شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
انهارت سمعتي على باب العيادة النسائية

انهارت سمعتي على باب العيادة النسائية

حياة نحن والنساء

الأربعاء 16 نوفمبر 202201:46 م

تقع الفتيات في حال من الحرج لدى الاعتراف بوجود مشاكل تناسلية عندهن حتى لأقرب الناس إليهن، لكن إذا تطورت المشكلة وتجاوزت الفتاة حرجها واعترفت بمشكلتها فستواجه مزيداً من الخوف والحرج لمجرد التفكير في زيارة الطبيب النسائي، لكن الأسوأ هو ما قد تتعرض له فتاة من نظرات احتقار وارتياب لدى دخولها باب العيادة.
في هذا التقرير حالات لفتيات تعرضن للتجريح وللإساءة اللفظية لدى مرورهن في الموقف السابق.

الطبيب عاملني باستعلاء

"أنا فتاة في عمر العشرين، أعاني من بعض الأمراض التناسلية التي من الممكن أن تصيب أي فتاة في أي عمر، أخبرت والدتي بما أعانيه، فأصرت على ضرورة الذهاب إلى الطبيب النسائي، ترددت كثيراً في الخضوع لرغبتها تلك، ولم استسغ فكرة زيارة من يتفقد الأماكن الحساسة من جسدي حتى لو كان طبيباً".
هذا ما روته الطالبة سارة حجازي (20 عاماً) لرصيف22، عن تجربتها مع طبيب الأمراض النسائية، إذ رافقت والدتها إلى عيادته لتُفاجأ بنظرات الاحتقار والارتياب وكأنها ارتكبت ذنباً هي نفسها لا تعلم ما هو.
تضيف: "بدأت نظرات الاحتقار تزداد حين قمت بحجز الكشف وتأكد المراجعون بأنني أنا المريضة بعد أن سألتني الممرضة التي سجلت إسمي إن كنت آنسة أم سيدة". 

بدأت نظرات الاحتقار تزداد حين قمت بحجز الكشف وتأكد المراجعون بأنني أنا المريضة بعد أن سألتني الممرضة التي سجلت إسمي إن كنت آنسة أم سيدة

بحسب رواية سارة، فحتى الطبيب في البداية تعامل معها باستعلاء شديد، إلى أن بدأت بشرح وضعها وشخّص مشكلتها بوجود بعض الالتهابات التناسلية، حينها فقط بدأ يتعامل معها بشكل طبيعي، وتتساءل سارة إن كانت نظرية فقدانها لعذريتها هي التي دارت في أذهان المراجعين والطبيب لتدفعهم لرمقها بنظرات الاحتقار.
تختم: "بدأت أدرك ما دار في عقولهم جميعًا، هل كانوا يظننوني فقدت عذريتي، لذلك كان يعاملني الجميع بهذا القرف".

والدي رافقني ليحميني

أما ندا (25 عاماً) وتعمل موظفة بنك، فتعاني تكيس المبيض، ولديها روايتان عن هذه التجربة، الأولى والسيئة حين رافقتها قريبتها، لكنها في الزيارة ذهبت بمرافقة والدها. فعلى حد تعبيرها "لا يمكن أن تفقد فتاة عذريتها ثم تذهب وهي متشبثة بيد والدها إلى الطبيب ليحل مشكلتها".
تقول لرصيف22: "في المرة الأولى ذهبت إلى الطبيب برفقة ابنة خالتي، كان كل من في العيادة يتفحصنا وكأننا مستباحتان أو رائحتنا كريهة، الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فلم نَسلم من إلقاء الكلمات النابية علينا بعد انصرافنا من غرفة الطبيب".
أما في المرة الثانية فقد رافقها والدها  إلى العيادة النسائية"ليقدم لها الحماية من أعين الناس" على حد تعبيرها، فاختلف التعامل العام معها عن الزيارة الأولى بكل ما كان فيها من إيذاء ووشوشات وتهجم بصري ولفظي.

الطبيب يرفض إجراء العملية للـ"عذراء"

تقول إيمان حمدي (24 عاماً) وتعمل سكرتيرة: "كنت أعاني من وجود أكياس دهنية داخل الرحم، وكان الحل الوحيد هو إجراء عملية جراحية يكون المجرى الطبيعي لها هو الجهاز التناسلي، هذا ما قاله الطبيب الذي رفض في الوقت نفسه أن يجري العملية بنفسه لأنني عذراء".
لم يكن هذا رأي الطبيب لوحده بل أيدته والدة إيمان في القرار، ففي الوقت الذي عارض فيه الطبيب قسم أبوقراط وأخلاقيات مهنته برفضه العلاج المثالي وتحمل مسؤولية إدخال أداة جراحية إلى الجهاز التناسلي، بررت الأم رفضها بجملة: "من سيصدق حينها أنك فقدتِ عذريتكِ بسبب عملية جراحية وليس لأي سبب آخر معاذ الله".

"وكأن مرضي أصبح عاراً". تقول إيمان لرصيف22، وقد اضطرت للخضوع لعلاج بديل مفعوله بطيء أدى إلى زيادة هائلة في وزنها وتغيير في هرمونات جسدها وتغير في ملامحها، وحتى بعد وفاة والدتها لم تقم بالعملية، تختم "لا يوجد طبيب قبل أن يتحمل مسؤولية تلك العملية التي قد تفقدني عذريتي". 

إيمان... كنت أعاني من وجود أكياس دهنية داخل الرحم، وكان الحل الوحيد هو إجراء عملية جراحية يكون المجرى الطبيعي لها هو الجهاز التناسلي، هذا ما قاله الطبيب الذي رفض في الوقت نفسه أن يجري العملية بنفسه لأنني عذراء

"ما تعرضت له جعلني أوقف علاجي وأقرر عدم الذهاب لطبيب مرة أخرى"، هكذا استكملت سارة حديثها عن تجربتها في العيادة، الإهانة تجاوزت النظرات، فأحد المرافقين نظر إليها وقال "ربنا يستر عرض بناتنا ده الواحد بيشوف بلاوي"، وقام بالبصق على الأرض" لتقرر أن تقف في منتصف العيادة صارخة: "كل واحد يخليه في حاله أنا مريضة عادية، آه صغيرة بس مريضة وشريفة"، ثم وجهت حديثها إلى الرجل: "مفقدتش عذريتي يا عمو ولسا بنت بنوت متخفش ربنا هيستر عرض بناتك زي ما أنت سترت عرض بنات الناس"، وانهارت بعدها بالبكاء وقررت عدم الذهاب لطبيب النساء مرة أخرى.

 نعيش في القرون الوسطى

يقول أستاذ علم الاجتماع د. خالد عبد الفتاح: "نعيش في مجتمع متخلف، وكأننا في القرون الوسطى، فلا ننتهي من الأطباء المتحرشين حتى يأتي لنا الأطباء الذين يحكمون على المرضى ويصنفوا المرض على أساس النوع".

أحد المرافقين نظر إليها وقال "ربنا يستر عرض بناتنا ده الواحد بيشوف بلاوي"، وقام بالبصق على الأرض

ويضيف لرصيف22: "نعيش في مجتمع ذكوري ينظر إلى المرأة نظرة دونية، ومن ضمن عناصر هذه النظرة، تصنيف التعامل في المرض حسب نوع الطبيب، مما جعل أغلب السيدات يذهبن إلى طبيبات خوفًا على عفتهن، ومن تذهب منهن إلى طبيب لا بد لها أن يكون ذلك بحضور الزوج أو الأب، وهي حالة غير فردية، فجميع عيادات النساء تشكو من هذه المشكلة، وما يدعم هذه النظرة أكثر هو  تعامل بعض الأطباء بشكل غير أخلاقى مع المريضات".

أمراض تصيب العذراء

تقول طبيبة أمراض النسائية والتوليد نجوى الشربيني لرصيف22: "ليس هناك شرط طبي بأن أمراض الجهاز التناسلي لا تصيب سوى المتزوجات، على عكس الاعتقاد الخاطئ لدى الكثيرين، كثيراً ما أواجه مشكلة مع مريضاتي التي تكون متعجبة من كونها عذراء ولديها مشكلات في الجهاز التناسلي".
وتضيف: "هناك أمراض شهيرة يمكن أن تصيب الفتاة العذراء مثل تكيسات المبيض، والتكيسات على الرحم، وهذه الأخيرة تستدعي إجراء عملية جراحية، وكذلك سرطان عنق الرحم. وأيضاً الالتهابات المهبلية وهي الأكثر شيوعاً، وعدم انتظام الهرمونات مما يؤدي إلى اختلاف مواعيد الدورة الشهرية، وهي مشكلة حين يأتي الأهل بخصوصها يكونون في حالة من الرعب جراء هذا الاختلاف في التوقيت، ظناً منهن أن الفتاة ربما أخطأت وتجاوزت المحاذير الاجتماعية".
وأوضحت أنه مع كون الفتاة عذراء وضرورة إجراء بعض العمليات الجراحية تقرر  كثير من العائلات التوجه للبديل لا العملية الجراحية خوفاً من فقد الفتاة لعذريتها بسبب أي خطأ طبي محتمل، كما أن هناك حالات أخرى تأتي لمرة واحدة فقط وتقرر أن لا تُكمل مسيرة العلاج.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard