شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
100 يوم من الهرب المستمرّ... وسام وفاطمة تبحثان عن الخلاص للمرّة الرابعة

100 يوم من الهرب المستمرّ... وسام وفاطمة تبحثان عن الخلاص للمرّة الرابعة

حياة نحن والنساء

الثلاثاء 15 نوفمبر 202205:17 م

لم تكن وسام الطويل (24 عاماً) تتخيل أن الأمور ستسلك هذا المنعطف، وأن الهروب من أبيها عماد، المُعنف والمصاب بالذُهان، سيتحول إلى هروبٍ من المجتمع بأسره، بل من الشرطة النسائية أيضاً، ومخاتير العائلات، وجهات الإصلاح الحكومية وغير الحكومية.

تقول فاطمة الطويل (22 عاماً)، وهي شقيقة وسام "لقد اعتقد أبي أن الحوالة المالية التي تلقيتها مقابل عمل أجريته لأحد العملاء عبر أحد مواقع العمل الحر عبر الإنترنت (Fiverr)، هي حوالة مالية من الموساد الإسرائيلي، الذي يريد أن يُسقطنا أنا وأختي بها لنعمل جاسوستين لدى الموساد" بعد هذا الموقف تيقنت الفتاتان أنّ الأب الذي قضى ما يقارب نصف عمره بين السجون الإسرائيلية والسجون العربية، قد بدأ يفقد عقله شيئاً فشيئاً، وأن الحياة في هذا البيت لم تعد ممكنة بين تعنيف وتعذيب وتجويع وسَجن وتحريض على الانتحار، وشكوك غير منطقية حول بنتيه؛ كالشك في عمل فاطمة، واعتبار إيميلات الجامعات التي تتواصل معها وسام للحصول على منحة دراسيّة أنها مؤسسات إسرائيلية تحاول اختطاف بنتيه.

ربما كانت الأمور ستذهب باتجاه آخر إن كان للمجتمع في غزة رأي عام مغاير عن السلبية التي أبداها تجاه قضية وسام وفاطمة الطويل.

تبرئة المُعنف وإلقاء اللوم والمسؤولية على الضحية

ربما كانت الأمور ستذهب باتجاه آخر إن كان للمجتمع في غزة رأي عام مغاير عن السلبية التي أبداها تجاه قضية وسام وفاطمة الطويل، فالدعم الشعبي والرأي العام يشكلان عاملاً مهماً جداً في القضايا المشابهة، أما في هذه القضية على وجه الخصوص فلا يرى المجتمع أن هناك سبباً للهرب من الأب، وأن التعنيف والتعذيب والتجويع… لا تكفي لتكون سبباً للبحث عن الخلاص، بل أن سلطة الأب هي سلطة إلهية مطلقة تمنحه الحق في "تربية بناته" كيفما يرى وكيفما يقرر ويحدد، ويذهب الرأي العام في غزة إلى أبعد من لوم الضحية بل واتهامها بسيلٍ من التهم، إلى درجة التساؤل: "لا ندري ما الذي فعلته البنات، ولكن الأب يبدو على حق فيما يفعل".

إن هذه المواقف التي شكلها الرأي العام في قطاع غزة صنعت مسوغاً قوياً لدى مؤسسات حماية المرأة الحكومية والخاصة للتخلي عن قضية وسام وفاطمة! لأن تلك المؤسسات يحكمها المجتمع بشكلٍ أو بآخر، وتعمل ضمن إطار المتعارف عليه مجتمعياً، وعليه لقد كانت سلبية المجتمع في التعاطي مع هذه القضية بوصفها قضية تعنيف أسري، سبباً مباشراً في تخلي الجميع عن وسام وفاطمة وتركهما في منتصف الطريق، محاطتين بمجتمع لا ينظر إلى المرأة كإنسان يستحق حياة مستقلة تمتلك فيها قرارها وحريتها، أما طريق السفر فمغلق جنوباً وشمالاً، وفي خضم كل هذا لا تجد الفتاتان أي دعمٍ حقيقي من المجتمع المحلي إلا بجهودهما الفردية في البحث عن مكان يحميهما من الشارع كل ليلة، بعد أن طُردتا من بيت الأمان في ليلة حافلة بالجنون والصخب، انتهت بإعادتهما إلى منزل أحد الأقارب في مدينة رفح، تمهيداً لتسليمهما للأب المختل عقلياً ونفسياً بشهادة أخيه يوسف، وبعض أصدقاء الأب الذين اصطفوا إلى جانب وسام وفاطمة بعد متابعة القضية عن قرب.

للمرة الرابعة نجحت وسام وفاطمة بالهرب مجدداً من بيت قريبهما في رفح، في إشارة واضحة للجميع أن ما تهربان منه ليس أمراً سهلاً يمكن تحمله والتعايش معه، بل من الممكن أن يكلفهما حياتهما، ويذكر أن الأب عماد، هددهما عدة مرات بالقتل في أكثر من بث مباشر أجراه عبر فيسبوك، وتحدث في الفيديو الأخير عن أنه "سيقتل حتى آخر نَفَس".

حادثة الطرد بالقوة من بيت الأمان الحكومي وإغلاق ملف القضية دون حل

في يوم الأحد، 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، استيقظت وسام وفاطمة في بيت الأمان الحكومي على خبر أنهما ستجبران اليوم على المغادرة، رغم أن لوائح بيت الأمان الحكومي تنص على أن المعنفات اللاجئات إلى المكان لا يجبرن على المغادرة قسراً في أي حال من الأحوال، ومهما استمرت مدة مكوث المعنفات في بيت الأمان، فلهن الحق الكامل في البقاء حتى يقررن المغادرة، أو السفر، أو أي قرار آخر يتخذنه كقرار مناسب لهن، أما وسام وفاطمة اللتان أحدثتا كل هذا الصخب في المجتمع، خاصةً أن قضيتهما أحدثت نوعاً من التوعية للفتيات الأخريات اللاتي يتعرضن إلى نفس ما تعرضت له وسام وفاطمة وربما أكثر، ولكن لا يمتلكن الصلابة الكافية ليصرخن بملء الصوت، فقد تمت معاملتهن من قبل القائمات على بيت الأمان ومنذ البداية كأعداء لهوية المجتمع، ولكن يجب حمايتهن، إذ لجأن لبيت الأمان وذلك لأسباب متعلقة بتمويل المكان، ولكن لم يحتمل بيت الأمان أكثر من 98 يوماً، ثم حادثة الطرد بالقوة، بعد ضغوط من المخاتير ولجان الإصلاح الرسمية وغير الرسمية، وإنهاك كل الأشخاص الذين حاولوا المساعدة في إيجاد حلول، وكان من ضمنهم شخصيات بارزة في حكومة غزة، ولكن كل ذلك لم يكن مبرراً لطرد الفتيات بالقوة ثم ملاقاة مصير مجهول!

للمرة الرابعة نجحت وسام وفاطمة بالهرب مجدداً من بيت قريبهما في رفح، في إشارة واضحة للجميع أن ما تهربان منه ليس أمراً سهلاً يمكن تحمله والتعايش معه، بل من الممكن أن يكلفهما حياتهما

وتذكر وسام أن إحدى المشرفات في بيت الأمان الحكومي كانت قد قالت لها: "هذا البيت هو مجرد استراحة محارب، وأنتما طالت استراحتكما جداً، خلال أيام ستغادران هذا المكان". هذا اعترافٌ بالعجز من قبل بيت الأمان في غزة وأن القائمين عليه يتلقون التمويل المخصص لإنقاذ الناجيات، ولكنهم فعلاً لا يجدون أي حلول، بل يعمل بيت الأمان كمحطة توقيف لا تخلو من بعض محاولات "الإصلاح الديني" للناجيات، بعد ذلك يتم إعادتهن لعائلاتهن دون أي حلول، مع متابعة تتوقف بعد أشهر قليلة.

أما فاطمة، فقد تحدثت حول الصبغة الدينية لبيت الأمان، وهذا ما لا يصح بالمطلق إذ أن بيت الأمان هو مكان حكومي رسمي، وممول من جهات رسمية حقوقية دولية، لا يمكن أن يصبغ بالثقافة المحلية المجتمع، بل الأجدر أن يظل كبيت أمان منفصل عما يحدث بالخارج من أجل حماية النزيلات المعنفات، تقول فاطمة: "كل يوم يجبروننا على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وإن لم نفعل فسوف نعامل معاملة المنحرفات فكرياً طوال اليوم... لقد كانت أياماً سيئة للغاية ولكنها أهون علينا من أن نُقتل على يد عماد إن عدنا للبيت، فهو إن لم يقتلنا، فسوف يعيدنا إلى السجن الذي أعده لنا على الطابق السادس".

وبعد تخلي بيت الأمان عن الفتاتين وطردهما، ذلك البيت الذي كان يفترض أن يكون الوجهة الآمنة لأي ناجية، ويتلقى تمويله دولياً ليلعب هذا الدور، تمكّنت الفتاتان من الهرب بمعجزة من العائلة مجدداً، أو بالأحرى من الموت مجدداً، في انتظار نجاح أي جهة دولية تواصلنا معها في إنقاذهن من كل هذا الجنون والرعب.

تقديس ولاية الأب على حساب فردية الفتيات وحقهن في تقرير المصير

ذلك التقديس لولاية الأب الذي يعطي كل أفراد المجتمع سواءً كانوا يتبعون لجهات رسمية، أو غير رسمية، الحق في التدخل بقوة في قضايا كقضية وسام وفاطمة، طالما أنهم يحمون النظام الأبوي، فلا بأس من "التكامل" في حماية الرجعية، وفرض السلطة الذكورية على الجميع، حتى على الذكور أنفسهم.

أما الأب عماد الطويل فلم يخذل أي جهة تدخلت في قضية بيته، ما دامت ستدعم ولايته وتؤكد على قدسيتها، فظهر المشهد على أنه مجتمع كامل يحارب فتاتين لا تبحثان عن أكثر من حياة طبيعية في بيئة طبيعية!

لم تمنع تهديدات الأب لوسام وفاطمة بالقتل، ولا تهديداته بالحبس والتعذيب، و"الضرب بالحذاء" على حد وصفه في بث مباشر عبر فيسبوك؛ المجتمع في غزة من الاصطفاف إلى جانب الأب والتأكيد على ولايته الكاملة، "حتى إن قتل بنتيه فذلك حقه"، هكذا تحدث معلقون عبر صفحة عماد على فيسبوك، ويذكر أن عماد كان قد جمع أكثر من 90 ألف تفويض من محافظات مختلفة من غزة بأن له حرية التصرف بمصير بناته – حتى إن وصل الأمر للقتل-، في مشهد أثار الذعر في نفس أي شخص يمتلك القليل من التفكير الناقد.

في الحقيقة، إن ما لا يعلمه عماد هو أن الحكومة تصطف إلى جانبه بشكل أو بآخر، لأن الأخيرة قد ضاقت ذرعاً في تحمل المسؤولية وتريد أي حل يغلق ملف القضية.

ويأتي كل ذلك التهديد بالقتل والحبس، والتعنيف تحت بند "إعادة التربية" حيث يرى عماد أن مطالبة وسام وفاطمة بالهرب من تعنيفه وبطشه وحالة الهستيريا التي يعيشها، كـ"سوء أدب وقلة احترام تستحقان العقاب عليه".

على مدار الأسابيع القليلة السابقة، تعاون الأب مع كافة الجهات غير القانونية، كوجهاء العائلات والمخاتير، والمجموعات الإصلاحية الخيرية، والتي تعتبر كلها خارج إطار القانون، وذلك من أجل إجبار وسام وفاطمة على العودة إلى بيته بلا قيد أو شرط حسب تعبيره، كل تلك المحاولات والضغوطات من قبل الأب، إضافةً إلى التفاف الرأي العام حول رواية تقول إنه ليس للبنات الحق في الهرب من عائلاتهن حتى وإن قُتلن، وأنّ الفتاة الجيدة هي التي تُقتَل بصمت. أما إن هربت أو صرخت أو رفضت، فهي خارجة عن ولاية الأب المقدسة، وخارجة عن هوية المجتمع، ومنحرفة فكرياً، وتتبع لجهات مجهولة هدفها "إسقاط المجتمع وهدمه"، دون أن ينتبه المجتمع إلى أنّه ليس هناك سقوطاً أكثر مما هو فيه.

حكومة غزة والمؤسسات الحقوقية الدولية: لماذا لا تسافر وسام وفاطمة فحسب!

إن كل قضية إنسانية مركبة ومليئة بالجدل كقضية وسام وفاطمة لا تخلو من المفارقات المضحكة أحياناً، كأن يعتقد والد الفتاتين عماد أن الحكومة تختطفهما، وتريد تصفية حسابات شخصية معه من خلال الخطف، وذلك كله محض أوهام.

على مدار الأسابيع القليلة السابقة، تعاون الأب مع كافة الجهات غير القانونية، كوجهاء العائلات والمخاتير، والمجموعات الإصلاحية الخيرية، والتي تعتبر كلها خارج إطار القانون، وذلك من أجل إجبار وسام وفاطمة على العودة إلى بيته بلا قيد أو شرط حسب تعبيره

في الحقيقة، إن ما لا يعلمه عماد هو أن الحكومة تصطف إلى جانبه بشكل أو بآخر، لأن الأخيرة قد ضاقت ذرعاً في تحمل المسؤولية وتريد أي حل يغلق ملف القضية، حتى أنها طردت الفتاتين من بيت الأمان وأعادتهما للعائلة في تصرف غير مسؤول، ولا يمكن قبوله، أملاً في حدوث صدفة ما تحل الأمر، وهذا ليس جديداً على حكومة غزة أن تترك الأمور للقدر أو الصدفة.

وكما ذكرنا مسبقاً، فليس هنالك أي قانون يجيز للحكومة إجبار الناجيات في بيت الأمان على العودة إلى الأماكن التي تعرّضن فيها للتعنيف، حيث أن بيت الأمان -كما يفترض- يوفر للناجيات اللاتي يصلنه الحماية اللازمة، ولا يخرجهن إلا بقرار شخصي منهن، ويضمن عدم تدخل أي جهة خارجية في الناجيات، ولكن ما اتضح من قضية وسام وفاطمة، أن بيت الأمان قد يخضع أحياناً للضغوطات الخارجية، خاصةً الحكومية.

بعد الفيديو الأخير لوسام، والذي لم يكن متوقعاً بالمطلق، إذ سجلته بعد هربها من المكان الذي وضعتها فيه الشرطة النسائية هي وأختها، بعد طردهما من بيت الأمان، اختلفت جميع المعايير التي كانت تنظر من خلالها الحكومة إلى قضية وسام وفاطمة، إذ أوضحت وسام عبر الفيديو كيف تم طردهما من بيت الأمان هي وأختها فاطمة بالقوة والعنف، هذا ما وضع الحكومة في حرج كبير أمام ممولي بيت الأمان من مؤسسات دولية وغيرها.


يجدر بالذكر أن الحكومة متمثلة ببعض شخصياتها التي تدخلت في القضية كانت تدرك أن صدق رواية الفتاتين، خاصة بعد مقابلة الأب المُعنف والتأكد من عدم أهليته لاحتواء بنتيه مرة أخرى، تلك الشخصيات اتخذت موقفاً صارماً يقضي بسفرهما، ولكن سرعان ما تراجعت جميع الشخصيات الحكومية عن موقفها بعد قرار حكومي أعلى بعدم التدخل، مع ترك المجال للمؤسسات الدولية بالعمل على إنقاذ الفتيات، أما قرار الحكومة بعدم التدخل فيأتي سياق عدم رغبتها بإظهار نفسها كمساندة للقضايا الإنسانية والنسوية بشكل مباشر وصريح، تحت ذريعة أنها لا تريد لمثل هكذا قضايا أن تتكرر!

وإلى هذه اللحظة تجري المحاولات من قِبل المؤسسات الحقوقية الدولية، والقنصليات من أجل إنقاذ وسام وفاطمة من كل هذا الجنون الذي استمر لأكثر من 97 يوماً في بيت الأمان، والآن خارج بيت الأمان دون مأوى حقيقي إلى حين إيجاد طريقة لخروجهما من قطاع غزة.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard