شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
فلسطينيو الداخل في مواجهة الطوفان الديني القومي الإسرائيلي‎‎

فلسطينيو الداخل في مواجهة الطوفان الديني القومي الإسرائيلي‎‎

سياسة

السبت 26 نوفمبر 202201:02 م

المتابع للشأن الداخلي الإسرائيلي، بات يتلمّس بوضوح الإشارات التي تدل على أن ثمّة انحراف حاد داخل المجتمع الإسرائيلي صوب تبنيه أفكاراً يمينية ذات مدلولات ناتجة من الفكر الصهيوني المتطرف، القائم على إثارة النعرة القومية والعرق السامي، بما يشكل خطراً وجودياً على أي عرق أو قومية أخرى تجاورهم. أفكار هدامة لا تبني سلماً ولا تعطي حقوقاً، وتعتبر نفسها منزهة عن أي خطيئة، ولعلّ قراءة بسيطة في الاستطلاع الذي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، يظهر بوضوح وفق النتائج المستخلصة، أن غالبية العينات التي تم تحديد مواقفها تجاه الشعب الفلسطيني تبدو صادمة لدولة تتغنى بالسلام والديمقراطية، إذ أعلنت النتائج أن 53% من الإسرائيليين يرفضون تماماً أي انسحاب من الضفة الغربية، كما أن هناك 95% يؤيدون الاحتفاظ بالتجمعات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية ، في حين 69% لا يرون أن هناك إمكانية للوصول لتسوية سياسية.

أضف إلى ذلك 69% يرون بوجوب شن حملة عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة. هذا من جانب، بالإضافة إلى 73% من اليهود داخل إسرائيل يؤيدون حرمان العرب الفلسطينيين من حقوقهم السياسية، ومنها من المشاركة في الانتخابات التشريعية والمحلية، وأكثر من 40% يؤيدون طردهم من البلاد.

الانجراف نحو اليمين

لربما كانت التعددية السياسية واردة في معظم دول العالم وتدل على المساحات الديمقراطية فيها، إلا أنها في نطاق الساحة الفكرية الإسرائيلية تخالف ذلك كله، فهي لا ترى إلا صورة نفسها، وتكره الآخرين وتتعامل بفوقيّة مع من هو غير يهودي، ولو تابعنا الحركة السياسية في إسرائيل، ستكتشف أن هناك الكثير من الأحزاب اليمينية، تلتقي جميعها تحت سقف مطلبي واحد، يرفض المعايشة مع الآخر، ويدعو لـ"تنقية" الداخل الإسرائيلي من أي عرق آخر، وفق رؤية توراتية مصطنعة، فكل المسميات لليمين ما بين متطرف ووسطي هو خلاف بين أشخاص وليس بين أفكار. وثمة محاولة لفهم أعمق لهذا الموضوع للوقوف على إحداثيات واضحة لهذه المؤسسة، وكيف تتحرك سياساتها المؤثرة وما ينتج عنه من تركيبات سياسية داخل الحكومة.

يقول سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمّع، وعضو الكنيست السابق لرصيف22: "إذا أردنا أن نعرف اليمين في الحالة الإسرائيلية، فهو حالة استثنائية مختلفة عن غيرها في باقي الدول، الأكثر يمينية في المجتمع الإسرائيلي هو الأكثر عداءً لكل ما هو عربي وفلسطيني، النقاش بين اليمين واليمين بمختلف أقطابه في دولة إسرائيل لا يتعلق بالسياسات الاقتصادية ولا إدارة الشأن الثقافي أو التربية والتعليم أو قضايا البيئة، وإنما يدور حول من هو الأكثر كراهية والأكثر عداءً، وفي حال فهم هذه الحقيقة، يمكن فهم المجتمع السياسي في إسرائيل بشكل أفضل".

النقاش بين اليمين واليمين بمختلف أقطابه في دولة إسرائيل لا يتعلق بالسياسات الاقتصادية ولا إدارة الشأن الثقافي أو التربية والتعليم أو قضايا البيئة، وإنما يدور حول من هو الأكثر كراهية والأكثر عداءً

ويضيف:"هناك أسباب كثيرة لهذا التدهور، لكن السبب الأساسي كان جريمة اليسار الصهيوني مع بداية الانتفاضة الثانية، بعد فشل عملية كامب ديفيد الثانية، حينما رجع إيهود باراك قائد معسكر اليسار الصهيوني، وحرض ضد القيادة الفلسطينية وقال إنّه لا يوجد شريك فلسطيني لعملية السلام، وبهذا قضى على حل الدولتين، وبهذا أيضاً، دعم ادعاءات اليمين الصهيوني المتطرف بأنه لا يمكن الوصول إلى حل أو تسوية تاريخية مع الفلسطينيين، والذنب في ذلك يقع على الشعب الفلسطيني وعلى قيادته، وهذا، وضع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الخطاب السياسي في إسرائيل على هامش الهامش، وهنا بدأت مرحلة التدهور نحو اليمين الفاشي، وقد أشار إليها قبل ما يقارب 15 عاماً أحد أهم الباحثين في الفاشية بدولة إسرائيل من الجامعة العبرية البروفيسور زئيف شتيرن هارت، الذي حلل ما يجري حول شخص بنيامين نتنياهو، الذي تحول إلى "دوتشي" في المجتمع الإسرائيلي، وهناك تأليه لشخصية هذا القائد وقدراته، ولا يوجد أي برنامج أخر مطروح غير الذي يطرحه بنيامين نتنياهو".

الفلسطينيون في عين الأحزاب الإسرائيلية

قد يسود الاعتقاد لدى البعض من خلال قراءة سطحية، أن وجود تعددية حزبية تتنافس على مقاعد الكنيست، هي إشارة واضحة لشعب متحضر يميل للتعايش السلمي وديمقراطيته تدرس كما يحلو للبعض وصفها أحياناً، إلا أن الحقيقة تكذب ذلك، وليس هناك من دليل أكبر من اغتيال رابين، حين فكر بتقاسم الأرض وفق رؤية سياسية، للوقوف عند هذه الازمة الحقيقية وفهم العمق الذي أوجد تلك الحالة، وماذا تعني الفوارق في البرامج الحزبية تجاه القضية الفلسطينية ومصير شعبها، وصولاً الى حق الأقلية العربية الفلسطينية داخل المجتمع الإسرائيلي. يقول إمطانس شحادة، دكتور العلوم السياسية وعضو الكنيست السابق، لرصيف22: "لا يوجد فوارق جدية بتعامل الأحزاب الإسرائيلية نحو المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل أو نحو القضية الفلسطينية، لا يوجد تباعد جدي بين الأحزاب من خلال النظر للبرامج السياسية لدى كل الأحزاب الإسرائيلية بالمجمل، ما عدا ميرتس بالهامش، جميعها تتفق على عدم إقامة دولة فلسطينية، وأن القدس عاصمة لإسرائيل، وعدم أحقية حق العودة للفلسطينيين ووجوب الإبقاء على المستوطنات، وأيضاً بالنسبة لقانون القومية، لا يوجد هناك خلافات إلا ببعض التفاصيل بالنسبة لأحزاب ليست يمينية، مثل بعض الأحزاب التي تطالب بتعديلات بسيطة فيما يخص فقرة الديموقراطية بالأساس، لكنهم لا يرفضون الفكرة والمبدأ".

هناك أسباب كثيرة لهذا التدهور، لكن السبب الأساسي كان جريمة اليسار الصهيوني مع بداية الانتفاضة الثانية، بعد فشل عملية كامب ديفيد الثانية، حينما رجع إيهود باراك قائد معسكر اليسار الصهيوني، وحرض ضد القيادة الفلسطينية وقال إنّه لا يوجد شريك فلسطيني لعملية السلام، وبهذا قضى على حل الدولتين

وفي حول نظرة الأحزاب الإسرائيلية وبرامجها، أكد أبو شحادة:ر"لا أعتقد أن ثمّة اختلافاً جدياً بين برامج سياسية مختلفة فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني بشكل عام، لا الأقلية الفلسطينية في الداخل ولا الشعب الفلسطيني بشكل عام، وحتى لا نخلق وهماً لدى الناس، فمن المهم أن يدرك القراء أن ثمّة إجماعاً بين اليسار الصهيوني واليمين الصهيوني على أن الفلسطينيين في الداخل ليسوا فلسطينيين، لا يوجد اعتراف بنا أصلاً كأقلية قومية، هناك إجماع على محو الهوية الوطنية للأقلية الفلسطينية داخل دولة إسرائيل، وهذا لم يبدأ مع اليمين الصهيوني. الذي طور هذا هو اليسار الصهيوني من خلال تأسيس الدولة والنكبة والنكسة والاستيطان ومحو الهوية الوطنية الفلسطينية، وبالنتيجة، فإنّهم جميعاً لا يعترفون بنا كأقلية وطنية".

وأضاف:" لا يزال العمل مستمراً على محو الهوية والانتماء الفلسطيني، ولننظر على سبيل المثال، إلى التحريض الرهيب الذي شهدناه في أيّار/ مايو 2022 على طلاب الجامعات الفلسطينيين الذين أحيوا ذكرى النكبة في الجامعات الإسرائيلية، كان التحريض من عدد كبير من أعضاء الكنيست، ونوقش ذلك في لجنة التربية والتعليم، من خلال التحريض على الطلاب واستنكار رفعهم للعلم الفلسطيني، لأن هناك إجماع على محو هذه الهوية وهذا الإنتماء".

وتابع أبو شحادة " أما فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني بالشكل العام، فلا يوجد أصلاً نقاش بين الأحزاب الصهيونية على القضية الفلسطينية، لأن بنيامين نتنياهو استطاع أن يهمش هذه القضية تماماً، وأن يقوم بالعمل على الأرض وفرض سياسة الأمر الواقع، ولا يوجد حزب في دولة اسرائيل يتناقض مع هذه السياسة".

المستقبل

في ظل هذا الفهم لتوجهات المجتمع الإسرائيلي والأحزاب التي تمثله، وفي ضوء المعطيات التي تلوح بالتحول من اليمين المتطرف إلى اليمين الفاشي، يبقى التساؤل ما هو مستقبل الشعب الفلسطيني، سواء الأقلية داخل إسرائيل أو بالعموم؟

لا يوجد أصلاً نقاش بين الأحزاب الصهيونية على القضية الفلسطينية، لأن بنيامين نتنياهو استطاع أن يهمش هذه القضية تماماً، وأن يقوم بالعمل على الأرض وفرض سياسة الأمر الواقع، ولا يوجد حزب في دولة اسرائيل يتناقض مع هذه السياسة

يقول أحمد أبوزيد، الناشط السياسي الفلسطيني، لرصيف22: "هذه الصورة القاتمة تحت ظلال اليمين الفاشي الإسرائيلي، تقود بشكل جاد وحقيقي نحو نعش الآمال المتعلقة بعملية السلام، وأنه في ظل سيطرة بنيامين نتنياهو والحاضنة الشعبية التي تؤمّن له هذه السيطرة، فإننا أمام تحديات كبيرة تجاه مزيد من العزل والحصار المتوقع أن يفرض على قطاع غزة، ومزيد من التمزيق للضفة الغربية، ومزيد من التغول في حقوق المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل المحتل، وتغييب كامل لعملية التسوية التي كان الخطأ الاستراتيجي للقيادة الفلسطينية هي جعلها الخيار الأوحد لهم وأمامهم".

ما عن التأثير الفلسطيني على مجريات ما يحدث فقد قال سامي أبو شحادة لرصيف22: "التدهور نحو اليمين بدأ من قبل 20 عاماً، تأثير المجتمع الفلسطيني في الداخل على ذلك هو هامشي، الأمور الجدية التي تؤثر في ذلك هي عوامل أخرى من خارج المجتمع العربي الفلسطيني، منها أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وأن الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان لا يدفع أي ثمن، والتنسيق الإستراتيجي مع العالم العربي وإسرائيل وتحولها إلى صديق في العالم العربي على حساب الشعب العربي الفلسطيني، وصعود اليمين في أماكن كثيرة في العالم، أي أن تأثير الفلسطينيين في الداخل هو هامشي بين كل هذه العوامل".

وأضاف "لا شك بأن صعود قوة بن غفير في الفترة الأخيرة أثّر أيضاً على دخول حزب عربي إلى الائتلاف الحكومي الأخير، في الوقت الذي يوجد فيه إجماع داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل على أنه لا يمكن قبول عرب في الائتلاف بدون علاقة للموقف السياسي لهؤلاء العرب، لكونهم يعتبرون لاعباً "غير شرعي" في الأمور السياسية الهامة في المجتمع الاسرائيلي، ودخول حزب عربي أدى إلى نقاش كبير بين اليمين بأنواعه المختلفة، وتم تحريض الشارع الفاشي ضد هذا الأمر، ولذلك استطاع اليمين الفاشي أن يحصل على مقاعد أكثر مما كان عليه قبل الانتخابات الأخيرة".

وختم في إطار رؤيته للحل:"علينا كأبناء الشعب العربي الفلسطيني أن نقدم رؤية ديمقراطية مبنية على أسس حقوق الإنسان وعلى قيم العدالة والمساواة لجميع السكان الموجودين في فلسطين التاريخية، وعلينا أن نبني هذا المشروع بمشاركة كافة أبناء الشعب العربي الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وطرح مشروع وطني وديمقراطي كتسوية تاريخية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني. هذا المشروع سيشمل تفكيك البنى العنصرية التي أنشأها المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين، وعليه أيضاً أن يشمل تغيير دولة إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة ديمقراطية تتعامل على أسس العدالة والمساواة مع جميع السكان الموجودين في فلسطين التاريخية، وإعطاء حلّ عادل لكافة أبناء الشعب العربي الفلسطيني من اللاجئين في مخيمات اللجوء، مع الاحتفاظ بحقهم في العودة والتعويض" .

وبالاعتماد على نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، يمكننا القول إننا أمام طوفان يميني بشقيه الديني والقومي، يترتب عليه جملة من الإجراءات المتطرفة، ربما يكون أهمها المسعى الأكثر أولوية بالنسبة لهم، وهو تعزيز قيم اليهودية والصهيونية في الدولة، على حساب الأقليات والمواطنين الأصليين، وهذا ما سيكون بغطاء شعبي كامل، انطلاقاً من فهم أن الجمهور القومي اليهودي في إسرائيل هو من حدد شكل المشهد الحالي.

Website by WhiteBeard