حياة كاملة أمام الصرّاف... "إجا عيسى، عيسى بيقبّض سوريا كلها بخمس دقايق"

الخميس 24 نوفمبر 202202:56 م

غداً، أو بعد غد، حين تندثر ملامح ما يعيب أن نسمّيه اليوم "حضارةً سوريةً"، وحين يعثر سكان هذه البقعة من الجغرافيا في المستقبل، ببهجة، على هيكل معدني لصراف آلي سينفضون عنه الأتربة بعناية ويصرخون: "أوه، لقد كانت سوريا بلداً متحضراً حقاً"، وسيرتجف ما تبقّى من رفاتي قائلاً: "لااا".

في كل بقاع العالم، يبعث يوم استلام الراتب الشهري على التفاؤل، فهو حصاد ثلاثين يوماً من التعب، إلا في هذه البقعة الملعونة. وكأن ذلّ الرواتب الممسوخة التي يحصل عليها كل موظّف في نهاية كل شهر، والتي تكفيه قوت أسبوع واحد في أحسن الأحوال، لا يكفي.

حتى لحظة كتابة هذه المادة، فإن راتب أي موظف عادي على رأس عمله لا يتجاوز المئتي ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 45 دولاراً أمريكياً إذا ما افترضنا مجازاً أن سعر الدولار الواحد هو خمسة آلاف ليرة سورية فقط، وأن قلةً قليلةً هم مَن يتقاضون مبالغ أكبر.

وكأن ذل الراتب الهزيل لا يكفي ليضاف إليه ذل استلامه، فمقتضيات التطوير والتحديث أملت علينا توزيع "صرافات آلية"، تقول الإحصائيات إن عددها 700 صراف موزعة في أرجاء سوريا، يعمل منها بحسب الإحصائيات عينها 270 صرافاً فقط، أي ثلث العدد الموجود.

في المدينة التي أعمل فيها، صافيتا في محافظة طرطوس، يوجد أربع "صرافات آلية"، غالباً ما تكون ثلاثة منها معطّلةً، أما الرابع فهو يعمل وفق مزاج لا يمكن توقعه.

"نزل الراتب"

أن يقال لموظف "نزل الراتب على الصرّاف"، فهذا يعني أن موجةً من الضيق والهمّ ستعتمل في صدره، فما كاد المسكين يفرح بخلاصه من المحاسب الذي كان يقضم من راتبه "الفكّة"، حتى جاءه الصرّاف الآلي بمزاجيته، يطلب الموظف من مديره إذناً كي يذهب لاستحصال راتبه، ليعطيه الآخر إجازة يوم كامل كما حدث مع إياد (36 عاماً)، الموظف في شركة الكهرباء، حين قال له مديره: "ابن المحظوظة فقط من يقبض راتبه دون انتظار".

مقابل كل رجلين يستخدمان الصراف يحين دور امرأة واحدة، وفي المرات التي يساوي فيها رتل النساء نظيره الخاص بالرجال، أو يتفوق عليه، تجتمع القوة النسائية لتقول: "واحد بوحدة

تمتد طوابير الموظفين أمام "الصرافات الآلية"، فتجعل من عملية الانتظار لساعات طويلة حتميةً وأكيدةً، وتنقسم إلى رتل للرجال وآخر للنساء تسري عليه أعراف تثير حفيظة النسويات، فمقابل كل رجلين يستخدمان الصراف يحين دور امرأة واحدة، وفي المرات التي يساوي فيها رتل النساء نظيره الخاص بالرجال، أو يتفوق عليه، تجتمع القوة النسائية لتقول: "واحد بوحدة".

تقول خلود ع (55 عاماً)، وهي غير موظفة، لكنها تحصل على إعانة شهرية لأنها والدة "شهيد": "كل مرة الرجال بياخدوا دورنا، بيمرق خمس رجال ليمَرقوا مرا وحدة، مع إنو طول عمرنا كل زلمتين بتقبض وراهم مرا".

سقف القبض والتوقعات

تمنح الصرافات الآلية سقفاً لكل دفعة نقدية يتم سحبها وتعادل ثمانية وسبعين ألفاً، وهذا يعني أن الموظف يحتاج إلى أن يسحب راتبه على دفعتين على الأقل، مما يجعل وقت تنفيذ الخدمة مضاعفاً، عدا عن الموظفين الذين يحملون بطاقات أخرى تعود لذويهم أو زملائهم، فهنا تضاف إلى مرارة الانتظار حفنة من تذمّر أصحاب الصبر القليل في الطابور والتي يقابلها حنق المستخدم الحالي وهو المهندس سلمان (46 عاماً)، من مؤسسة الري: "مرتي وأختي وصهري موظفين، بتجي العيلة كلها توقف عالصرّاف؟".

تصيح المعلمة رنيم (30 عاماً)، والتي تحاول اقتحام الدور في الساعة التاسعة صباحاً لتقبض راتب والدتها المتقاعدة (فالمعلمون وبعض الجهات الأخرى لا يزالون يقبضون رواتبهم من المحاسب): "خلوني أقبض أنا موظفة وتأخرت على دوامي"، فيجيبها عيسى (26 عاماً)، العامل في شركة الاتصالات والقادم من قرية بعيدة ليقف منتظراً دوره منذ السابعة صباحاً بصوت عالٍ: "بصراحة نحنا البقية كلنا رجال أعمال"، فيضحك كل من في الطابورَين، ويكمل: "نحنا من ساعتين هون يا آنسة طلع الصرّاف ما بيشغلوه للتمانة، ولما اشتغل طلع ما فيه مصاري ونطرنا يجوا يعبّوه".

في آخر مرّة انتظرت فيها، عرفت أن ابن صفاء الموظّفة في شركة الكهرباء، يلوّن كل شيء باللون الأخضر، واستقبلت سامية تهنئة النساء على نجاح تجربتها في نزع الحفاض عن ابنها

فإذا ما تقبّلنا أزمة الطاقة في البلاد وآمنّا بأن الطوابير جزء من أقدارنا كسوريين، كانت من أضعف الإيمان على المعنيين تلبية متطلبات هذا الانتظار، فالصرافات الآلية وما يحيط بها مكشوف تماماً، فإذا ما كانت وجوه "الكفّار" تُعرف من اسودادها، فإن مستخدمي الصراف الآلي يُعرفون من سواد رقابهم التي تحترق بفعل الشمس في الصيف، وهذا ما لفتت رقبة صديقتي نظري إليه، حين انتظرنا معاً دورنا في تحصيل راتب شهر آب/ أغسطس الماضي، والذي لفتت رقبتي إليه حتماً السيدة التي تقف خلفي. أما في الشتاء، فيتحول رتل الرؤوس إلى رتل مظلات تتصاعد منه الخلافات والشتائم.

أمام الصرّاف

ألِف الناس هنا الطوابير وتأقلموا عليها، وبالرغم من أنك لا تزال ترى من يقطّب حاجبيه ويشتم البلاد، إلا أنك ترى حميميةً غريبةً، فالناس المصطفّون لساعات أمام ماكينة لا تعمل، أو تنتظر من يمدها بالطاقة أو يملؤها بالنقود، يتجاذبون أطراف الحديث كأنهم جيران يقطنون الدرك الأسفل من الجحيم: حكايات عن الغلاء والدَّين والأقساط، وتنافسات على أبعد قاطن عن مكان الصرّاف، وتأفف من رداءة التعليم، وعجز عن مساعدة الأبناء في تأمين تكاليف الزواج.

في آخر مرّة انتظرت فيها، عرفت أن ابن صفاء الموظّفة في شركة الكهرباء، يلوّن كل شيء باللون الأخضر، وأن محل الملابس المقابل للكنسية يُجري تنزيلات على ملابس المدرسة ويقبل التقسيط للموظفين، واستقبلت سامية تهنئة النساء على نجاح تجربتها في نزع الحفاض عن ابنها.

عيسى الذي تؤمن السيدة التي تقف خلفي به أعمق الإيمان، فتقول وفي صوتها زفرات الراحة: "إجا عيسى، عيسى بيقبّض سوريا كلها بخمس دقايق"

وفي المقلب الآخر، كان العم أبو إسكندر يحكي للرجال عن موسم الزيتون الذي يسقيه بسبب تأخر المطر، ويحوقل في سره درءاً لحسدهم كونه يملك بئراً ارتوازيةً. وحين يقبض واحد راتبه يستودع البقية؛ حفظ الله، وكأن موعد طيارته قد حان، وإذا ما التقى بشخص من الحاضرين في طابور الشهر التالي، فإنه يسلّم عليه بحرارة كأنما قضيا معاً محكوميةً طويلةً في السجن.

وحتى اليوم، لا يخلو الأمر من وجود مسنّين لا يجيدون استخدام هذه الماكينة العجيبة، وآخرين ينسون نظاراتهم في المنزل، ينتظرون مستبشرين "بأولاد الحلال"، فيدفعون لهم مقابل استخراج رواتبهم الكثير من الشكر والدعوات والأمنيات. يقول العم رفعت (65 عاماً): "ما بعرف فقّس عليه، (أي لا أعرف استخدام أزراره)، بس عمري ما جيت بلا ما لاقي ابن حلال يسحب لي الراتب".

لا يشبه الفرج الذي ننتظره أي فرج على وجه الأرض. إن فَرَجنا على هيئة "عيسى"، ولا أعني النبي هنا قط، بل الموظف المسؤول عن تغذية الصرافات الآلية والذي عادةً ما يتولّى مهمة استخراج الرواتب لأنه سريع في العمل على الأزرار، عيسى الذي تؤمن السيدة التي تقف خلفي به أعمق الإيمان، فتقول وفي صوتها زفرات الراحة: "إجا عيسى، عيسى بيقبّض سوريا كلها بخمس دقايق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard