جناب اللواء وأرخص دكتوراه في العالم (2 من 2)

الخميس 24 نوفمبر 202212:29 م

غضبت من نفسي لأنني اكتفيت بالخروج من المكتب مكتفياً بضحكة هازئة، من دون أن أُسمع شريك الدكتور "كلمتين بايخين" في جنابه وجناب أستاذي الذي وافق على أن أوضع في موقف حقير كهذا، أو لعلي غضبت أكثر من نفسي الأمّارة بالـ"سوّ"، لأنها لم تختشِ على دمها، وسارعت إلى تذكيري بوضعي المادي "المهبّب" الذي يمكن أن يغيره عرض كهذا يحلم به أي شاب في سنّي، وكان يمكن ألا "أحبِّكها" يعني، وأعدّ رسالة الدكتوراه تلك خمسين تحقيقاً صحافياً مثل بعض التحقيقات التي أنجزها وأبيعها لمكاتب صحافية لن تضع اسمي عليها، مع فارق مهم هو أنني لن أحصل على الفتات هذه المرة، بل على خميرة حلوة ستساعدني على التفرغ لمشاريعي الأدبية التي أحلم بها وأعلم أن السعي وراء لقمة العيش ودفع الإيجار لن يخلّي بيني وبينها لسنين.

غضبت من نفسي لأنني اكتفيت بالخروج من المكتب مكتفياً بضحكة هازئة، من دون أن أُسمع شريك الدكتور "كلمتين بايخين" في جنابه وجناب أستاذي الذي وافق على أن أوضع في موقف حقير كهذا.

كنت محتاجاً إلى إسكات وسواس نفسي الخنّاس الذي لم يكتفِ بفكرته العامة القوية، بل أخذ يفصفصها إلى أرقام وأشكال توضيحية، جامعاً بين أدوار المغوي والسمسار ومدير الأعمال، ولم يكن هناك لمساعدتي على إخراسه أفضل من أصدقاء "جدعان" دعوتهم إلى المقهى، ليشاركوني الاشمئزاز مما حدث، ولعن "سنسفيل" الزمان الرديء الذي خرّب الذمم ورخّص المعاني. ومع أنني كنت الوحيد الذي تلقى عرضاً رسمياً لبيع مبادئه، إلا أننا تشاركنا الفخر بنفوسنا الأبية التي ترفض البيع وتأبى الدنيّة، ولم أكن أعلم أن أحد الشاخرين والمتفاخرين في تلك الجلسة سيحدثني بعد أسابيع عن عرض كذلك الذي لعنّا عرضه وعارضه حتى قلنا "بَسْ".

لم ينسَ صديقي وقائع سهرتنا "الصبّاحي"، ولذلك صاغ عرضه في قالب درامي افتتحه بنزر يسير من ذم الزمان وقدر أكبر من لعن تصاريفه التي تكسر إرادة الناس وتجبرهم على الانحناء لعواصف الدهر والتعايش مع "بعابيص" الزمان، ثم دخل في الموضوع حاكياً عن اللواء ذي "الشنّة والرنّة" الذي يعمل تحت إمرته في صحيفة "القوات المسلحة" التي يشارك صديقي في تصميمها وإخراجها الفني، وكيف جاء جنابه إليه متجهماً، وطلب منه أن يوصله في سرّية تامة بباحث إعلام ألمعي وابن حلال ليساعده في إنجاز رسالة الدكتوراه التي تقدّم لنيلها من كلّيتنا الموقرة، والتي تمنعه مشاغله العسكرية من إنجازها في سرعة أصبح يحتاجها لتحسين موقفه وسط قادته ومنافسيه وحاسديه.

حين استبق صديقي كل ما يمكن أن أقوله له من لوم و"تأتيت وتقطيم"، وقاله بنفسه عن نفسه، ظننته راغباً في الفضفضة ليس إلا، وأخذت أواسيه وألتمس له العذر لأنه بحكم طبائع الحياة العسكرية، لن يستطيع أن يقول للجنرال بعضاً مما قلناه لبعضنا في ليلتنا تلك، وحين طمأنه كلامي المتعاطف، ربت على كتفي بود، وطلب مني أن أشكر الله لأنني لم أدخل الجيش وأوضع في اختبار كهذا لم يكن ممكناً أن أقابله بما هو أقل من التمام يا أفندم، ثم باغتني وطلب مني أن أساعده في إقناع الباحث الذي وقع عليه اختياره لإنجاز المهمة "القومية" التي ستكون سبباً في لطع "الدال والنقطة" قبل اسم سيادة اللواء في أسرع وقت ممكن.

مع أنني كنت الوحيد الذي تلقى عرضاً رسمياً لبيع مبادئه، إلا أننا تشاركنا الفخر بنفوسنا الأبية التي ترفض البيع وتأبى الدنيّة، ولم أكن أعلم أن أحد الشاخرين والمتفاخرين في تلك الجلسة سيحدثني بعد أسابيع عن عرض كذلك الذي لعنّا عرضه وعارضه حتى قلنا "بَسْ"

كان يتحدث بالتحديد عن صديقي الأريب الذي لم يستهوِه تحقيق المخطوطات، والذي كان يقضي وقتها أتعس أيام حياته في مركز التدريب في كسفريت، حيث أوقعه حظه "الدكر" في قائد شرّاني مكتظ بالعقد والكلاكيع، لم تعجبه شمخة صديقنا التي ظهرت على وجهه ذات مرة، فقرر أن يتسلى بكسره و"العكننة" عليه بأشكال متعددة كان ألعنها رفض طلباته بمغادرة مركز التدريب لزيارة أمه مريضة الكبد التي تم إسعافها إلى المستشفى، وهو ما كان سيتغير على الفور لو قبل صديقنا بالمهمة الموكلة إليه، والتي رجاني أن أقوم بإيصالها إليه في أقرب زيارة، لكيلا يرتبط رفضه المحتمل لها بشكل شبه رسمي بسيادة اللواء أو أحد من طرفه، وبالطبع لم يأخذ العرض غلوة في تفكير صديقنا الذي "فرّج علينا الناس" يومها، حين انفجر في بكاء حاد لأنه سيرى أمه قريباً ويرتاح من رزالة قائده اللعين.

بالفعل، قضى صديقي فترة التجنيد بين بيت أمه المريضة ومكتب سيادة اللواء الذي كان يطّلع على ما يكتبه له صديقي في رسالة الدكتوراه أولاً بأول، فيثني على براعته العلمية وسرعته في التشطيب بكفاءة فائقة نالت إعجاب أعضاء لجنة تحكيم الدكتوراه من الأساتذة الأجلاء الذين تناوبوا على الثناء على براعة اللواء الدكتور وألمعيته ونظرته العسكرية الثاقبة التي أثرت ميدان البحث العلمي، ومنحوه الدرجة العلمية الرفيعة في ليلة "مفترجة" شرّفها قادته وأسرته وأحبابه بحضورهم، ولم تخلُ صحيفة أو مجلة من أخبار تلك الأمسية العلمية المرموقة التي حاولت عابثاً إقناع صديقي بحضورها، ليرى ثمار تعبه في الدكتوراه التي نالها من دون ماجستير، ويفرح بتقريظ الأساتذة لمجهوده، لكنه كان أعقل من أن يستمع إلى وسواسي "الهجّاص".

ودارت الأيام، ومرت الأيام، وتضاعفت نجومية السيد اللواء الدكتور، وبعد أن تقلّب في عدد من المناصب الرفيعة، تم تعيينه في منصب محافظ. كان الكل يعلمون أنه خطوته التي تسبق توليه الوزارة، أما صديقي فقد ترك البحث العلمي والصحافة والإعلام والبلد بحالها، وسافر ليعمل في شركة دولية لكي يتمكن من الإنفاق على أسرته، ولم يرجع من ساعتها، وحين أوشكت أن أنسى قصته مع اللواء الدكتور، اتصل بي أحد أصدقائي الصعايدة، ورجاني أن ألتقي بشاعر وأديب سيأتيني من الصعيد الجوّاني بملفات تضم وثائق ومستندات تكشف فساد السيد الدكتور اللواء، متعشماً أن أنشر بعضها في العمود الذي كنت أكتبه كل يوم في صحيفة "الدستور"، وحين التقيت بالشاعر، أبدى تأثره لأنني تحمست للقائه ورؤية ما لديه من وثائق، لأنه كان يخشى أن أصدّه كما صدّه آخرون كان يتوسم فيهم الخير.

مرت الأيام، وتضاعفت نجومية السيد اللواء الدكتور، وبعد أن تقلّب في عدد من المناصب الرفيعة، تم تعيينه في منصب محافظ. كان الكل يعلمون أنه خطوته التي تسبق توليه الوزارة، أما صديقي فقد ترك البحث العلمي والصحافة والإعلام والبلد بحالها

هالني ما استمعت إليه من وقائع فساد، لم يكن ممكناً أن أنشر منها إلا المقترن منها بالوثائق والمستندات، ومع أنني نشرتها على هيئة رسالة من الشاعر والأديب وطلبت من اللواء الدكتور أن يرسل رده عليها لكي أقوم بنشره في العدد القادم، إلا أنه قرر التصعيد وقام بتقديم بلاغ عند النائب العام اتهمني فيه أنا والشاعر بسبّه وقذفه والإساءة إلى مكانته العسكرية والاجتماعية والعلمية، وهو اتهام تطلّب مني قدرةً هائلةً على جهاد النفس ومنعها من الشخر في حضرة وكيل النائب العام الذي كان من حسن حظي أن يكون من المعجبين بأفلامي، ولذلك عاملني برفق بالغ، ونصحني بأن أخلي مسؤوليتي عن القضية، وأقول إنني لست مسؤولاً عما ورد في رسالة الشاعر الصعيدي، وأنني أتحت له فرصة النشر التي أتيحها لكل من يقصدني من المواطنين، لكنني أكنّ خالص التقدير والاحترام لسيادة اللواء الدكتور، وأقدّر مكانته العسكرية والاجتماعية والعلمية.

لم يمر وقت طويل حتى اكتشفت أن اللواء الدكتور كان ينتظر أن ألتزم بنصيحة وكيل النيابة التي لم تكن وراءها رقة أو رفق بل اتفاق مسبق، ولم يكن يتوقع أن أعلن تضامني مع الشاعر الصعيدي، وأقول إنني أتحمل المسؤولية كاملةً عن كل ما نشرته، لأنني تحققت من وجود وثائق ومستندات تثبت صحته، وإلا لما كنت نشرته، وإنني كنت أتمنى أن يتعامل اللواء الدكتور بصورة تليق بكونه حاصلاً على الدكتوراه في الإعلام، ويقوم بالرد على تلك الاتهامات بشكل مفصل بدلاً من أن يستسهل اللجوء إلى النيابة، ولم يفهم وكيل النيابة سرّ حماستي للتصعيد، ورفضي الإسهام في تلبيس القضية للشاعر الذي قال اللواء الدكتور في بلاغه إنه ليس سوى موظف غير كفء يحقد عليه ويرغب في تشويه إنجازاته.

 قرر اللواء الدكتور التصعيد وقام بتقديم بلاغ عند النائب العام اتهمني فيه أنا والشاعر بسبّه وقذفه والإساءة إلى مكانته العسكرية والاجتماعية والعلمية، وهو اتهام تطلّب مني قدرةً هائلةً على جهاد النفس ومنعها من الشخر في حضرة وكيل النائب العام

بعد ساعات من خروجي من مكتب وكيل النيابة، اتصل بي صحافي كبير من أصدقاء اللواء الدكتور "الأنتيم"، حاملاً إليّ عتاب جنابه الذي يكن لي كل تقدير واحترام ويحب القراءة لي ومشاهدة أفلامي، ولم يكن يتوقع أن أتضامن مع حاقدين يرغبون في تشويهه، فقلت للصحافي الكبير إنني لم أفعل شيئاً أبعد من ممارسة عملي ككاتب، وإن ما نشرته عن جناب اللواء سبق أن نشرت مثله عن مسؤولين كان آخرهم رئيس مرفق مياه الشرب في القاهرة الكبرى، ولا أدري لماذا طقّ في دماغي أن أضيف قائلاً إنني لست شريكاً في مؤامرة كما يتصور جناب اللواء الذي يوجد بيني وبينه أصدقاء مشتركون أبرزهم فلان الفلاني الذي كان يعمل معه في صحيفة القوات المسلحة، وأنه يستطيع أن يسألهم عني، ولم أشأ ذكر اسم صديقي الذي قام بكتابة رسالة الدكتوراه، لأنني لم أكن متأكداً وقتها هل عاد إلى مصر أم لا يزال خارجها، ثم كررت عرضي بأن يرسل اللواء الدكتور رداً شافياً على ما نُشر في حقه، بدلاً من أن يلجأ إلى النيابة، وختمت حديثي بالإشارة إلى اتفاقي مع المحامي القدير عصام سلطان لكي يتولى مهمة الدفاع عني، وأنني ذاهب إليه الآن بما لدي من وثائق ومستندات تخص القضية.

"يومين والثالث"، اتصل بي الصحافي الكبير ليبلغني بأنه أقنع سيادة الدكتور اللواء بأن مقاضاة كاتب صحافي أمر لا يليق به، خاصةً أنه يستطيع أن يحصل على فرصته في الرد كاملةً، ولذلك قرر أن يسحب البلاغ الذي قدّمه في حقي، وسيتخذ الطريق الإداري للشكوى على الشاعر الذي اتهمه بالفساد، وسيرسل إليّ خطاباً يتضمن رداً على ما جاء في رسالة الشاعر، فأعلنت له عن استعدادي لنشره، وحين عرض عليّ أن يرتّب للقاء مع اللواء الدكتور للتعارف وتبادل وجهات النظر، شكرته على لطفه، وطلبت منه أن يخلّيها لظروفها التي كان يعلم مثلما أعلم أنها لن تأتي.

تركت صحيفة "الدستور" بعدها بفترة قصيرة، لكنني تابعت في الصحف تصريحات ناريةً أدلى بها اللواء الدكتور، هاجم فيها الحاقدين عليه والمشككين في نزاهته، وتوعدهم بالملاحقة القضائية، وانقطعت عني أخبار الشاعر الصعيدي الذي اتضح بعد قيام ثورة كانون الثاني/ يناير، صحة ما وجهه من اتهامات إلى اللواء الدكتور الذي نشرت الصحف والمجلات أخبار التحقيقات معه في أكثر من قضية فساد تورط فيها هو وابنه، ليتم حبسه على ذمة تلك القضايا ويحال إلى المحاكمة الجنائية، ويثبت أن ما قاله الشاعر الصعيدي لم يكن سوى غيض من فيض فساد عارم.

لم يكن غريباً بعد عودة البلاد إلى مجاريها، أن يخرج جناب اللواء الدكتور من قضايا الفساد التي تم "تضبيطها وتستيفها"، وأن يعود ليحتل شاشات التلفزيون بوصفه الخبير الإستراتيجي "اللوذعي" الذي يجمع بين الرؤية الأكاديمية والخبرة العسكرية

لم يكن غريباً بعد عودة البلاد إلى مجاريها، أن يخرج جناب اللواء الدكتور من قضايا الفساد التي تم "تضبيطها وتستيفها"، وأن يعود ليحتل شاشات التلفزيون بوصفه الخبير الإستراتيجي "اللوذعي" الذي يجمع بين الرؤية الأكاديمية والخبرة العسكرية، وهو ما أثار استغراب بعض المثقفين "الطيابة" المصدقين حتى الآن وهم الدولة الشامخة، والذين قرأت لبعضهم تساؤلات عن سر السكوت على ما يقوله اللواء الدكتور في برامج التلفزيون من "هبد" مثير للسخرية والشفقة، لكن استغرابهم زال وتحول إلى ذعر موجب للصمت، حين رأوا جناب اللواء يجلس في حضرة القائد المفدّى في أحد احتفالات نصر السادس من تشرين الأول/ أكتوبر، ليثني القائد المفدّى على اللواء الدكتور الذي كان قائده في بدايات خدمته العسكرية، وبالطبع لم يفوّت اللواء الدكتور الفرصة وحكى للحاضرين بصوت متهدج عن عبقرية القائد التي ظهرت فور تخرجه من الكلية الحربية، لكنها لم تظهر في ميادين القتال الذي انتهى زمانه، بل تجلت في مطبخ الوحدة العسكرية التي كان يخدم فيها، ولم يتمالك اللواء الدكتور نفسه وهو يحكي، وبكى من فرط مشاعره الجياشة نافياً عن نفسه النفاق، بينما حبس القائد المفدّى دموعه التي لا تنزل إلا في "الشديد القوي"، أما أنا فقد كان لا بد أن أشخر، لأنني لم أكن في مكتب وكيل نيابة هذه المرة، ولا أظنك تلومني.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard