شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"بعيداً عن النيل"... هل يقدم الفن حلولاً لحروب المياه؟

"بعيداً عن النيل"... هل يقدم الفن حلولاً لحروب المياه؟

ثقافة نحن والتنوّع

السبت 26 نوفمبر 202204:44 م


في إطار فعاليات النسخة 44 من مهرجان القاهرة السينمائي، عُرض فيلم "بعيداً عن النيل far from the nile- " ضمن أفلام مسابقة "آفاق السينما العربية"، وفاز الفيلم بجائزة أفضل وثائقي طويل بين جوائز المسابقة.

يتتبّع الفيلم رحلة "مشروع النيل"، وهو مشروع فني موسيقي تكوّن منذ العام 2011، لأجل تضييق فراغ التواصل بين دول حوض النيل، وإيجاد المساحات الفنية والإنسانية المشتركة بين تلك الدول، في وقت لاحت بدايات الصراع الحالي على مياه النهر القديم بين دول الحوض، وبخاصة دولتي المصب (مصر والسودان)، وكبرى دول المنبع (إثيوبيا).

يقوم مشروع النيل على اختيار فنان واحد من كل دولة من دول الحوض الأحد عشر، يجتمع هؤلاء كلهم ويقومون بتقديم عدّة جولات طويلة المدى، بدأت أولاها في 2014 بعدة حفلات في دول أوروبية مختلفة، وبين نفس العام والعام 2016 ارتحل المشروع في بضع دول في أفريقيا.

خلال التحضير لجولة جديدة، حضر المخرج المصري شريف القطشة إحدى البروفات التحضيرية للفريق من خلال صديق مشترك، واندهش من حالة الاختلاف الخلّاق التي ينتجها الفريق، على شكل موسيقى قائمة على التواصل العابر للغات والأديان والمرجعيات الثقافية، لأجل "التحام" هذه التباينات بعضها مع بعض، وتكوين حالة مُجمّعة.

طلب شريف من الرئيس التنفيذي للمشروع أن يشاركهم في الجولة القادمة، التي من خلالها تكوّنت مادة الفيلم: مائة يوم من الترحال والبروفات والحفلات المُكثفة في الولايات المتحدة الأمريكية، مباشرة قبل أن يجتاح وباء كورونا العالم.

عندما بدأ مشروع النيل أثناء أحداث ثورة 25 يناير، كان الأمل في إدارة سلمية لصراعات المصير كحروب المياه، أملاً وارد التحقق فجاء "مشروع النيل" تجسيداً لهذا الأمل

عين مُحبّة

خلال حواره عن الشرارة التي بدأت فكرة الفيلم، يبيِّن شريف القطشة أن محرّكه الأساسي في السفر مع مشروع النيل وتسجيل جولتهم في الولايات المتحدة، كان الإعجاب الخالص بالحالة التي يبدو عليها الفريق، لذلك خلقت كاميرا شريف موقفها مُبكراً من التصوير، وهو أن تتحرك بعين مُحبّة لهذه الفكرة ونشاط صانعيها، ثم تبدأ في تتبّع يتوزع بين بعض الشخصيات المنتقاة والعلاقات بينها وبين باقي فناني المشروع، وتقديم صورة أشمل تبيِّن للمتلقي كيف تسير الأمور خلف ستارة مسارح العرض.

في بداية عروض "مشروع النيل"، ثمّة صورة مُتكررة كل عدّة ثوانٍ: ثلاثة أشخاص من ثقافات وخلفيات دينية وثقافية متباينة، أحدهم من صعيد مصر، يُغنّي مادحاً النبيّ. تُكوِّن هذه الصورة الانطباع الأولي عن الفيلم، وهو العمل من خلال الاختلاف

في بداية عروض مشروع النيل، ثمّة صورة مُتكررة كل عدّة ثوانٍ، ثلاثة أشخاص من ثقافات وخلفيات دينية وثقافية متباينة، أحدهم من صعيد مصر، يُغنّي مادحاً النبيّ. تُكوِّن هذه الصورة الانطباع الأولي عن الفيلم، وهو العمل من خلال الاختلاف، كأداة خلّاقة لإنتاج حالة من القُبول الجماعي، التي تتجاوز الدلالات المعتادة للتواصل، وتعمل على مركزة الفن كأداة للقراءة التبادلية والحوار الذي يتطور بدوره إلى منتج مسموع له دلالاته الخاصة.

يقف الإعجاب المبدئي الذي تُصدّره الكاميرا وقوفاً عكسياً أمام تقنية مركزية للتصوير السينمائي، باعتبار أن التقاط المشهد كوحدة أولية لتكوين الفيلم، هو الخروج بحيّز الزمن عن الإطار الواقعي، انطلاقاً من رؤية سيرجي أيزنشتاين للتصوير السينمائي. حين يرفع المُخرج كاميراه ويلتقط لحظة زمنية، فإنه في هذه الحالة يُجمّدها، يستقطعها من حيّز التتابع مع الزمن، وتُصبح اللحظة مقبوضاً عليها خارج السياق.

بدت كاميرا شريف دؤوبة الحركة في تنقلها بين الشخصيات، توزع فاعليتها لإنتاج وترتيب زمن يقترب من الواقعية لكنه يتجاوز آنيتها، إذ لا يقدم لنا تعريفاً بحفلات مشروع النيل فقط؛ بل يعرض كذلك للاختلاف المتكرر بين مشاركي المشروع، كفنانين وشخصيات تُمثّل نماذج لثقافاتها المختلفة، لذلك حينما تُعرض أغنية خلال حفل في إحدى الولايات، فإن المشاهد ينظر إلى مختلف أعضاء المشروع، وهو واعٍ بدور كل شخصية، وكيف بدأت هذه الأغنية من الاختلاف، ومحاولة تقريب الفجوة الثقافية بين طرف وآخر، حتى انتهت إلى شكلها الحالي، قائمة على الاستقلال والتداخل، ودائماً على التدفق الجميل والحيوية.


على مستوى أكثر تفصيلاً، يتجاوز حكي الفيلم حيّز الاقتراب من أفراد الفريق داخل إطار المنتج الفنّي، ثمّة بعض الشخصيات نعود معها إلى مواطنها، سيدات جئن من دول في العمق الأفريقي، يطفحن بالفقر والقمع السياسي والتمييز النوعي، وآخرون جاءوا بعد رحلة في أحراش المدينة بحثاً عن الخامة المناسبة للآلة التي سيُسافر بها أحدهم ويتدرب ويلعب عليها أمام الجمهور.

يقع كل طرف في الفيلم أمام التواصل الإنساني مع المُشاهد أولاً، إذ يعملُ الفيلم على تقديم الفنانين بنفس الطرق التي تعرف بها بعضهم على بعض، بدءاً من محاولة خلق أرضية إنسانية مشتركة، مروراً بالتعامل مع الفن كأداة للعبور الثقافي والديني، حتى ننتهي باحتمالات مآلات هذه المحاولة، هل يمكننا أن نكون أكثر تشاركية وقبولاً بعضنا لبعض؟

يؤمن الفيلم، بإخلاص جميل، بضرورة الفن كأكثر من تسلية، من مرآة لدواخل الثقافة المحليّة، ويعمل على تمريره كبديل حواري أبدي، لا يمكنه فقط أن يخلق تشاركاً فعّالاً بل يمكنه خلق بدائل من المسارات اللانهائية، التي تجعلنا أكثر انفتاحاً على الثقافة الأخرى، وعلى التعرف عليها ومطالعتها، متجاوزين اللغة وبقية مفردات التواصل.


يتجلى التواصل الحميمي والقريب بين المشاهد وفناني المشروع، حينما يتتبّع مع الفيلم حالات الخِلاف بين الأفراد على أغنية ما، أو الامتناع عن التدرب على أغنية جديدة بسبب الإنهاك والتعب. خلال هذه المشاهد، هناك حالة من التورّط مع أزمة المشروع، كأنها ليست مشكلتهم هم فقط، بل المُشاهد جزء منها. ثمّة حالة من الانتظار، والتمنّي، بالقدرة على تجاوز هذه الأزمة، لذلك حينما تستطيع فنانة من الفريق أن تجد حلاً مع زملائها لأداء أغنيتها بأسلوب أكثر فاعلية وتواصل، يتسرب الحماس الحاضر في المشاهد الطويلة للأغنية إلى المشاهدين. ظهرت هذه الحالة بوضوح على الجمهور في السينما، إذ تجاوز حدود المُشاهد، وأصبح جزءاً من الجمهور المستمتع الذي تعرضه الكاميرا، لأنّ هناك حالة وعي سابق بتكوينات هذه الحالة، ومدى التشابك والاختلاف في الأفكار والرؤى، تم تضفيره معاً لأجل خلق حالة توافق متكامل.

لأنفسهم وبأنفسهم

يشير كتاب British culture studies إلى أحد تعريفات التراث الشعبي، باعتباره "موقعاً لمعاينة الحياة اليومية، وكذلك العلاقة مع السلطة التي تحدد بنية شكل الحياة اليومية في المجتمع". يحيلنا التعريف المذكور الي التأمل في تلاحم الوان مختلفة من التراث الشعبي لكل ثقافة ودولة، وتضمينها في منتج واحد في مشروع النيل. تبدو حالة "المعاينة اليومية" هنا أكبر من انحصارها داخل القدرة على التوفيق لإنتاج تراث مشترك، بل هناك حالة مسبقة معنيّة بخلق معاينة مشتركة للأشخاص أنفسهم، باعتبارها نماذج لثقافات، ومدى قدرتها على توثيق وإحالة معاينة يومية للحياة الناتجة من ثقافات مختلفة في إطار جماعي.

من ناحية أخرى، فإن الانتاج الفني الظاهر في الفيلم، تقف المؤسسة فيه داخل حيّز التنظيم المبدئي، وما يتبقى من كل حيثيات الانتاج والتكوين هو ما ينتجه هؤلاء الأفراد لأنفسهم وبأنفسهم. لعل المرجعية الدينية للإنشاد الصوفي مثلاً، أو مدح النبي محمد، يعود الأصل فيهما إلى التحريم حينما تتعلّق الشراكة في الأداء مع شخص من دين آخر، وكذلك العكس بالنسبة لأشخاص آخرين.


داخل الفريق، تتلاشى الأكواد الكُبرى المسبقة، ويتبقى فقط سؤال إمكانية التشارك الإنساني، كل هؤلاء الأشخاص مجردون من التحاكمات التي لم يختَرها أي منهم، والشيء الوحيد الباقي، والمُختار عن وعي، هو الانفتاح على الآخر والانتاج المستقل، القائم على تفضيل الإنسان لذاته، ليس لشيء آخر.

في كتاب الكرنفال- في الثقافة الشعبية هناك تحديد لمفوم "الشعبي" داخل إطار الثقافة العامة. يقوم الشعبي على خلق وإعادة إحياء التراث الماضي بصورة معاصرة، معتمداً على التداول الشفاهي والانتاج الذاتي. يؤسس مشروع النيل في الفيلم لخطوات ذلك الانتاج المستقل بتدفق، إذ يتشارك الفنانون والعازفون أفكارهم في إطار فنيّ مجرد، لا يقوم على التفضيل، وتبدو الثقافات المختلفة مادة ثرية وخصبة لقراءة المُعاصر من خلال الماضي المُتباين، اعتماداً على الانتاج الذاتي لكل منهم بصورة مشتركة.

مقاوماً للاستهلاك، وباحثاً عن صوت يدعو إلى المشاركة داخل تركيبات واسعة من النزاع السياسي حول حصص مياة النيل وحول تسبيق المصلحة السياسية، يدعو فيلم بعيداً عن النيل إلى الاقتراب بعضنا من بعض، وذلك تحديداً ما تم عكسه داخل قاعة السينما أثناء عرض الفيلم، إذ شُغلت كل المقاعد بأشخاص من دول مختلفة. تشارك الجميع البهجة والحيوية مع الأغنيات، وأيضاً الأزمات الحاصلة بين الفنانين والعازفين، وحينما انتهى الفيلم، وفوجىء الجمهور بوجود مجموعة من صُنّاع وفناني المشروع داخل القاعة، تجمّع أكثر من مشاهد حولهم للتعبير عن حالة الفيلم الجميلة والحيوية.

 ربما كان أكثرهم تعبيراً عن انطباع المشاهد، مشاهدةسلّمت على أحد الفنّانين الذين شاركوا في المشروع وحضروا لدى عرض الفيلم، أخبرته بسعادتها عن هذه الحالة، وأنها كانت "أكبر من مُجرّد مشاهدة... ربما عنصر مشارك في هذا المشروع".

لماذا يصعب تقبّل الآخر كما هو؟ شاركونا آلامكم (أو تجاربكم) إن كنتم قد تعرضتم لرفض ما، من أي نوع. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهةً. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard