جوائز "عربية" ترضية لليتامى... بمناسبة مهرجان القاهرة السينمائي

الخميس 24 نوفمبر 202212:48 م

لو أتيحت لي مشاهدة أي فيلم أسترالي، في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الرابع والأربعين (13ـ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2022)، لادّعيت الإحاطة بمختارات من أفضل الإنتاج السينمائي العالمي في القارات الست. بحذف يومي الافتتاح والختام، أُحصي 29 فيلماً طويلاً شاهدتها في ثمانية أيام. وجبة دسمة ومتنوعة، بدأتها بمشاهدة نسخة مرممة من فيلم "اللاهث"، باكورة أعمال جان لوك غودار عام 1960. وقبل فيلم الختام، شاهدت فيلم "الاختيار" ليوسف شاهين. نسخة مرممة تعيد الفيلم إلى نقاء نسخة عرضه الأول عام 1971. لم أنتبه إلى أن القاعة كاملة العدد إلا بعد مشهد النهاية، لانجذابي إلى الفيلم الذي أعرفه. شعور جديد أنساني عدد مرات مشاهدته.

أستبعد "اللاهث" و"الاختيار" من المنافسة. وأُبقي على ستة أفلام عربية شاهدتُها. نسبة تقلّ قليلاً عن ربع المشاهَـدات، والحصيلة الإجمالية للأفلام الستة مجتمعة تقل عن مستوى فيلم أجنبي كبير. هناك قضايا محلية جداً تلهم أثرياء الخيال الطليق بأعمال إنسانية: "آل فابلمان" لسبيلبرغ، ومن اليابان "الخطة 75" للمخرجة تشي هاياكاوا، و"شاطئ بعيد" للمخرج ماساكي كودو، ومن بلجيكا "الحب بحسب دالفا" للمخرجة إيمانويل نيكو، و"Close مُقرّب" للمخرج لوكا دون، ومن فرنسا "الابن" للمخرج زيلر، و"سانت أومير" للمخرجة أليس ديوب، ومن سلوفاكيا "ضحية" للمخرج ميشال بلانكو، ومن بولندا "EO إيو" للمخرج جيرزي سكوليموفسكي، ومن أيرلندا "The Banshees of Inisherin جنيات إنيشيرين" للمخرج مارتن ماكدوناه.

مقارنة ظالمة

مهرجاناتنا ذات الصفة الدولية كاشفة، تضع السينما العربية في مقارنة ظالمة. لا تصمد أفلامنا للتنافس. قبل سنوات جادلت مسؤولاً في مهرجان أبو ظبي السينمائي في جدوى تخصيص مسابقة للأفلام العربية. التخصيص حارة جانبية، هامش ضيق أسفل متن الكبار، ساحة أصغر من معايير الفيفا للملاعب، لكنها تلائم فاقدي اللياقة، محدودي الهمة والكفاءة، المتباهين بجوائز "عربية" نافسهم عليها زملاء دوري الدرجة الثانية. أحياناً يتنافس في "دوري المظاليم" ثلاثة أفلام أو أربعة، يخرج كل منها بجائزة. أما "دوري الأبطال" فمستوى آخر. وقد انتقلت عدوى التخصيص إلى مهرجانيْ القاهرة والجونة. مهرجاناتنا تثبت أننا خارج المنافسة، خارج التاريخ، خارج السينما، خارج العقلانية والحريات الشخصية والعامة.

المهرجانات السينمائية العربية تثبت أننا كدول عربية خارج المنافسة، خارج التاريخ، خارج السينما، خارج العقلانية والحريات الشخصية والعامة

صناعة الأفلام يلزمها، بالترتيب كما أتصور، الخيال والحرية والتمويل. يمكن تدبير التمويل من صناديق الدعم، ومن مؤسسات هنا وهناك، ومن تنازُل فريق العمل عن جانب من الأجور بإغراء الإسهام في أعمال نوعية. ويمكن تضليل الرقيب، والتحايل على غبائه بوسائل لا يبلغها وعيه المحدود، كما يفعل مخرجون إيرانيون يفضّلون الإتقان على البكاء، ويتعالون على إكراهات السلطة السياسية الدينية، وينافسون دولياً. لكن الخيال لا يأتي مصادفة أو احتيالاً. الروايات والأفلام، والإبداع الإنساني عموماً، أكبر وأبقى من أن يكون رسالة يغني عنها مقال أو بيان احتجاجي. من يتلقّـون الإبداع لا تشغلهم معاناة عالمنا العربي الموبوء بالاستبداد السياسي والديني والاجتماعي. يريدون فناً مرهوناً بجمالياته.

لا يمنع الأفلام، والإبداع الأدبي أيضاً، حمْل رسالة. لا عمل مجانياً على الإطلاق. الوسيلة أكثر أهمية من الرسالة، كيف يتم تناول الرسالة بعمق، من دون صراخ أو ثرثرة؟ ما أكثر التسطيح والصراخ والثرثرة في أفلام عربية ينتهي مفعولها، ثم يضنّ عليها المشاهدون بالحنين. ينطلق أحياناً صوت واعٍ وقوي، ويجد رواجاً فيبتذله آخرون، يلهثون بأصداء وراء الصوت.

عام 1975 أخرج علي بدرخان فيلم "الكرنك" عن رواية نجيب محفوظ. فيلم صادم، آنذاك، وصادق. أغضب الناصريين، وبصدقه يتحدى الزمن. وبعده توالت أفلام "الكرنكة"، إرضاءً لسلطة أنور السادات الراغب في الانتقام من كلّ ما يمثله جمال عبد الناصر. فهل اعتبر السينمائيون العرب بدرس "الكرنكة"؟

لا يتسع صدر قاعة مصرية لعرض فيلم "ريش"، وربما لم يحصل على تصريح بالعرض، على الرغم من جوائزه عام 2021 في مهرجانيْ كان والجونة

في المشهد العربي أستطيع إحصاء نسخ من "الكرنكة"؛ سلاسل من أفلام تنطلق من انتقاد آمن لشخصيات متوفاة، وأنظمة بائدة، وممارسات عنيفة تكاد تختفي: أفلام عراقية عن استبداد حزب البعث ودكتاتورية صدام حسين، أفلام جزائرية عن العشرية السوداء وضحايا الإرهاب باسم الدين، أفلام مغربية عن سنوات الرصاص وضحايا حكم الحسن الثاني، أفلام سورية محلية عن ضحايا التنظيمات الإرهابية، وأخرى يصنعها سوريون في المنافي عن الثورة المغدورة، أفلام مصرية عن ثورة 25 يناير 2011 لم يمهلها الوقت، إذ فاجأتها قوى مضادة للثورة بحفرة وانسدادات وتعميم الاكتئاب، ولا تسمح القبضة الحاكمة إلا بتمرير أعمال خالية الدسم، وأخرى توجيهية عنوانها مسلسل "الاختيار" العابر للمواسم.

السينما ليست مجرد حكايات

في بداية عملي الصحافي، عقب التخرج، دفعني الفضول إلى مقابلة اثنين من النجوم؛ الأول من أعمدة الدراما التلفزيونية. والثاني مسرحي شهير، يمثل ويخرج ثم أصابته حرفة التأليف. فاجأتني معرفتهما المحدودة بالسينما، أذكر فيلماً أو مخرجاً فيصمتان. كنا في عصر الفيديو، والجديد من الأفلام يتاح في مهرجان القاهرة السينمائي. قررت الاستغناء عن هذه المقابلات، لكي تظل الصورة الذهنية بلا خدوش. وفي عروض أفلام المهرجان لا ألمح معظم السينمائيين من كتاب السيناريو والمخرجين والممثلين. كان نور الشريف ومحمد خان الأكثر حرصاً. ذلك العزوف فسّر لي حالة التكرار والنمطية وضيق الآفاق والخيال الفقير. لو تمتعوا بحد أدنى من القلق لشاهدوا الأفلام، وأصابتهم الغيرة.

لا نعرف طائراً لا يطير. إرادة الطيران تُنبت الأجنحة. لا نجد شاعراً لا يقرأ الشعر، ولا روائياً زاهداً عن قراءة الروايات، وكذلك المسرحي. الدأب على متابعة ثمار المبدعين، في المجال نفسه على الأقل، أول دلائل التجويد، فضلاً عن تغذية المدارك بالثقافة العامة. هذا درس يعيه معظم السينمائيين الشبان، خصوصاً المخرجين والمؤلفين. جاءوا من دروب تعليمية مختلفة، ولديهم معرفة بتاريخ النوع، ووعي بأن السينما ليست مجرد حكايات، وثقة بالقدرة على صناعة أفلام تنافس في مهرجانات دولية. هم الصواب في التوقيت الخاطئ. يعملون في ظرف تتخلى فيه الدولة عن مسؤولياتها، في السينما وغيرها. ولمؤسسات التمويل الأجنبية شروط معلنة أو خفية. التحدي كبير.

أفلام الطموحين الشبان تجد طريقها إلى مهرجانات دولية تخلو من أقسام إقليمية لإرضاء مشاركين من دوري الدرجة الثانية. مجيدون لا يعوزهم الخيال، ويصطدمون بعقبات ما بعد الإنتاج. التحايل على غياب الحرية حتى إنجاز الفيلم لا يجدي مع محاولات عرضه. الحرمان يبلغ عقاب صناع الفيلم على حفاوة المهرجانات الدولية، ولا يطمحون إلى أكثر من العرض في مصر. لا يتسع صدر قاعة مصرية لعرض فيلم "ريش"، وربما لم يحصل على تصريح بالعرض، على الرغم من جوائزه عام 2021 في مهرجانيْ كان والجونة، وربما بسبب ذلك. وفي عام 2016 استبعد فيلم "آخر أيام المدينة" من مسابقة مهرجان القاهرة، وإلى الآن لا يسمحون بعرضه.

إعلان الحرب على الخيال يُبقي على أعمال يحلم أصحابها بإحدى جوائز يتامى قسم محلي، أو إقليمي. محاصصة لا تعترف بها سباقات المسافات الطويلة، تلك المسماة المسابقات الدولية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard