شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
مسؤولون لكن ظرفاء... تفشّي قضايا الاحتيال في الجزائر

مسؤولون لكن ظرفاء... تفشّي قضايا الاحتيال في الجزائر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

اقتصاد

الخميس 1 ديسمبر 202202:05 م

لا تزال الخالة "وردية"، تتذكر تفاصيل عملية الاحتيال والنصب التي راحت ضحيتها برفقة بناتها الثلاثة، وخسرت على إثرها مبلغاً مالياً معتبراً، من دون أن تلجأ إلى أروقة المحاكم والنيابات خوفاً على بناتها.

تفاصيل القضية، حسب الخالة، تعود إلى عام 2017، عندما قررت برفقة زوجها بيع بيتها العائلي. حينها، تقدّم أحد الأشخاص لشرائه، وكان يتردد علينا بين الحين والآخر من أجل ضبط السعر الخاص بعملية البيع من جهة، ومعاينة البيت من جهة أخرى.

إلى هنا، تقول الخالة لرصيف22، إن كل الأمور كانت تجري بصفة عادية، فالمظهر العام لهذا الشخص كان عادياً، كما أنه يتمتع بمهارات عالية في القوانين التي تحكم مجال العقارات في البلاد، وله دراية كبيرة بالخدمات المصرفية والمالية.

هل يقود غياب الشفافية وتنامي ظاهرة الرشوة، إلى انتشار الاحتيال في الجزائر؟

طرق وأساليب متعددة

بدأت تطورات القضية تأخذ منعرجاً آخر، عندما زعم المحتال بأنه يواجه مشكلةً بسيطةً على مستوى البنك حيث يودع أمواله وبأنه في حاجة إلى مبلغ مالي قدره 100 ألف دينار جزائري ( 723 دولار أمريكي)،

وتشير الخالة إلى أنه "تعمّد إظهار بعض الوثائق التي تؤكد حيازته حساباً بنكياً وأنه يشتغل مقاولاً في إحدى مدن الشرق الجزائري، وهو ما جعله محل ثقة لدى الجميع".

وبدأت الشكوك تساور الخالة وبناتها، بعدما طلب الشخص سالف الذكر، الحصول على دفعة ثانية من الأموال إلى حين تسوية قضيته على مستوى البنك، وهنا تحفظت العائلة عن الدفع، وبدأت ترفض استقباله، إلى أن أدركوا أنهم وقعوا ضحية نصب واحتيال.

لكن زكية، المتحدرة من الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، كان حظها أسوأ من حظ الخالة وبناتها، إذ وقعت ضحية نصب وانتحال صفة مسؤول رفيع المستوى في الرئاسة، بينما المتّهم هو في الأصل مجرد مسيّر لمدرسة رياضية خاصة.

تقول زكية لرصيف22، إن "المتّهم أوهمها بأنه قريب من صناع القرار وقادر على تسوية معاملاتها الإدارية". وتضيف: "بحكم العلاقة الوطيدة التي كانت تربطه بزوجي وأبنائي، طلب مبلغاً مالياً قدره 250 مليون سنتيم، أي ما يعادل 12 ألف دولار، كسلفة لتغطية بعض احتياجاته الخاصة".

"ومنذ حصوله على ذلك المبلغ، صار يرفض الرد على اتصالاتنا الهاتفية ويتهرب من ملاقاتنا، لنفاجأ في نهاية المطاف باختفائه تماماً من المشهد".

وتضيف: "بعد إيداعنا شكوى ضده لدى الأمن القضائي، اكتشفنا أننا لسنا أول ضحاياه، بل هناك من وقعوا في الفخ واللافت للانتباه أن هذا الأخير احترف النصب والاحتيال إلى درجة أنه كان يقدّم صكوكاً على بياض ليحصل على الأموال".

في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، أمر قاضي محكمة سيدي امحمد (وسط العاصمة الجزائرية)، بإيداع كهل في العقد السادس من العمر، رهن الحبس المؤقت في سجن الحراش (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية).

تقول تفاصيل وقائع القضية، إن الكهل انتحل صفة قابض بريد في أحد فروع بريد الجزائر (مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية، وخدمات بريدية ومالية)، من أجل سرقة الرواتب التقاعدية للمسنّين في العاصمة الجزائرية.

وبعد أن تقدّم العديد من الضحايا بشكاوى مفادها تعرّضهم للنصب والسرقة بطريقة احتيالية، أوقفت مصالح الأمن المشتبه فيه وأحالته على العدالة بتهمة انتحال صفة مهنة منظمة قانوناً وبتهمة السرقة.

مسؤولون مزيَّفون

لا يكاد يمر أسبوع أو أسبوعان من دون أن تنشر مصالح الأمن الوطني والدرك (قوة عمومية ذات طابع عسكري)، بناءً على تعليمات من العدالة، بيانات مرفقةً بصور شخصية واضحة بخلفّيات بيضاء وأسماء المشتبه فيهم وألقابهم لفائدة الضحايا، تدعوهم فيها إلى تقييد شكوى ضدهم أو الإدلاء بشهاداتهم في القضية، آخرها كان توجيه مصالح الأمن الوطني في محافظة الجزائر العاصمة، نداءً إلى الجمهور بخصوص 3 أشخاص مشتبه فيهم في قضايا نصب واحتيال عدة، طبقاً لأحكام المادة 17 من قانون الإجراءات الجزائية، وعملاً بالإذن الصادر عن نيابة الجمهورية لدى محكمة سيدي امحمد أو محكمة عبان رمضان، كما يُصطلح على تسميتها نسبةً إلى الشارع الواقعة فيه.

الأشخاص الثلاثة المشتبه فيهم حسب مصالح الأمن في محافظة الجزائر العاصمة، مشتبه فيهم في قضايا النصب والاحتيال والتزوير واستعمال المزوّر.

والشيء المميز واللافت للانتباه في منتحلي الصفة، الدهاء والجرأة اللتان تقودهما إلى ربط علاقات وهمية قوية مع رجال نافذين في الدولة الجزائرية، وفي محافظة غرداية (شمال صحراء الجزائر، على بعد 600 كلم جنوب الجزائر العاصمة). في شباط/ فبراير الماضي، أوقفت مصالح الأمن شاباً في مقتل العمر استعمل أختاماً مزورةً واحتال على عدد من المواطنين وزعم بأنه يشغل منصب ممثل ومنسق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بين المواطنين والسلطات المحلية في منطقة الجنوب.

وأفضت القضية إلى حجز 6 أختام مزورة، منها ثلاثة باسم رئيس الدولة، كما تم العثور على 11 بطاقةً مهنيةً مزوّرةً وملفات إدارية وصور ضحايا ووثائق مزورة وأيضاً صك بريدي بقيمة مالية كبيرة.

وبتاريخ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أعلنت مصالح الأمن الجزائري عن توقيف شخص في العقد الخامس من عمره، في محافظة المدية (مدينة جزائرية تبعد 70 كلم عن العاصمة الجزائرية)، قدّم نفسه لضحاياه على أنه إطار رفيع في الدولة، ويتمتع بنفوذ كبير على مستوى القضاء وفي مؤسسات الدولة، وأوهمهم بقدرته على تسوية ملفات وقضايا تخصهم مقابل مبالغ مالية كبيرة.

وبالفعل نجح المتهم في سلب مبلغ مالي يُقدَّر بـ500 مليون سنتيم، أي ما يعادل 25 ألف دولار، من أحد المواطنين، وكان قد وعده بتسوية نزاع عقاري وتمكينه من استرجاع عقارات تخصه هي محل نزاع.

وبعد فترة ترصّد وتعقّب لهذا الإطار "الوهمي"، نجحت مصالح الأمن في توقيفه، وتم العثور في حوزته على ملفات إدارية لمواطنين كان في صدد النصب والاحتيال عليهم، ومبلغ مالي من عائدات أفعاله.

تبون: البيروقراطية حرمت أبناء وطني من تحقيق أحلامهم ودفعت كثيرين منهم إلى الهجرة". 

أبحث عن البيروقراطية

إلى هُنا، يجمع مختصون في المجال القانوني وفي علم الاجتماع وفي علم النفس العيادي، على أن انتحال الصفة والنصب والاحتيال والاستيلاء على أموال الناس بمبرر استرجاع الحق بدل الاعتماد على الطرق القانونية المعروفة، دليل على تفشي البيروقراطية.

"أعتقد أن غياب الشفافية ومماطلة بعض الإداريين في القيام بأعمالهم وتنامي ظاهرة الرشوة، هي التي تدفع بجزائريين إلى اللجوء إلى أشخاص يعتقدون أنهم سيسوّون مشكلاتهم بطرق قانونية"؛ هكذا تستهل الحقوقية والنائبة السابقة في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، فطيمة سعيدي، حديثها إلى رصيف22، وتقول: "ظاهرة انتحال الشخصية والاحتيال جريمة يعاقب عليها القانون ومن أهم أسبابها اختلال موازين القيم داخل مؤسسات التنشئة، سواء العائلة أو المدرسة أو المسجد".

"وأصبحت الأولوية حالياً لتوفير الحاجيات المادية على أولوية التربية على الصدق والأمانة وتوفير المعلومة العلمية على المعلومة القيمية والخطاب المسجدي الذي لم يجدد ويطور وسائله ومفرداته بما يسمح بإيصال رسالة إلى مختلف فئات المجتمع".

وأصبح كبار المسؤولين في الدولة الجزائرية لا يخفون تذمّرهم من البيروقراطية، وهو ما أقرّ به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال لقائه مستثمرين شباباً شاركوا في مؤتمر سنوي للمؤسسات الناشئة، إذ قال إن "العراقيل البيروقراطية حرمت أبناء وطني من تجسيد أعمالهم وتحقيق أحلامهم ودفعت كثيرين منهم إلى الهجرة".

الظلم الاجتماعي

وحسب النائب في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان الجزائري)، كمال بن خلوف، فإن المتورطين في ظاهرة انتحال الصفة يستغلون مجموعةً من العوامل، بينها الظلم الاجتماعي والمقصود به عدم توفر العدالة في توزيع الثروة من حيث تسييرها وإدارتها أو إيصالها إلى أهلها، مما يجعل البعض يغتني على حساب الآخرين فيفكرون في الربح السريع ويلجؤون إلى الاحتيال وهو توظيف قدرات ذاتية من خلال استغلال أوضاع معيّنة لتحقيق أغراضهم.

ومن بين العوامل الأخرى التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة في الجزائر، وبشكل مقلق في السنوات الأخيرة، يذكر كمال بن خلوف "عقبات الإدارة المحلية ومشكلة التعقيد الإداري في الجزائر، فالمواطن أصبح يدخل في رحلة بحث يومية عن المسؤول الذي يساعده على قضاء حاجته، ولهذا يستغل المحتالون الفرصة ويدّعون أنهم ضباط مخابرات أو يشتغلون في مناصب عليا".

ووفق تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر في 2021، تحتل الجزائر المرتبة 104 من أصل 180 دولةً في التصنيف الدولي لمؤشر مدركات الفساد، بينما كانت في المرتبة 104 في عام 2020، وفي المرتبة 106 في عام 2019، وفي المرتبة 105 في عام 2018.

القوة الوهمية

من جهتها، تستعرض الدكتورة في علم النفس العيادي آمال بن عبد الرحمن، الحالة النفسية لمنتحلي الصفة، وتقول لرصيف22، إن "النصابين يمتلكون خاصيةً نفسيةً تجعلهم يقومون بهذه السلوكيات لا شعورياً، وهي الخاصية السادية بحيث يتلذذون بتعذيب الآخرين ويشعرون بالمتعة عند أذيتهم سواء كان الأذى معنوياً أو مادياً".

وقد يكون هذا السلوك المضاد للمجتمع، حسب المتخصصة في علم النفس العيادي، "من أجل الانتقام أو التسلية، فهؤلاء المعتدون على الآخرين، والذين يقومون بانتحال شخصيات لتحقيق أغراضهم الخاصة، يتميزون بالذكاء، ومن الصعوبة إحباطهم أو تغيير سلوكهم بالعقاب، فنجدهم لا يحترمون عواطف الناس ولا آلامهم ومتبّلدي الشعور ومسطّحي الوجدان ولهم القدرة على تفريغ العدوانية والعنف من دون مراقبة من طرف الأنا الأعلى، ولا تحكّم من طرف الأنا".

وتواصل الدكتورة آمال حديثها قائلةً: "معظم منتحلي الصفة مجرمون ونزلاء سجون، يتعرضون للعقاب ولا يتعلمون من تجاربهم، لأن الفكر المعادي يسيطر على عقولهم ويحقق لهم نشوةً ومتعةً تجعلانهم يعيدون الكرّة بالرغم من تعرضهم للعقاب، فالحصول على هذه اللذة أقوى من العقاب المسلّط عليهم، نظراً إلى أنانيتهم المفرطة وطموحهم المحطم لكل القيم والتقاليد والعقبات والصداقات، للوصول إلى ما يريدون".

وترى الدكتورة في علم النفس العيادي، أن "منتحل الصفة ينطبق عليه الفكر السيكوباتي والعلامات الدالة على ذلك أسلوب الكذب السرقة وكثرة المشاجرة والاندفاعية والتهور والعدوان وغيرها من مظاهر السلوك السادي والقوة الوهمية التي تسيطر على الشخصية المحتالة السيكوباتية التي تدوس على كل شيء في سبيل تحقيق ما تريده، بما في ذلك القيام بالقتل، ولا تهمها مصائب الآخرين أبداً ما دامت بعيدةً عنها، ولها ذكاء خاص تتحايل به، وقد ينجح بعض هؤلاء في الوصول إلى بعض المناصب الكبيرة نظراً إلى انتهازيتهم، وذكائهم، ولا يعبأ بأي خلق ولا يتورع عن أي عمل يوصله إلى ما يريد".

ويعاقب القانون الجزائري على انتحال الصفة في مواد عدة من قانون العقوبات، وهي المواد 247 و248 و249، وتتمثل العقوبات المفروضة في السجن من سنة إلى خمس سنوات، وغرامات مالية تحدَّد حسب الجنحة المرتكبة، كما يعاقب القانون من ارتدى ملابس تخص وظيفةً معيّنةً أو رساماً يخص أفراد الشرطة أو الجيش بالسجن من 3 أشهر إلى سنة مع غرامة مالية أو بعقوبة واحدة في حال عدم وجود ظرف مشدد للجريمة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard