شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"مش ح نبطّل فلحسة"... كل ثورة وأنتم بخير

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 19 نوفمبر 202212:20 م

يعيش أهل بلدي


نمتُ كطفل أطال اللعب، وصحوتُ في صباح السبت 29 يناير على هاتف رضا وهو يضحك ويحاول تقليد نبرة محمود درويش: "ما زلتُ حيَّاً، ألفُ شكرٍ للمصادفةِ السعيدة، الرحلةُ ابتدأتْ". قلت: "هذه قصيدة أخرى، تخلط بين مديح الظل العالي وبين ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما"، رد: "طيب يا عم الفَلْحَس، المهم أنك حي، أنا في الجيزة خمس دقائق وتكون عندي، إلى التحرير يا صديق".

أوقف رضا سيارته بالقرب من تمثال لاظوغلي، ودخلنا راجلين إلى سوق الاثنين. كان مئات من مجندي الأمن المركزي يفترشون الأرصفة. سألنا باعة فأخبرونا أن سكان المنطقة أنزلوا بطاطين للمجندين يفترشونها ويتلحًّفون بها، وأمدوهم بأطعمة وأشربة، وتركوا أمر تدبّر مكان قضاء الحاجة للظروف.

قال شاب: هيا بنا نحمي الدبابة، وأمسكت بخناقه، وقلت: "أنت مجنون". رد: "خرع، جبان"، وجرى باتجاه الرصاص.

مضينا إلى التحرير، وأمام مخبز وحلواني عتمان في باب اللوق، كان ثلاثة ضباط شرطة وبضعة من المارّة يتشاغبون ويتلاسنون معاً. تنبهت إلى تسليح الضباط، كانت رشاشاتهم من نوعية كلاشنكوف مطوية الأخمص، وهذا تسليح مخصوص يدل على تميّز مهامهم، وكان وقوفهم على هيئة مثلث، بحيث يكون ظهر كل واحد منهم محمياً إلى ظهري الباقين، ما زاد من تمايزهم في تقديري.

توجهت إلى أعلاهم رتبة واقتربت منه لحدّ المواجهة، فتراجع خطوتين ليبتعد عني وتبعه الضلعان، فابتسمت ورجعت خطوتين، وقلت له: "يا سيادة المقدم، فيم الوقوف هنا والمشاغبة"، فضحك رضا بصوت عال، وحاول جذبي للخلف، فتمنّعت وعصيت بادرته الحكيمة، وواصلت: "من الأفضل أن تعودوا للوزارة، وتحاولوا أن تجدوا حلّاً لعار الاثنين، هناك مئات المجندين على أرصفة تبعد عن وزارة الداخلية أمتاراً، بعد أن فرّ عنهم ضباطهم، لا عار أشنع من أن يترك الضابط جنوده ويفر بجلده".

كان الصمت يشتمل الجميع، ووجوم الضباط يسري في المكان ويخيم على الناظرين السامعين، فتشجعت: "أما أن تدخلوهم إلى الوزارة، ولا أظن أنكم ستفعلون على الأقل بسبب صعوبة وصول التعيين، وأما أن تحضروا سيارات لنقلهم إلى معسكراتهم، وهذا أيضاً أظنه ليس بإمكانكم، ويبقى أن تخلوا سبيلهم ليتدبروا أمر عودتهم إلى أهاليهم"... وسكتُّ.

نطق المقدم: "مين حضرتك يا أفندم؟". أجبته باسماً: "أنا زي ما قال مزيكا، قصدي نجاح الموجي، لحنفي، قصدي جورج سيدهم، في مسرحية المتزوجون رداً على سؤاله: بتفهم في السياسة يا واد يا مزيكا، أنا الشعب يا حضرة المقدم، وبحيثيتي هذه سأنبئك بحدسي، قصدي ما أظن أنه سبب وجودكم هنا الآن، أنتم في مهمة استطلاع، وإذا صح حدسي هذا، فأنتم لا تستطلعون حالنا نحن الشعب، بل تستطلعون موقف الجيش، وغالباً ما ستفتعلون بعد ساعة أو اثنتين مواجهة تطلق فيها النيران، لتتبينوا كيف ستتصرّف القوات التي تحمي الميدان.

وسأمدّ حدسي إلى أقصاه وأقول لكم: إن عدم وجود مدرّعات للجيش أمام بوابات الداخلية لحمايتها غريب ومريب فعلاً، كما هو مريب تصرف الجيش بعكس المعتاد والمتوقع، المعتاد منذ يناير 1977 مرورا بفبراير 1986، وأنني لم أذهب للميدان ولم أشاهد وضعية القوات هناك، لكني أراهنك على أن فوّهات الدبابات ورشاشات ناقلات الجنود المدرعة موجهة إلى خارج الميدان، وهو ما يعني أن تقدير الجيش أن الخطر على وجوده هناك من القادم إلى الميدان، وليس الذين داخله، وسأنهي كلامي بأني مقدّر تماماً للموقف الذي أنتم فيه، فهذا ضرب من الخيال وإلا فكيف يُعقل أن تجرّأْتُ على مقامكم وأنا من أحاد الناس، فإذا كنتم غاضبين من كلامي فإني أعتذر لكم... تحياتي"، ومضيت إلى الميدان، ورضا يضحك، ويقول: "إيه العبط اللي عملته وقلته ده، أنت مش حتبطل فلحسة".

صحوت في صباح السبت 29 يناير على هاتف رضا وهو يضحك ويحاول تقليد نبرة محمود درويش: "ما زلتُ حيَّاً، ألفُ شكرٍ للمصادفةِ السعيدة، الرحلةُ ابتدأتْ". قلت: "هذه قصيدة أخرى، تخلط بين مديح الظل العالي وبين ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما"، رد: "طيب يا عم الفَلْحَس"... مجاز

*****

وكان رضا يتأمل كل شيء، منشغلاً بأسئلة متلاحقة، وافترقنا دون قصد، وقابلت نادين باشة، وعرفتني على محمد فريد وكان منذهلاً، قال: "نادين كانت لسه بتكلمني عنك"، وحكيت طرفاً  من وقائعي، وكان فريد كأنه يضعني تحت مجهر، وداعب تخيلي هذا بعض نرجسيتي البازغة، ولمحت شكوكه نافرة حين عرجت على واقعة ارتجالي الأخيرة في باب اللوق، وقلت: "كان رضا معي، سأبحث عنه وسأعود وأياه لنلقاكما".

بحثت ولم أجده، لكني وجدت مجموعة متظاهرين يحملون ضابطاً في الجيش على الأكتاف ويلفّون به حول مركز الميدان، فتبدَّى لي أنه أمر يستوجب التفكير، لكن أمراً آخر كان أوجب، فقد كانت سيارتان قادمتين من جامع عمر مكرم وعلى سقف أولهما سُجي نعش ملفوف بالعلم الوطني، ومرّت السيارتان ولم يتبعهما أحد إلى خروجهما من شارع التحرير باتجاه باب اللوق.

كانت الأخماس تضرب بقوة في الأسداس في مخيلتي تحاول ربط ثلاثي الشرطة عند عتمان، بالمحمول على الأكتاف بملابس الفسحة، بالجثمان الذي لا يشيعه أحد، لكني تتبعته من بعيد، كان الموكب الصغير الصامت يمضي ببطء شديد في الشارع الخالي تقريباً، لكنه تسارع عند الغرفة التجارية باتجاه قصر عابدين، فقفلت عائداً إلى الميدان، خطوات وسمعت صوت رصاص كثيف، تصورت أن مصدره شارع منصور، وهالني هذا التصوّر، فأي خبل هذا الذي ينتابني؟ هل تلبسني الوهم حد أن تتحول كلمات قلتُها في نشوة رخوة إلى هلاوس سمعية وبصرية فجة؟

جريت أتأكد، وكان الرصاص يوقع بشباب فيحملهم آخرون، ودماء تتقاطر، وشباب يقول إلى باب الوزير، فاستفهمت، وأخبروني أن الرصاص يُضرب من أعلى وزارة الداخلية على المارة في الشوارع المحيطة، وأن الباب الحديدي الكبير الذي يدخل منه موكب الوزير يواجهه شارع ضيق فلن يتمكنوا من التصويب علينا، صرخت: "أي جنون هذا، دعوهم، اتركوا المنطقة وعودوا للميدان، هذا ما يريدون".

صرخوا متوسّلين أن نحمل الجرحى والقتلى، وحملت واحداً لأمتار، وصرخ شاب: "دبابة محمد محمود تحركت إلى الداخلية". وتحسست الجريح وكان ظني أنه فارق الحياة، وحمله عنا شاب وجري بأقصى ما يمكنه، وتقطع صوت الرصاص، وقال شاب: هيا بنا نحمي الدبابة، وأمسكت بخناقه، وقلت: "أنت مجنون". رد: "خرع، جبان"، وجرى باتجاه الرصاص.

*****

في اليوم التالي، أطلنا البقاء بين الميدان والمقهي ونحن نفكر في مستقبل مصر على أنفاس الشيشة وثمالة الشاي، وكان رضا يوصلني إلى الجيزة بسيارته حين استوقفها خمسة من الشباب ،كوّنوا لجنة شعبية عند مدخل النفق المفضي إلى شارع البحر الأعظم، سألنا أحدهم: "لماذا تخرقون حظر التجول؟". قدم له رضا هويته الصحفية، قائلاً: "الصحافة مستثناة"، فأعادها وطالبه برخصتي السيارة والقيادة، فقدّمهما رضا باسماً، وأعادهما الشاب قائلاً: "اربطا أحزمة الأمان يا أساتذة"، فضحكنا، وشاركنا الشاب الضحك، ثم بجدية أعقب: "هذا لسلامتكما، الثورة قامت عشان الفوضى تنتهي وعشان تكون الناس أكثر أمناً، مع السلامة".

*****

مر الاثنين مشحوناً بالانتظار، ينهي أسبوعاً من الطراد في الشوارع وتأرجحاً وتردداً في الغرف المغلقة لأصحاب القرار، وجاء الثلاثاء بوعود للأطراف المتعارضة بنفس جديد. حشد هائل من الصباح وأجواء كرنفالية ومشهدية حالمة، فعند مداخل الميدان استقبال وترحيب، وعند التوديع دعوات بالعودة، مجدداً، وامتلأ المساء بهتافات جمعت عمر إلى حسني.

استوقفنا خمسة من الشباب ،كوّنوا لجنة شعبية عند مدخل النفق المفضي إلى شارع البحر الأعظم، قائلاً: "اربطا أحزمة الأمان يا أساتذة"، فضحكنا، وشاركنا الشاب الضحك، ثم بجدية أعقب: "هذا لسلامتكما، الثورة قامت عشان الفوضى تنتهي وعشان تكون الناس أكثر أمناً، مع السلامة"... مجاز

في عودتي ليلاً إلى البيت، استوقفي بائع العصير أمام المدخل بصوت خفيض: "لو سمحت ممكن كلمتين"، قلت: "تفضل"، قال: "زاد فضلك، أنا شفتك الصبح ومعاك الدكتورة والمهندسة أخوات حضرتك، وسمعتكم، ومش قصدي اتصنّت، بتقولوا إنكم رايحين التحرير، وعايز أقولك خلّي بالك بكرا"، قلت: "تسلم"، قال: "مش عارف أقولك إزاي بس، بلاش بكرا"، قلت: "بلاش إيه". قال: "تنزل التحرير"، سكتُ حائراً ومنتظراً توضيحه، قال: "نصيحة وأنت أعلم"، وسكت.

قلت: "تشكر"، قال: "بصراحة المباحث كانت بتلفّ، وكلمت ناس من المنطقة عشان تتفق معاهم، يعني عايزين يمشوا العيال، مش قصدي اللي زي حضرتك، أنت شايف الحال عامل إيه"، قلت: "مش فاهم"، قال: "ضباط من مباحث الجيزة كلموا سوابق، تجار مخدرات وبلطجية عشان يهجموا على التحرير ويفضوا الليلة كلها، للحق ناس كتير قالت لهم مالناش فيها، بس مين يضمن"، قلت: "حيدخلوا إزاي والجيش؟"، قال: "أنا قلت لك وخلصت ضميري، وأنت حر، تصبح على خير".

*****

حملت ضمير بائع العصير إلى الميدان، حيث وجدت أصداء ضمائر أخرى ومقترحات عجيبة: الأفضل تكتيكياً أن نلاقيهم على أطراف الميدان، نعمل كماشة، التفاف. وخرجت إلى بعض المداخل أنظر وصادفت مقدّماً في الجيش يرتدي واقياً من الرصاص ويتنقل بين مدخل وآخر، واسترحت في مقهى، وسمعت استراتيجيات مغايرة، ورجعت، وعند تقاطع طلعت حرب مع البستان كانت امرأة تلقي بنقود إلى شخص وتسحب شاباً من يديه وهي تقول: "لا مالناش فيه، حنموت عشان ربعميت جنيه، الله الغني".

ودخلت الميدان وقابلت محمد فريد وحكيت له مقتطفات، وكنا نسير فإذ بالواقي من الرصاص يمرّ أمامي، فقلت لفريد: "هذا هو"، وأمسكت يد فريد، وقلت: "تعالى نرى"، فاستجاب، وتتبعنا "الهدف" الذي وصل إلى حاملة الجنود الواقفة عند مدخل طلعت حرب، وكان يعتليها قائدها النقيب.

بعد أقل من شهرين استيقظت ليلي باكراً، فقبلتها وحملتها، وقلت: "قولي لي سنة حلوة يا بابا، النهاردة عيد ميلادي"، وسمعت صوت الرصاص.

أشار المقدم إليه طالباً منه النزول، فردّ مشيراً أن تعال  وخاطبني وأنا هنا، وتردّد المقدم لحظة ثم استجاب، وظهر أن حوارهما كان حاداً، وابتعد المقدم ليقف على الرصيف، وكان النقيب يحول نظره بين المقدم تارة وبين امتداد طلعت حرب تارة، وبدأ الطوب يتساقط، وكانت نظرات المقدم أشبه بأوامر حازمة، وكانت نظرات النقيب زائغة، ثم أخرج النقيب مسدسه الشخصي من جرابه بيمناه ووضع يسراه على يمناه رافعاً بهما المسدس إلى وجهه، ووضع فوهة المسدس داخل عمق فمه، وصرخ المقدم بكلمات لم أدركها فقد خنقتني غصّة فقد زممت شفتي حتى لا يستحيل البكاء نحيباً، وقال فريد: "أنت بتعيط"، فأشرت بوجهي مرات إلى النقيب، وانفلت نحيبي.

صرخ المقدم ولم أدرك حروفه، لكن النقيب سحب فوهة المسدس ببطء من فمه ورفع المسدس إلى الأعلى بأقصى امتداد يديه، فقد كانت يسراه لا تزال فوق يمناه، وأطلق في الهواء رصاصات، وأمر جنوده بأطلاق رصاص رشاشتهم في الهواء فأطاعوه طاعة محب، وتقدّموا امتاراً في طلعت حرب وأطلقوا وابلاً فرّق قاذفي الطوب، وغادر المقدم المرتدي السترة الواقية.

وترجّل النقيب عن مدرعته وأمر جنوده بالعودة إلى موقعهم، فأطاعوه طاعة بَرَرة، وأحاط متظاهرون بالنقيب يحتضنونه ويقبلون الوجنتين والخوذة، وكانت دموعي تملأ وجهي، وكان فريد منذهلاً على مشارف بكاء.

*****

في المساء جاء هاني مقداماً: "هيا لقطع ذيل التمساح". كان الضباط والجنود عند مدخل عبد المنعم رياض قد دخلوا إلى دباباتهم ومدرعاتهم وأغلقوها عليهم، وكان الليل الأطول. قبل الفجر عجزت عن الوقوف، فذهبت إلى عمر مكرم، وغفوت على العشب تحت التمثال، وأيقظتني يد وصوت يقول: "الفجر"، وكانت بطانية تغطيني، وعاد الصوت: "الفجر، أنت من إخوان القليوبية؟". وكنت قد وقفت ثم ترنحت قليلاً، فقال: "طب نام شويه باين عليك تعبان"، قلت: "لا، تمام، شكراً"، وطويت البطانية، ومضيت تعباً.

*****

في مارس وصلني خطاب من النيابة يطلب حضوري لتسلّم خطاب إلى مصلحة الطب الشرعي لإجراء الكشف الطبي على إصابتي، فذهبت إلى النيابة، وقابلت مصادفة السيد الوكيل الذي حيّاني بفتور، ورافقني إلى الطب الشرعي رفيقان من رفاق معسكر السلام، ذكرني أحدهم بأنه كان أحد الذين حاولي معي إعاقة مدرعة الشرطة يوم 25 يناير، وحكى الآخر أنه يعمل طياراً في محل أسماك في دوران شبرا، ضحكت فقال: "طيار ألطف من ديليفري، المهم كنت أنتظر توصيل طلبية حين مرّ متظاهرون، كان العصر تقريباً أو يمكن قبل العصر، فاكرين الراجل اللي قال لنا إنه لواء طيار في السجن؟ قلت: دا بيقول إنه طيار فعلاً"، ضحك وقال: "أهو الراجل دا مسكني وقال لي أنت بتعمل إيه؟ قلت له منتظر السمك، قال لي دع السمك للسمّاك وتعال معنا المظاهرة، فسبت الماكنة، الموتوسكل اللي بوصل بيه الطلبات، ومشيت معاه".

قلت: "حكاية عجيبة زي حكايات المسيح، قال لواحد من تلامذته: اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم، وقال لواحد تاني: إحمل صليبك واتبعني"، رد: "بس اللواء دا مسلم، أنا معرفتش اسمه ولا إنه لواء طيار إلا في السجن، بس هو لما مسك إيدي وكلمني حسيت إنه زي أبويا".

كان رضا في ذروة سخريته يضحك وهو يقول بصوت مرتفع: "صعبان عليك تاخذ تعويض يا بني وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ، دا شعر لو كان عنترة انضرب في مؤخرته زيك كان جري على صندوق تعويضات عبس، عيب عليك، حقك وبتفرط فيه"... مجاز

*****

في نهاية مايو كنت أتجهّز للزواج، وفي الطريق للبحث عن عش الزوجية طالعت اسمي الرباعي في صحيفة ضمن أسماء مصابي وشهداء الثورة، كان الموضوع متعلقاً بقرار إحالة مبارك والعادلي وقيادات الشرطة المتهمين بجرائم القتل العمد مع سبق الإصرار المقترن بجرائم القتل والشروع في قتل بعض المشاركين في المظاهرات السلمية بمختلف محافظات الجمهورية.

بعد أسبوعين من زواجي شاهدت عبر التلفزيون المتهمين خلف القبضان، وكنت قد حرّرت توكيلاً لمحام صديق كي يمثلني في المحاكمة، لكني أحجمت عن تقديمه له منحياً الفكرة جانباً، وبعد يومين من المحاكمة بدأ صرف تعويضات المصابين والشهداء، وتكرّر الإحجام رغم إلحاح الأهل والأصدقاء، ورغم الحاجة الماسة، وكان رضا في ذروة سخريته يضحك وهو يقول بصوت مرتفع: "صعبان عليك تاخذ تعويض يا بني وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ، دا شعر لو كان عنترة انضرب في مؤخرته زيك كان جري على صندوق تعويضات عبس، عيب عليك، حقك وبتفرط فيه".

*****

في نهاية نوفمبر 2012 كانت ليلى، بنتي، قد أتمت شهرها السادس، وكان صدى صوت صديقي وهو يقول: "إنَّ الولدَ مَبخلةٌ مَجبنةٌ"، يرافقني في ذهابي وعودتي من وإلى مصر الجديدة للتظاهر ضد إعلان مرسى الدستوري، وفي الليلة التي قُتل فيها الحسيني أبو ضيف، أصمّ الصدى أذني، كنت وعصام زكريا نتحدث مع الحسيني، وتفرقنا، ثم علمنا بالنبأ.

وقمت ووضعت ليلي بين يدي مروة ونمت.

*****

وقبلت الاثنتين صباح 29 يونيو 2013، وبقيت خارج البيت حتى ظهر نور الصباح التالي، عندما استجبت لنزق خاطف شملني مع وائل عبد الفتاح وهاني فوزي وناصر أمين، ونحن نتموضع للتصوير على أسوار الاتحادية، وعدت لأنام.

بعد أقل من شهرين استيقظت ليلي باكراً، فقبلتها وحملتها، وقلت: "قولي لي سنة حلوة يا بابا، النهاردة عيد ميلادي"، وسمعت صوت الرصاص. حملتها وصعدت إلى السطح. كان الدخان يأتي من أمام جامعة القاهرة، وصوت الرصاص يتواصل، ومروة تصرخ في إثري: "بتوري البنت إيه؟".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard