شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
يبدو أنها يد إلهية...  قراءة نجيب محفوظ كاملاً في عشرة شهور

يبدو أنها يد إلهية... قراءة نجيب محفوظ كاملاً في عشرة شهور

ثقافة

الخميس 3 نوفمبر 202204:35 م

في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2022 أنهيت قراءة الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ. 56 عملاً في عشرة مجلدات أصدرتها دار الشروق نهاية 2021. بدأت الخطةُ في كانون الثاني/يناير الماضي، بخطوة أشبه بدعابة شخصية استمرت شهراً. حصيلة الشهر الأول كتاب "مصر القديمة" الذي ترجمه محفوظ عام 1932 وهو طالب بالجامعة، ورواياته الثلاث عن مصر القديمة، وروايتا "خان الخليلي" و"القاهرة الجديدة".

اتسع الشهر الأول لهذه الأعمال، فتساءلت عن مدى أن يكون 2022 عامَ نجيب محفوظ. مجلدٌ كلَّ شهر؛ قراءة تصاعدية وفقاً لترتيب صحيح يخضع للتواريخ الحقيقية للنشر. قررت استثمار حماسة الانطلاق شهراً فشهراً. وفي نهاية الشهر الثالث وجدتني قد أعدْت قراءة الثلاثية التي تشغل المجلد الثالث.

ورطتني البداية. وفي منتصف الطريق كدت أتراخى، وأتحلل من قيد هذا الالتزام، متعللاً بانشغالات والتزامات حقيقية أو مفتعلة. لو تعثرتُ خطوةً لتكاسلت، وللكسل لذة. تحدّيت نفسي، وأخذتها بالشدة. وكلما أنهيت مجلداً في شهر فرحتُ، وفكرتُ في أن أُهديني استرخاءً محدوداً يمهّد لاستئناف الرحلة. لا استرخاء، ولا سفر. كان يمكن للمجلد الأخير أن يجور على وقته المحدد، ويقفز إلى الشهر التالي، لسفري إلى مهرجان الجونة السينمائي، وكان مقرراً إقامته في تشرين الأول/أكتوبر. فاجأنا تأجيل المهرجان، فانتهيت من القراءة قبل نهاية الشهر بيومين. وبنظرة بانورامية أرى محفوظ في مصاف عبقريات كلٍّ من شكسبير ودوستويفسكي وتشيخوف وكازانتزاكيس وماركيز. ولم تكن بداياته تبشر بهذا القفزات.

عبقرية محفوظ

العبقرية انفجار كوني، سرّ يجهله العباقرة، يزلزل كيانهم، لاتصال أعصابهم بالفولت العالي لقوى عليا. يتلقّـون إلهاماً يتلف الأعصاب والأعمار، ويموتون أو يتوقفون في سن مبكرة، فلا يحتمل الجسد تواليَ انفجارات تُصدّع الجبال. منهم موتسارت، بيتهوفن، رامبو، محمود مختار، سيد درويش، صلاح جاهين، مارادونا. وفي المقارنات التقليدية بين محفوظ ويوسف إدريس وصفوا الأخير بالعبقرية، استشهاداً بمجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي". قصص فارقة يؤرخ بما قبلها وما بعدها، وتؤكد تفرّد كاتبها. ذلك وصف يتجاهل مقدمات المجموعة الصادرة عام 1954. ليحيى حقي تعريف للقصة القصيرة بأن لها مقدمةً طويلة محذوفة. وتحتفظ السجلات بمقدمات "أرخص ليالي" المحذوفة، منذ نشر قصة "أنشودة الغرباء" عام 1950.

أتذكر مارادونا بعد إحرازه هدفاً بيده في مرمى إنكلترا، في مباراة أهّلت الأرجنتين لنهائيات كأس العالم 1986، وكان تعليقه: "يد الله". أتأمل الحصاد الباذخ لنجيب محفوظ، فأعجب لإنجاز 56 عملاً في عمر واحد. يبدو أنها أيضاً يد إلهية

نشرت "أنشودة الغرباء" في آذار/مارس 1950 بمجلة "القصة"، لصاحبها يس سراج الدين المحامي، ورئيس التحرير محمد علي حماد، ومدير التحرير إبراهيم ناجي. قصة تقليدية لم ينشرها إدريس في كتاب. يروي سليمان فياض في "كتاب النميمة" أنه استأذن إدريس في نشر إحدى عشرة تسبق مجموعته الأولى، "فقال لي واجماً من مداعبتي الثقيلة: إنت فعلاً شرير، أدبحك بسكينة تلمة في ميدان التحرير". ويعلق: "لم يكن بين قصصه الأولى ما ينبئ أو يبشر بميلاد القاص المدهش يوسف إدريس". لعل بعض العبقريات ثمرة للذكاء والأعصاب العارية التي تلتقط الإشارات، وتترجمها إلى قفزات باتساع الخيال. القلق والدأب وقودٌ يغذي الموهبة ويصونها، ويحملها إلى مرتبة العبقرية.

"الأحلام الأخيرة"، المنشورة عام 2015، إحدى ذرى الإبداع. من الآثار الإيجابية لجريمة محاولة اغتيال محفوظ أن عجز عن الكتابة، وأملى أحلاماً لم تخلق نقداً يستوعبها. شذرات ومشاهد ونقوش شفيفة تستعصي على التصنيف، تُذيب الحدود بين الأزمنة والأمكنة، يستيقظ الأموات ويحاورون الأحياء، وتنفتح للحالم متاهات لا نهائية. ينخرط مع أصدقائه في مظاهرة ضخمة، ولا يزالون يسيرون ويهتفون، والعمر يتقدم بهم وهم يواصلون السير والهتاف. وتصادفه حديقة، فيدخلها ويتحول "إلى شجرة مثقلة بالبرتقال". وفي "حلم 459" تسابق مع أصدقائه على الجياد حتى بلغوا الميدان، وزادوا السرعة فتفرقوا، "وإذا بجوادي يرتفع عن الأرض رويداً رويداً حتى استوى تمثالاً من البرونز على ارتفاع شاهق".


بنّـاء يؤسس فنّ الرواية العربية

لم تبشر البدايات بأنه سيكون بنّـاءً عبقرياً يؤسس فن الرواية العربية، ويهضم تياراتها، ويستوعب مدارسها، ويتجاوز فتوحاتها. ربما يسأل قارئ بعد مئة عام: هل كان فرداً أم مؤسسة؟ وكيف أنجز هذا الرصيد؟ وما تفسير قدرته على اختصار أكثر من ثلاثمئة عام من المنجز الروائي العالمي؟ لو لم نعش زمنه، ونتابع مراحل حصاده، لقلنا إنه "كان" مؤسسة متكاملة تحمل اسم نجيب محفوظ، لا فرداً يمشي بين الناس من بيته إلى محل وظيفته، حتى تقاعد في سن الستين. وعبر هذه السيرة والمسيرة التقط أشواقَ المواطنين، في وطن يتناهبه الاحتلال والاستبداد، يتذبذب بين هزائم متوالية وانتصار عسكري يتيم، وأحلام تنتهي دائماً بخيبات أمل.

سيرة إبداعية جديرة بالتأمل، تعطي الحالمين المبتدئين آمالاً واقعية في أن يخرج منهم نجيب محفوظ آخر، بل ربما يتجاوز محفوظ (1911 ـ 2006) إذا امتلك جسارة تطوير موهبته ـ بأناة ووعي وأخذ نفسه بالجد اللازم ـ إلى عبقرية تتعدد آثارها، ولا تتشابه ثمارها. السلة المحفوظية فيها الأنواع الأدبية كافة، آثار تقول إنه كان فريقاً من المبدعين لا فرداً. فكيف كانت البدايات؟ كبر محفوظ أمام عينيْ أستاذه سلامة موسى. رعى موهبته ونشر مقالات فلسفية في "المجلة الجديدة"، قبل أن يتلقى محاولات روائية لم يستحسنها. كان موسى محبّـاً صادقاً. لعله أراد، بقسوته، اختبارَ أصالة المعدن الإبداعي للشاب، ليرى هل يصبر أم ينكسر؟

هل كان محفوظ فرداً أم مؤسسة؟ كيف أنجز هذا الرصيد؟ وما تفسير قدرته على اختصار أكثر من ثلاثمئة عام من المنجز الروائي العالمي؟ لو لم نعش زمنه، ونتابع مراحل حصاده، لقلنا إنه "كان" مؤسسة متكاملة تحمل اسم نجيب محفوظ

ولما قرأ سلامة موسى رواية عنوانها "حكمة خوفو"، فرح بها، ونشرها بعنوان "عبث الأقدار" عام 1939. ثم ذهب محفوظ إلى سعيد جودة السحار الذي استقبل الشابَّ الناضج، ونشر روايته الثانية "رادوبيس" عام 1943. وبعد سنوات قدم إلى السحار نحو ثمانين قصة قصيرة نشرت منذ نهايات الثلاثينيات، فانتقى الناشر ثماني وعشرين قصةً ضمتها المجموعةُ الأولى "همس الجنون"، عام 1948، لكن الناشر أصرّ على وضع عام 1938 تاريخاً لنشرها. ولم يكن السحار، عام 1938، قد أسس دار النشر، ولا عرف محفوظ. وفي عام 2001 أصدر السحار لمحفوظ مجموعة عنوانها "فتوة العطوف" تضمّ تسعَ قصص، إحداها "مفترق الطرق" المنشورة أيضاً في "همس الجنون".

تبدأ قصة "مفترق الطرق" برثاء: "زماننا عاثر الحظ أو نحن به عاثرو الحظ، فأينما تولّ وجهك تسمع تنهد شكوى أو ترَ تجهم كدر". والقصص مثقلة بالتقريرية والإغراق في الوصف الظاهري، ففي قصة "أول أبريل" يقول: "وكانت الحياة تسير في بادئ الأمر هنيئة جميلة ممتعة، لا يكدر صفوها مكدر، ولا يظلل صفحتها البيضاء ظل من الحزن أو الفكر، ولكنها لم تلبث أن فرضت عليه ضريبتها التي لا تعفي منها أحداً من بني الإنسان". ويصف الآثم الشرير، وقد همّ بالسرقة والقتل، بأنه فظيع مخيف، "ولكن تأخير الدواء لحظة كفيل بالقضاء على تلك المرأة الشريرة، التي تقع من حياته موقع الزائدة الدودية الملتهبة".

لا أظن محفوظ علم، عام 2001، بنشر قصص يمكن إتاحتها للباحثين لا للقراء، ما دام قد أهملها منذ ستين عاماً. في أعماله التالية تخلص من الكليشيهات، ونفض عبارات مضغتها الأفواه: "رباه!"، "زهرة العمر وميعة الصبا"، "اندفع لا يلوي على شيء"، "قيد أنملة"، "مزق جموعها شرّ ممزق". في قصة "الذكرى" يقول: "فكان عهد التلمذة عهد رعب وإرهاب وعنت". لن نجد هذه الجمل المباشرة في "أصداء السيرة الذاتية"، إذ دعا إلى الثورة وهو دون السابعة. مشى مع الخادمة "كمن يساق إلى سجن" وفي قلبه حنين إلى الفوضى، وفاجأه إغلاق المدرسة، بسبب المظاهرات، فانتشى من السعادة، "دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد!".

من الصخب إلى الهمس

النفور من المدرسة يبدو هينا، لكنه دال على تطور الأسلوب، من الصخب إلى الهمس. في "حلم 329" ثلاثة سطور: "رأيتني جالساً مع أسرتي وإذا نوبة من البكاء تنتابني بلا سبب فكف أهلي عن ضربي وإهانتي لبلادتي في الدراسة"، وأخذته الأم إلى الحسين والسيدة، وتوقف البكاء، وأبدى تفوقاً أدهش أهله ومدرسيه، "وخلقت خلقاً جديداً". وفي "حلم 306": "رأيتني أسير مع أمي وهي توصلني إلى مدرسة خان جعفر الأولية فأجري إلى الشرفة وأتابع أمي وهي تسير نحو مسجد سيدنا الحسين وأقول لها معاتباً: كيف يهون عليك أن تسلميني كلّ صباح لهؤلاء المتوحشين الذين ينهالون على أصابعي بالمسطرة لأتفهِ الأسباب ولغير ما سبب؟!"

سيرة نجيب محفوظ سيرة إبداعية جديرة بالتأمل، تعطي الحالمين المبتدئين آمالاً واقعية في أن يخرج منهم نجيب محفوظ آخر، بل ربما يتجاوز محفوظ إذا امتلك جسارة تطوير موهبته إلى عبقرية تتعدد آثارها، ولا تتشابه ثمارها

لعل دارسي نجيب محفوظ يجدون منه نسخاً تتجاور، ويتجاوز بعضها بعضاً. نسخة القصص الأولى، نسخة الروايات التاريخية التي اكتفى منها بثلاث، نسخة الروايات الواقعية الطبيعية، نسخة الدراما النفسية في "السراب"، نسخة رواية الأجيال في الثلاثية، نسخة الدراما نفسها في أعمال أكثر اختصار، بحكم تراجع الصحة، مثل "الباقي من الزمن ساعة"، نسخة القلق الوجودي والبحث عن معنى، نسخة النقد السياسي الرمزي، نسخة حوار الأنداد في "ليالي ألف ليلة"، نسخة "أصداء السيرة الذاتية" و"أحلام فترة النقاهة". أما رواية "قشتمر" ففيها خدعة سردية. في الصفحة الأولى تعريف بخمسة أصدقاء لا يفترقون، منذ تعارفوا عام 1915 في فناء المدرسة الأولية حتى الشيخوخة، حتى الموت.

صديقان من العباسية الشرقية وصديقان من الغربية، "الراوي أيضا من الغربية ولكنه خارج الموضوع". لماذا خارج الموضوع؟ لا تقدم الرواية تفسيراً، لأنها كلها ناطقة بهذا التفسير للكائن المتعالي، كليّ المعرفة بحياة الأصدقاء الأربعة: النجاح والإخفاق والمجون والتمرد، وتفاصيل علاقاتهم الأسرية، ومصائرهم. الراوي الإله، لا اسم له، ولا أحد يكلمه. لا شيء عن حياته: أسرته، محل إقامته، طبيعة دراسته، عمله، ميوله السياسية والفكرية، هواجسه الشخصية. لكنه يراهم، ويروي عنهم بضمير الجمع: "نحن، نهتدي، تقدمنا، تمنينا، وافقنا"، ولا وجود لضمير المتكلم إلا في الجملة الأخيرة: "وكدتُ أجنح إلى تذكر عازف الرباب القديم، ولكن صادق صفوان أيقظني من سباتي"، وهو يتلو سورة "الضحى".

"أولاد حارتنا"

ولعل محفوظ اختص "أولاد حارتنا" بلعبة سردية لم يكررها. تبدأ الرواية بفصل "أدهم" الذي يصير قاعدة تأسيسية للفصول التالية، كأنه نص مقدس، سيرة شعبية قطفها الراوي من الشفاه وسجلها، فلا تقبل إضافات. والرواة الشعبيون يستدعون النص المحفوظ، ويروونه للأجيال اللاحقة. جمع الراوي حكايات شفاهية، واكتمل له نص سيرة الإنسان، فيكتب عن أدهم: "ومرة جلس في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس. واستيقظ على حركة فرأى غلمانا يسرقون عربته فنهض مهدداً". ويمضي الزمن، ويموت أدهم وأبناؤه وأحفاده، ثم يكتب في فصل "رفاعة" عن تجلي شاعر الحي، وهو يحكي قائلاً: "ومرة جلس في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس"، حتى نهاية المشهد.

السلة المحفوظية فيها الأنواع الأدبية كافة، آثار تقول إنه كان فريقاً من المبدعين لا فرداً

كما يكتب عن ضيق أدهم بملاحقات أخيه إدريس، فيسأله مستنكراً: "متى تقرّ بأنه لم تعد تربطنا صلة؟"، ويمتد بينهما الحوار الذي يرد في فصل "عرفة"، آتياً من قهوة الحي على لسان الشاعر الشعبي.

أما قدري فقتل أخاه همام، ودفن جثته. وأبوهما أدهم أزاح التراب عن الجثة، وأمر ابنه القاتل:

ـ احملْ أخاك!

فقال قدري بصوت كالأنين:

ـ لا أستطيع.

ـ إنك استطعت قتله.

ـ لا أستطيع يا أبي.

ـ لا تقل "أبي"، قاتلُ أخيه لا أب له، لا أمّ له، لا أخ له.

ـ لا أستطيع.

فشد قبضته عليه وقال:

ـ على القاتل أن يحمل ضحيته.

وفي الفصل الرابع وعنوانه "قاسم" يرد النص نفسه، أثناء شرح قاسم لصديقيه أن العبرة بالقوة التي تصنع الخير، فيدخل صوت الشاعر الشعبي وهو يحكي قائلاً: "وهتف به أدهم: احملْ أخاك"، إلى نهاية المشهد.

درس في الإيجاز والبصيرة

أما افتتاحيات الروايات واختتامها فهي درس في الإيجاز والبصيرة والوعي بالزمن. لا أعرف كم مرة قرأت نهاية "ثرثرة فوق النيل". الحوار الغريب بين الصحافية سمارة بهجت وأنيس زكي، "نصف الجنون، نصف الميت". ينشغل عنها محدثاً نفسه:

ـ أصل المتاعب مهارة قرد!

ـ ما كان ينبغي أن تشرب القهوة!

ـ تعلّم كيف يسير على قدمين فحرر يديه.

ـ هذا يعني أنه يجب أن أذهب.

ـ وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة.

ـ سؤال أخير قبل أن أذهب: ألديك خطة للمستقبل إذا تأزمت الأمور؟

ـ وقالوا له عُد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش.

ـ أتستحق معاشاً مناسباً إذا لا سمح الله رفت؟

ـ فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له.

أود أن أختم بهذه النهاية. أي كلام بعدها باهت، فأجدني تجاهلت فلسفة الزمن في أعمال محفوظ. الزمن في "الثلاثية" يقهر أحمد عبد الجواد، الجبار، فيحمله ابنه كمال من الملجأ، بعد غارة في الحرب العالمية الثانية. الزمن يلتهم ذاكرة الشيخ متولي عبد الصمد، فلا يعرف صديقه أحمد عبد الجود المحمول إلى القبر. وكان كمال قد رأى الشيخ يبول على نفسه، فرثى لحاله ومصيره، وقال لنفسه: "لعله كان طفلاً مدللاً عام 1830". الزمن ينتهي بالسلطانة زبيدة، الراقصة المشتهاة، تتسول كوب شاي، ولا تنسى مجونها حين تعرف أن كمال هو ابن رفيق شبابها، فتسأله أمام أصدقائه: "أنت كأبيك أم لا..؟" وتأتي حركة فاحشة.

أما لعبة الضمائر فيتقنها محفوظ كأنه لاعب سيرك، ينتقل بخفة ورشاقة من ضمير الغائب إلى المتكلم، ثم المخاطب بصوت عالٍ أو محدثاً نفسه. يحدث الانتقال والعودة في الجملة الواحدة، بتلقائية ساحرة تخلو من النتوءات، ونعومة يشبهها الانتقال من مشهد إلى آخر في فيلم مشدود بمونتاج ناعم كأنه مشهد واحد متصل. أعيد القراءة لأرى مهارة إتقان هذا كله، وكيف طوّر الموهبة إلى عبقرية؟ وأتذكر مارادونا بعد إحرازه هدفاً بيده في مرمى إنكلترا، في مباراة أهلت الأرجنتين لنهائيات كأس العالم 1986، وكان تعليقه: "يد الله". أتأمل الحصاد الباذخ لنجيب محفوظ، فأعجب لإنجاز 56 عملاً في عمر واحد. يبدو أنها أيضاً يد إلهية. 

Website by WhiteBeard