شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حياة كانت "وجهة نظر"... رثاء متأخر للأغنية المصرية البديلة

حياة كانت "وجهة نظر"... رثاء متأخر للأغنية المصرية البديلة

ثقافة نحن والحريات العامة

الجمعة 4 نوفمبر 202210:21 ص

أشعر بخجل شديد في الأوقات التي أعلم فيها بوفاه شخص ترك أثراً ولو طفيفاً فيّ ولم أشكره أو أذكر له عمقَ أثره في نفسي، وهو ما شعرت به عند قراءة خبر رحيل الشاعر الغنائي ممدوح فوزي.

اعتدت سماع فريق "نغم مصري" منذ سنوات طويلة، وهو فريق مصري مستقل يغني غناءً بديلاً. بدأ صعود نغم مصري في فترة تعدّ ذهبية في المشهد الفني المستقل، سبق ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 ببضع سنوات، وتراجع بشدة حتى يكاد يختفي بدءاً من العام 2013. وبصعوده شهدت مصر موسيقى وكلماتٍ من الشعر الغنائي المختلف، القادر على التواصل مع أجيال لم تكن تجد في "الأغنية الرسمية" ما يمسّها أو يمثلها.

كنت أحضر حفلاتهم أو أسمع تسجيلات تلك الحفلات. لفتتني الكلمات وحفظتها عن ظهر قلب، حتى الكلمات التقديمية والختامية التي كانت جزءاً لا يتجزأ من جسم تلك الحفلات، والتي كان يلقيها شربيني، مغني الفريق الحريص على ذكر اسم مؤلف كلِّ أغنية. منه حفظت اسم ممدوح عندما كان شربيني يقدمه قبل أغنية "آدي الحياة" قائلاً: "الأغنية من كلمات صديقنا الصعيدي ممدوح فوزي، بس مش عارف ماله تخلى عن صعيديته هذا الممدوح".

بدأ صعود نغم مصري في فترة تعدّ ذهبية في المشهد الفني المستقل، سبق ثورة يناير ببضع سنوات، وتراجع بشدة حتى يكاد يختفي بدءاً من العام 2013. وبصعوده شهدت مصر موسيقى وكلماتٍ من الشعر الغنائي المختلف، القادر على التواصل مع أجيال لم تكن تجد في "الأغنية الرسمية" ما يمسّها أو يمثلها

وفي احتفالية الفريق بمروره خمسة عشر عاماً على انطلاقه، كان ممدوح حاضراً على المسرح ليقول شربيني لجمهور الفريق "15 سنة بيكتب لنا أغاني ببلاش"، ليظهر ممدوح ويلقي قصيدةً من قصائده، فألقاه للمرة لأولى، ويصير لكلماته وجهٌ خاص.


كان الشاعر ممدوح فوزي ابن محافظة أسيوط (صعيد مصر)، وهو أول كاتب أغنيات لفريق نغم مصري. وإلى جانب نشأته الصعيدية، تربى فوزي لفترة مهمة من حياته في قلب القاهرة، حيث انتقل للعيش في حي الحسين أثناء دراسته الثانوية ليقترب خطوةً أكبر من عالم الموسيقى الصوفية وطبيعة القاهرة الأصلية من قلبها الذي نشأت حوله.

في حي الحسين، تعرف فوزي في صباه على ياسين التهامي، وكان قريباً منه كما عرف الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، وسمع من الثلاثة كثيراً، وتأثر بهم وتتلمذ على أيديهم، وصار ذا روح صوفية تظهر في كتاباته.

 عنوان بطاقتي فـ الحسين

أُم ْالغُلام... شارع قديم فـ الحيّ

بنت الإمام... أوّل يمين الضيّ

أوّل نفس فـ حياة

الشيخ ياسين... سلّم خطاه لله

رفرف علي بلاد الوجع

الواد جدع

كافح كفاح المحرومين واللي اتظلم

الهدمة من توب الحنين... والقلب من توب الألم

تلك الكلمات من أشهر أغنياته وأنجحها مع فريق نغم مصري أي "آدي الحياة"، وهي تكشف عن ذلك التأثر البالغ بتلك النقلة إلى أعرق مناطق القاهرة وأكثرها روحانية.


من ذات الثوب الصوفي الصعيدي، غزل ممدوح كلمات أغنياتٍ أخرى، منها "يصبحك بنعيم الله"، و"لسه بعيش"، و"مرت بطيفها"، والأخيرة هي القصيدة التي رشحها الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم لفريق نغم مصري كي يغنوها، وشكلت بداية علاقة الصداقة والإبداع المشترك بين ممدوح فوزي والفريق.

يروي شربيني، أنه ذهب لمقابلة أحمد فؤاد نجم طالباً أن يغني كلماته، فرحب نجم حينها مشجعاً الفريقَ، ثم عرّفهم إلى ممدوح فوزي، ليبدأ التعاون والصداقة بينه وبين شربيني.

عزائي في ندمي على أنني لم أخبره يوماً بأثره فيّ، هو كتابةُ هذا التعريف البسيط عن ممدوح فوزي، الذي استحقّ في حياته الكثيرَ ممّا لم ينلْه

كذلك كان فوزي قريباً من الشيخين محمد عمران ومحمد الهلباوي، وساهم كلاهما في تكوينه وكتاباته ذات الطابع الصوفي أحياناً، والصعيدي أحياناً أخرى. فقد كتب أيضاً للمطرب علي الهلباوي -ابن الشيخ محمد الهلباوي- أغنيات "لمة روح"، و"نضرني الزين"، التي غناها في ما بعد فريق "مسار إجباري" بلحن وتوزيع مختلف، وظهرت في ألبومهم الأخير.


وفي إحدى تجارب "مشروع النيل" للغناء، وهو مشروع موسيقي جمع فرَقاً ومطربين من دول حوض النيل الأفريقية، منها مصر والسودان، غنت دينا الوديدي أغنيةً من كلمات فوزي، حققت نجاحاً لافتاً، وظهرت فيها ثقافته الصعيدية وتأثرُه بالفكر والإبداع الصوفي، وهي أغنية "في حضرة ضل محبوبي".

في حضرة ضل محبوبي وأنا وياه

كأن حياة بتجري في دمي وعروقي


لم يكن ممدوح مهتماً باختطاف الأضواء، وعكست تصرفاته في وسط الثقافة المستقلة والغناء البديل، عنايتَه بتقديم الدّعم والحبّ لرفاقه من شعراء الغناء المستقل، ظهر هذا في مشروع المركز الثقافي الجامع الذي أسماه "مولانا"، في منطقة وسط البلد، التي كانت تشكِّل حتى 8 سنوات مضت قلبَ الحركة الفنية والسياسية المصرية، قبل أن تموت كلتاهما موتاً نرجوه مؤقتاً.

كان فوزي يجمع في "مولانا" كل ما يستطيع أن يتحصل عليه من كتب، ويتيحها لكلِّ من يأتي راغباً في القراءة، وكأنه مقهى متواضع ذو طابع ثقافي، وفيه كانت تقام بعض الأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية المحدودة التي ساهمت في تشبيك الشعراء الجدد مع موسيقيي الغناء البديل.

لم يصدر لممدوح فوزي دواوين سوى "البيت القديم" الصادر عن دار دون، وكان قبلها مشاركاً في ديوان جماعي بعنوان "الصحبجية"، جمع قصائد من أبرز شعراء الأغنية البديلة الآن، وكان بينهم صديقه وأول الراحلين من جيله، الشاعر الشاب ميدو زهير، الذي تأثر فوزي بوفاته بشدّة، وكتب عنه كثيراً عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، مذكراً بحجم موهبته الفريدة والأثر الذي تركه في مسار الأغنية المصرية الشابة.

رغم ما يبدو في قلة إنتاج ممدوح فوزي، إلا أن التميز يأتي ولو من قصيدة حية، ومن لغته وتجربته الحياتية. وهو له العديد من القصائد التي سيكتَب لها العمر، وربما تظهر له أغنيات جديدة في المستقبل من أشعاره، تركها ولم نتعرف عليها بعد.

عزائي في ندمي على أنني لم أخبره يوماً بأثره فيّ، هو كتابةُ هذا التعريف البسيط عن ممدوح فوزي، الذي استحقّ في حياته الكثيرَ ممّا لم ينلْه، كاغلب شعراء ومبدعي الغناء والموسيقى البديلة في مصر، كما استحق أيضاً ميدو زهير الذي لم يكتشف منجزه الشعري بعد. وأرجو أن نتنبه إلى هذا الأمر بعد أن فقدنا اثنين من أهمّ شعراء الأغنية البديلة.

احذر: المطالبة بالإصلاح ستودي بكم خلف القضبان. هكذا هو الحال في بلادنا وهو حال نرفضه. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا، أن نتجرأ على البوح، وعلى العمل، وعلى إحداث الفرق من دون أن نرتعب من العواقب. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

شكل حياتنا اليومية ستتغيّر، وتفاصيل ما نعيشه كل يوم ستختلف، لو كنّا لا نساوم على قضايا الحريات. "ثقافة المساومة" هذه هي ما يساعد الحكام على حرماننا من حريات وحقوق كثيرة، ولذلك نرفضها، ونكرّس يومياً جهوداً للتعبير عن رفضنا لها، والدعوة إلى التكاتف لانتزاع ما لنا من قبضة المتسلّطين. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard