بانتظار الليل الذي يحوّلنا إلى فامبايرز

الأربعاء 23 نوفمبر 202201:02 م

أجسامنا مفصولة عن أحشائها ومتنكرة لها، ولا تكفّ عن طردها طوال النهار. أجسامنا تميّز بين أعضائها الخارجية الظاهرة وتلك الباطنية، فلا تتوانى عن قمع الأخيرة لتصمت، وتبقى مدفونةً تحت الجلد. وكأن الجسم لا يكتمل إلا حين تكون أحشاؤه صامتةً، فكلام الأحشاء نقصان. تخرس الأحشاء ليكتمل الغلاف. الكلام مرغوب فقط عن الأعضاء الظاهرة ومنها. أما كلام الأحشاء فيُفضَّل كتمانه. هُس ولا نفَس، ولا نقطة عرق، ولا قطرة دم، ولا شعرة نابتة!

ويبدو أننا، نحن أصحاب هذا الجسم بأعضائه الخارجية والباطنية، متحيزون لأعضائه الخارجية، ولكل ما يظهر في الصورة.

تظهر روائح تعرّقنا، فلا نكفّ عن الاعتذار عنها، ونغطّيها بروائح مصنعة.

ينبت الشعر، فلا نكفّ عن الاعتذار عنه، ونتوارى محرجين إلى حين إزالته، ونبحث باستمرار عن أساليب مبتكرة توقفه تماماً عن النمو

ينبت الشعر، فلا نكفّ عن الاعتذار عنه، ونتوارى محرجين إلى حين إزالته، ونبحث باستمرار عن أساليب مبتكرة توقفه تماماً عن النمو.

بعض أعضاء الأحشاء كلامها يكون دماً مصحوباً بألم، فنخفي أجسامنا في فترة الحيض ولا نكفّ عن الاعتذار عنها.

نبلع بطوننا ونعصرها بملابس خصورها ضيقة، لنخفي شهوتنا لتناول اللذائذ. ولأجل أن تبقى أعضاؤنا الخارجية نجمة الصورة، نأكل سلطة.

تظهر روائح تعرّقنا، فلا نكفّ عن الاعتذار عنها، ونغطّيها بروائح مصنعة.

عيوننا، لا نظراتنا. شفاهنا، لا ابتساماتنا. أيدينا، لا لمساتنا؛ هي الأعضاء الناطقة باسمنا في الضوء، وممثلتنا والمندوبة عنّا والتي تظهر في الصورة بالنيابة عن بقية الأعضاء. أما الأحشاء، فأعضاؤها محتقرة، ومخبّأة في العتمة، ولا نسمح لأي علامة من علامات وجودها أن تمد برأسها. فالأحشاء لا ترتقي إلى مستوى بقية الأعضاء إلا في العتمة وفي الغرف المغلقة وعندما تكون العيون مغمضةً. حينها، نسمح لأجسامنا بأن تُسمِع صراخ الأحشاء وتلبّي رغباتها في الظهور.

في العتمة ننبش في أحشائنا بحثاً عن كل ما تم كبته، ثم نطلقه. فالصوت المكتوم يُخرِج تأوهات وصراخاً، وكلاماً يقال عنه في الضوء إنه "بذيء".

واللسان يخرج أيضاً، ننبش لنخرجه من مغارة الفم ثم ينبش معنا بحثاً عن طعم سوائلنا الأصلية ولعابنا، وليتذوق ملح جلدنا.

نزيح في أثناء نبشنا الروائح المصنّعة التي وُضعت في الأصل لتقرّب البعيد وتوقعه في فخّ النبش ومتعته، ننبش مستعينين بأنوفنا لنصل إلى روائح الأحشاء، وإلى صاحب الرائحة، لنعرفه.

نبلع بطوننا ونعصرها بملابس خصورها ضيقة، لنخفي شهوتنا لتناول اللذائذ. ولأجل أن تبقى أعضاؤنا الخارجية نجمة الصورة، نأكل سلطة

في العتمة، نتعرف على مهارات جديدة لأيدينا، ونطلق اللمسات التي تخترق الجلد وصولاً إلى الشرايين والخلايا. اليد في العتمة لا تكتفي بلمس البظر، بل تصل إليه وتميزه حتى تصل به إلى الطيران.

نستعين بعيوننا لنطلق نظرات ونستقبل أخرى تعرّينا من دون أن نحاول ضم سيقاننا على بعضها أو تغطية أثدائنا بأيدينا. نظرات تعرف الدهشة، وتجد جديداً في كل ما ترى، فلا يتشابه جسمان، ولا متعتان. كل الأجسام أُولى، وكل المتع وكل الاكتشافات. نطلق نظرات تتفحص وتبحث وتحفظ وتخترق.

نكتشف في العتمة عضلات لم ندرك وجودها، ولم نتعلم استخدامها في الضوء. تلين أجسامنا بأمر من أحشائنا فتنصاع لها أعضاؤنا الخارجية، وتوصلنا إلى أماكن جديدة، وبعدها لن نتوانى عن العودة إليها مراراً.

في العتمة، نتعرف على مهارات جديدة لأيدينا، ونطلق اللمسات التي تخترق الجلد وصولاً إلى الشرايين والخلايا. اليد في العتمة لا تكتفي بلمس البظر، بل تصل إليه وتميزه حتى تصل به إلى الطيران

في الضوء، نبحث عن الجسم الصامت الذي يشبه بصمته كل الأجسام، الجسم الكامل الذي لا تشوبه أحشاؤه، والذي لا يبوح بأي من أسرارنا. أما في العتمة فنتحول، أو على الأقل، نسعى ونتمنى أن نتحول إلى فامبايرز، لنصل إلى الأحشاء ومتعها المكبوتة، فنمصّ سرّ جسم الآخر، ونمنحه أسرار أجسامنا بين أسنانه ونثمل ونتمنى ألا تشرق الشمس.

في العتمة، ننبش لنُوصل أجسامنا إلى كمالها، ونحررها من آلامها وانفصامها. فيكتمل الجسم بأحشائه، ولا ينقص. وأعضاء الأحشاء تصبح هي نجوم الصورة.

لو أن الليل لا ينتهي، فلا نرتوي ولا تزول روائحنا، ولا تُستبدل بروائح الصابون والعطور. لو أن أجسام من نرغب تصبح مخزنةً في أطراف أصابع أيادينا، لو أن العين عندما تنظر تحرق مكان نظرتها.

لو أن في لوحة تحكم الكاميرا أزرار control, alt, delete نكبسها معاً، ونعيد تحديد الإعدادات ونترك آثار أسناننا على الرقاب في الضوء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard