليب من داخل المدرسة التي يرتادها أطفاله. "هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة. لذلك يجب القول بوجود عنصرية من قبل إيطاليين ضد العرب والمسلمين، وأيضاً بوجود عنصرية من قبل شرائح من هؤلاء الأخيرين، ولا يجب أن ننسى أن التضامن الأوروبي والإيطالي مع اللاجئين السوريين كان قوياً، وأكثر من تضامن العرب والمسلمين معهم. لقد شاهدنا العنصرية ضد السوريين من قبل فئات من اللبنانيين والأتراك، وهي أكبر من عنصرية الإيطاليين ضد السوريين والعرب. أتذكر مثلاً أننا صادفنا ذات يوم عائلة فلسطينية سورية كانت تنام في محطة القطار الرئيسية في ميلانو، وعندما اتصلنا بالمسجد الإسلامي، لم يتجاوب معنا نهائياً، على عكس الكنيسة التي قامت بإيواء تلك العائلة لاحقاً".

يحبّ شادي حمادي سوريا المتخيلة، المستحيلة، أما سوريا الواقعية فهي شيء آخر تماماً:

"كيف يمكنني التعامل مع سوريا الواقعية التي كانت ضدّي منذ ولادتي؟ والدي كان سجيناً سياسياً وقد تعرض للتعذيب، والتعذيب له تبعاته الجسدية والنفسية والروحية، وهو دمّر علاقته مع سوريا، وكنت أسمعه مراتٍ كثيرة يصرخ أثناء نومه في التسعينيات. هذه ذكرياتنا وما نعرفه عن سوريا. لن يأتي أحد ليعتذر منه ومن كل السجناء والمعذبين على ما وقع لهم في زمن البعث. لا عدالة في ذلك البلد، لا في الماضي ولا في المستقبل".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
Website by WhiteBeard