هكذا تدفع النساء الثمن الباهظ لسياسات التقشف الفاشلة

الثلاثاء 22 نوفمبر 202204:41 م

قالت منظمة أوكسفام إن النساء والفتيات يدفعن الفاتورة الأكبر لسياسات التقشف التي تعتمدها الكثير من دول العالم، بما في ذلك غالبية الدول العربية، محذرةً من أن "الحكومات في جميع أنحاء العالم تُعرّض النساء والفتيات لمستويات جديدة غير مسبوقة من الفقر والخطر والإرهاق والوفاة المبكرة نتيجة الجهود ‘المُضنية‘ شبه العالمية لاسترداد اقتصاداتها من الجائحة وضبط إيقاع التضخم".

بلغ الأمر أن اعتبرت المنظمة، وهي اتحاد دولي للمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر في العالم تأسس عام 1942، في تقرير صدر الثلاثاء 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أن تدابير التقشف التي تعتمدها الكثير من دول المنطقة "شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي".

"التقشف ليس حتمياً"

التقرير المعنون: "بطش التقشف… خيارات السياسات الاقتصادية السائدة هي شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي" كشف أن أربعاً من كل خمس حكومات حول العالم تعتمد تدابير التقشف التي تقلل الخدمات العامة ومنها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية بدلاً من الاعتماد على ضرائب الثروة وضرائب الأرباح الاستثنائية. 

"يجري معاملة النساء والفتيات كموارد قابلة للاستهلاك"... أوكسفام تقول إن الحكومات، بما في ذلك في المنطقة العربية، "تُعرّض النساء والفتيات لمستويات جديدة غير مسبوقة من الفقر والخطر والإرهاق والوفاة المبكرة" بسبب "سياسات التقشف"

كما وجد أن أكثر من نصف هذه الحكومات "تخذل مواطناتها من نساء وفتيات، بفشلها في توفير الخدمات العامّة والاجتماعية القائمة على النوع الاجتماعي أو توفيرها بشكل غير كافٍ نهائياً. ويجري معاملة النساء والفتيات كموارد قابلة للاستهلاك". وتتأثر النساء بخفض الخدمات والحماية الاجتماعية والهياكل الأساسية مرّتين، الأولى بشكل مباشر: من خلال ارتفاع الأسعار وفقدان الوظائف، والثانية بشكل غير مباشر: لأنهنّ يقمن بـ"امتصاص الصدمات" في المجتمع إذ يُتوقع منهن الصمود والاعتناء بالجميع عندما لا تقوم الدولة بدورها.

أعربت أوكسفام عن خشيتها من أنّ تُسهم سياسات التقشف في  انضمام المزيد من النساء والفتيات إلى 1.7 مليار امرأة يعشن تحت خطّ الفقر (أي أقل من 5.50 دولارات في اليوم)، علاوة على تحميل النساء المزيد من المسؤولية عن الرعاية غير مدفوعة الأجر، وحرمان المزيد منهن من الوصول إلى الماء النظيف والتعليم والرعاية الصحية وحتى الغذاء الميسور. علماً أن أكثر من 60% من الجياع في العالم من النساء.

خطر آخر لا يقل بشاعة وهو مواجهة النساء المزيد من العنف. خلال العام 2021، واجهت واحدة من كل عشر نساء وفتيات على الأقل عنفاً جنسياً وجسدياً من الشريك. في المقابل، أغلقت 85% من البلدان خدمات الطوارئ للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وأضاف التقرير: "يُتوقع أن يعيش أكثر من 85% من سكان العالم في ظل تدابير تقشفية في عام 2023… هذا الوضع الكارثي أصلاً سوف يتفاقم، لا سيّما مع كون أولويات الحكومات في أماكن أخرى: إذ يكفي 2% من إنفاق الحكومات العسكري لإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي بين الأشخاص في 132 بلداً".

وبحسب أمينة حرسي، رئيسة قسم العدالة بين الأنواع الاجتماعية وحقوق الأنواع الاجتماعية في "أوكسفام"، فإن "النساء يتحملن معظم العواقب الجسدية والعاطفية والنفسية لهذه التخفيضات في الخدمات العامة الحيوية لأنهن يعتمدن عليها أكثر من غيرهن"، مردفةً بأن "الطريق نحو التعافي من الجائحة يشق على حساب حياة النساء والفتيات وعملهن الشاقّ وأمنهن" وأن "التقشف هو شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي".

واستنكرت مسؤولة قسم العدالة أن "تدفع النساء الثمن الباهظ للاختيار الخاطئ بين تقديم الدولة للخدمات الاجتماعية والعامّة أو سداد الديون وجذب الاستثمار والنمو. ولا ينبغي أن يكون الأمر كذلك".

"تمزج سياسات التقشف بين النظام الأبوي والأيديولوجية النيوليبرالية لزيادة استغلال الأشخاص الأشدّ اضطهاداً. ليست مجرد سياسة نوع اجتماعي بل تطال جميع نواحي الحياة اليومية للنساء"

وأوضحت حرسي: "تمزج سياسات التقشف بين النظام الأبوي والأيديولوجية النيوليبرالية لزيادة استغلال الأشخاص الأشدّ اضطهادًا داخل المجتمع وتجاهل احتياجاتهم بصورة متعمّدة"، لافتةً إلى أنها "ليست مجرد سياسة نوع اجتماعي بل هي أيضاً عملية قائمة على النوع الاجتماعي في ‘الحياة اليومية‘ نظراً إلى الطريقة التي تطال بها جميع نواحي الحياة اليومية للنساء على وجه التحديد، في دخلهن، ومسؤولياتهن في الرعاية، وقدرتهن على الوصول إلى الخدمات الضرورية مثل الصحة والماء والنقل، وفي سلامتهن العامّة وتحرّرهن من العنف الجسدي في المنزل، وفي العمل، وفي الشارع".

شرق أوسط أكثر ظلماً لنسائه

بينما تغرق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عقد من تدابير التقشف الشاملة، ليس مثيراً للدهشة أن النساء والفتيات - وهن من أكثر الفئات ضعفاً وتهميشاً وتمييزاً - يواجهن المزيد من العنف الاقتصادي المستمر.

اللافت أن 11 من دول المنطقة تخطط لإجراءات تقشف إضافية لعام 2023، وهي الجزائر وجيبوتي ومصر والعراق والأردن وموريتانيا وتونس وعُمان والكويت والسعودية والإمارات. علماً أن الدول السبع الأولى لا توفر سوى الحد الأدنى من دعم الأمومة والطفولة.

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، خفّضت السلطة الفلسطينية رواتب النساء اللاتي يشكلن بين 57 و59% من العاملين في قطاعي الصحة العامة والتعليم على الترتيب، بسبب حجز إسرائيل للإقرارات الضريبية. في حين أثّر تجميد فاتورة أجور القطاع العام في مصر وفقدان الوظائف بشكل غير متناسب على فرص الكسب لدى النساء.

 بينما تغرق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عقد من تدابير التقشف الشاملة، ليس مثيراً للدهشة أن النساء والفتيات - وهن من أكثر الفئات ضعفاً وتهميشاً وتمييزاً - يواجهن المزيد من العنف الاقتصادي المستمر

هل من حلول؟

تبعاً لما تقدم، تحث أوكسفام الحكومات على "تبنّي خيارات السياسة الاقتصادية النسوية التي تستند بقوة إلى مبادئ العدالة في إعادة توزيع الثروات والسلطة، وتركز على الإنسان لمعالجة أوجه اللامساواة ودعم رفاهية الفئات المهمّشة من الأنواع الاجتماعية والأعراق والإثنيات في جميع البلدان"، وذلك وفق ما تقول دانا عبد، مستشارة المناصرة في "أوكسفام" لرصيف22.

كما تدعو المنظمة جميع الحكومات إلى "وقف تدابير التقشف تماماً، والبحث عن بدائل مثل الميزانية النسوية والضرائب التصاعدية، إذ تُستثمر الضرائب في الحماية الاجتماعية الشاملة والخدمات العامة، ووضع الاحتياجات المحدّدة للنساء والفتيات والأشخاص غير الثنائيين في قلب عملية رسم السياسات". 

وتضيف عبد: "اقترحنا تصحيح وضع الضرائب بالأخص على الثروات الطائلة التي يمكن أن تجمع 1.1 تريليون، ما يكفي لسد تكلفة التخفيضات السنوية التي تخطط لها الحكومات عام 2023".

ودعت المنظمة كذلك إلى "توفير العمل اللائق من خلال التنفيذ الكامل لمعايير عمل منظمة العمل الدولية، بما في ذلك على وجه الخصوص للنساء في الاقتصادات غير النظامية واقتصادات الرعاية".

وناشدت صندوق النقد الدولي "التوقف عن فرض تدابير التقشف المؤلمة والفاشلة، وتعليق شرط التقشف على جميع برامج القروض القائمة"، لا سيّما أن الأردن ومصر وتونس قد تلقت قروضاً من صندوق النقد الدولي في العام الماضي، ويتفاوض لبنان حالياً مع الصندوق. وشجّعت أوكسفام البلدان الغنية على "التعجيل بإلغاء الديون وإلى التمويل الخالي من الديون للبلدان ذات الدخل المنخفض".

وشددت أكسفام في تقريرها مراراً وتكراراً على أن "التقشف ليس بالأمر الحتمي، وإنمّا هو خيار: فإمّا أن تواصل الحكومات التسبّب بالضرر من خلال خفض الخدمات العامة، أو يمكنها زيادة الضرائب على من يقدرون على تحمّل عبئها".

ونهاية أيلول/ سبتمبر 2022، أطلقت عدة منظمات دولية بينها أوكسفام والشبكة الأوروبية للديون والتنمية وشبكة أمريكا اللاتينية للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، حملة #EndAusterity أو #إنهاء_التقشف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard