شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نجيب محفوظ... هل أنقذه الخواجة نوبل من التطاول والنسيان؟

نجيب محفوظ... هل أنقذه الخواجة نوبل من التطاول والنسيان؟

ثقافة نحن وحرية التعبير

الخميس 25 أغسطس 202202:39 م

ضرب نجيب محفوظ مثلاً أعلى في قوة احتمال الأذى، وضبط الانفعالات، أياً كانت المواقف التي وجد فيها نفسه هدفاً للتصويب. مرة واحدة اتخذ ردَّ فعل إيجابياً، عصبياً علنياً في موضع يوجب رحابة الصدر، غيرة على "حضرة المحترم" من انتقاد سليمان فياض، في مجلة محدودة التوزيع. نقْدُ سليمان أوجع محفوظ. ذلك الغضب الاستثنائي أكد قاعدة ذهبية اتبعها محفوظ، وكثيراً ما أكد مسؤولية الكاتب عن النص وحده، وبنشره يصبح العمل مستقلاً، ملكاً للقارئ والناقد، وللسينمائي أيضاً أن يعبث، فيتصرف فيه ويشوهه، في أمان من اعتراض الكاتب. في تلك الفترة، قبل نشر "الحرافيش"، صعد كتاب جيل الستينيات، ولعل البعض رأى البدء بقتل الأب.

لا يبارى محفوظ في الصبر على مكاره بدأت بصمت نقدي دام نحو خمسة عشر عاماً، في بداياته. وعانى عشر سنوات من تبعات موقفه من كامب ديفيد، ورأيه بأن السلام مع العدو قد يفيد. ولم ينقذه من الحرب الباردة إلا جائزة نوبل عام 1988، فاضطر عبّاد الشمس إلى التماس الشعاع، واتجهت إليه أعناق المتطاولين. قال جمال الغيطاني عام 1985، إنه تجاوز محفوظ. وقبل ذلك اقترب شاعران من مجلسه في القهوة، وأمسك كلاهما بمضرب، وتوالى قذف محفوظ بالجبن والخرف. تجاهلهما حتى انتهى من فنجان القهوة، ولم يكفا عن "التلقيح". الرجل الداهية نزع سماعة الأذن، ونفخ عنها الغبار، ووضعها بجوار الفنجان، فانصرفا مخذولين.

وصف أحدهم الأعمال الأخيرة لمحفوظ بأنها ثرثرة عجائز. واحتفلت مجلة "أدب ونقد" بالعيد الستين لميلاد يوسف إدريس، عام 1987، في عدد خاص تضمّن رسالةً إلى إدريس من نجيب سرور الذي اتهم محفوظ بالرمادية والحياد واللامبالاة، لكن إدريس "فوق نجيب محفوظ!"

في تلك الفترة، وصف أحدهم الأعمال الأخيرة لمحفوظ بأنها ثرثرة عجائز. واحتفلت مجلة "أدب ونقد" بالعيد الستين لميلاد يوسف إدريس، عام 1987، في عدد خاص تضمن رسالة إلى إدريس من نجيب سرور الذي اتهم محفوظ بالرمادية والحياد واللامبالاة، لكن إدريس "فوق نجيب محفوظ! ثم أنت تعلم لماذا وكيف حصل نجيب محفوظ على هذا التقدير وذلك التكريم!... ومهما قيل عن (ثورية) نجيب محفوظ فهو لم ولن يكون أبداً ثائراً، وأنت ثائر من الرأس حتى القدمين، وهذا قدرك. ومهما قيل عن عالَم نجيب محفوظ فسيظل عالماً محدوداً دائما في حدود الطبقة الوسطى، أما عالمك فلا تحده حدود... إن عالمك هو كل العالم!".

في بداية العشرية العصيبة، لم يجد الغيطاني ناشراً بيروتياً لكتابه "نجيب محفوظ يتذكر"، لولا حماسة إبراهيم العريس رئيس تحرير مجلة "المسيرة" المدعومة من وزير الإعلام السوري أحمد إسكندر أحمد. يقول العريس إن الغيطاني دهش ولم يصدق، لعلمه بأن دمشق "من أكثر العواصم العربية منعاً لمحفوظ. أما أنا فقد نشرت الحلقات بالفعل ونشرنا الكتاب في الدار" عام 1980. هكذا تعرض محفوظ لضغوط تكفي لإصابة غيره بالانهيار. واحتمل كما احتمل مارلون براندو الحصار النفسي والفني بسبب آرائه. تسجل الفرنسية ماري تيريز جينشار في كتابها "الرجل الخالد" عن عمر الشريف رأيه في براندو، وكيف كادت آراؤه السياسية المخالفة للاتجاه العام "تقضي عليه سينمائياً".

لم يكن يحتاج إلى أقل من زلزال، فطرق الخواجة نوبل بابَه في توقيت مثالي. أنصفته الجائزة وأنقذته، وأعادت الاعتبار إلى أعماله، ودفعت كارهين ومتعالين إلى الركض، ينشدون صداقته، ويباهون بقربه، ويتحدثون باسمه، وينسبون إليه آراء، ويصدرون عنه الكتب. وفي السينما صار اسمه استثماراً وعنواناً للوجاهة. قبل الجائزة لم يختلف عن آخرين تنتقل قصصهم إلى السينما. لوحة "قصة نجيب محفوظ" في بدايات الأفلام حتى عام 1988، صارت في فيلم "قلب الليل" عام 1989 "قصة الحائز على جائزة نوبل في الآداب لعام 1988 نجيب محفوظ". ثم "عملاق الأدب العربي والعالمي نجيب محفوظ" في فيلم "نور العيون" الذي لا علاقة له بقصة محفوظ.

من ثمار زلزال نوبل إتاحة "أولاد حارتنا". تقرير الجائزة ذكر أربعة أعمال منها "أولاد حارتنا" التي نشرتها كاملة صحيفة الأهرام عام 1959. واعترض المشايخ، فقرر محفوظ ألا تُنشر في مصر إلا بموافقة الأزهر. وظلت طبعة دار الآداب البيروتية تباع في مكتبة مدبولي، ولم يستنكر اليمين الديني وجودها السرّي العلني. وحين فاز محفوظ بنوبل بدا الأمر حسداً لا يستطيعون إخفاءه. مما صدر عنها كتاب "كلمتُنا في الردّ على أولاد حارتنا" للشيخ عبد الحميد كشك، و"أولاد حارتنا فيها قولان" لمحمد جلال كشك. وقال عمر عبد الرحمن للكاتبة الأمريكية ماري آن ويفر: "لو أننا عاقبنا نجيب محفوظ على كتابته لما جرؤ سلمان رشدي".

قال عمر عبد الرحمن للكاتبة الأمريكية: "لو أننا عاقبنا نجيب محفوظ على كتابته لما جرؤ سلمان رشدي"

الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن أفتى بقتل محفوظ. وقعت الجريمة في 14 تشرين الأول/أكتوبر 1994. وسرعان ما صدرت الرواية في عدد خاص من صحيفة "الأهالي" الحزبية، في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1994. وكتب الباحث النبيل حسام تمام أن تنظيم الإخوان اتهم عبد المنعم أبو الفتوح "في عقيدته حين زار نجيب محفوظ وطالبه بإعادة نشر رواية (أولاد حارتنا)، بحيث اعتبروا ذلك خروجاً على العقيدة". كما زاره الشيخ محمد الغزالي، كاتب تقرير المنع، وأثيرت قضية "أولاد حارتنا"، وأعاد محفوظ القول إنه لن ينشر الرواية في مصر إلا بموافقة الأزهر، وعلقت زوجته بأن الرواية في أيدي القراء، فقال الغزالي بخشونة إن السموم محظورة وتنتشر بين الناس.

توفي محفوظ في 30 آب/أغسطس 2006. ولم ينته ذلك العام إلا بنشر دار الشروق في القاهرة للرواية، بمقدمتين للدكتور أحمد كمال أبو المجد. الأولى كتبها قبل وفاة محفوظ بثمانية أشهر، والثانية هي نص مقال نشره في الأهرام في 29 كانون الأول/ديسمبر 1994. وحمل الغلاف الخلفي كلمةً للأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين محمد سليم العوا. انحاز العوا إلى الوجه الحسن للتأويل، داعياً القارئ إلى قراءة الرواية "كيف يشاء، وليفهم كيف يشاء". نشرت الرواية في صحيفة "الأهالي"، ونجا محفوظ. وحكم على عمر عبد الرحمن، عام 1996، بالسجن مدى الحياة، بتهمة الإرهاب، في أمريكا التي سهلت دخوله، بمنحه تأشيرة من سفارتها في السودان.

في كتابها "صورة لمصر.>. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة" تسجل ماري آن ويفر أن أمريكا أسست، في بروكلين، مركزاً لمساعدة المقاتلين في أفغانستان، إشراف عبد الله عزام، وإدارة مصطفى شلبي، المصري الذي استقبل الشيخَ وأكرمه، وفي آذار/مارس 1991 عُثر عليه في مسكنه مقتولاً. وكان قد اختلف مع الشيخ، واتهم باختلاس نحو مليوني دولار من تمويلات "الجهاد". الكاتبة سألت الشيخ عن علاقته بشلبي، فأجاب: "أنا لا أعرف هذا الرجل". الكاتبة تسجل أيضاً قول عبد الصبور شاهين لها إنه أصرّ على إخراج الدكتور نصر حامد أبو زيد من جامعة القاهرة؛ كيف يقوم مرتدّ بتدريس القرآن؟ "نعم القتل هو العقوبة الشرعية للمرتد".

جاءت جائزة نوبل، عصا موسى، فأبطلت السحر كله، وقطعت قول كلِّ خطيب، وأعفته من التجهم والغضب واتهام هذا أو ذاك بقلة الأدب. شلالات الضوء أنقذت محفوظ من النسيان، وجنّبته مصائر آخرين ملأوا الدنيا كتابة وجدلاً

أغرتني المصائر بهذا الاستطراد. أعود إلى زلزال نوبل. قبل الزلزلة قرأت كتاب "بانوراما الرواية العربية الحديثة" للدكتور سيد حامد النساج. من حسن حظنا انتداب الدكتور سيد البحراوي من كلية الآداب إلى كلية الإعلام، لتدريس الأدب الحديث، بأفق مفتوح لا يحده منهج ولا كتاب مقرر. فاجأنا وجود أستاذ جامعي يشبه عموم الطلاب، متحرراً من ربطة العنق والبدلة الكاملة، منزّهاً عن التسوّل بفرض كتابه. أستاذ نبيل بحق، لا ادعاء ولا اشمئناط. ينحاز إلى الجمال، ولا يخفي انتماءه الماركسي. يحب أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وعبد الحكيم قاسم. في ذلك السياق قرأت كتاب الدكتور النساج عميد كلية التربية بجامعة حلوان، وتواصلت معه.


اعتدت زيارة الدكتور النساج في بيته ومكتبه، وأهديته مجموعتي القصصية الأولى "مرافئ للرحيل" عام 1993، وكتب عنها. ولم أصارحه بأن كتابه صدّني لسنوات عن قراءة أعمال لمحفوظ، وفي مقدمتها "قلب الليل". أثنى النساج على الأعمال الصادرة قبل عام 1967، "وبعدها حدثت النكسة الفنية لنجيب محفوظ نفسه". واعتبر مجموعاته القصصية ورواياته التالية ليست جيدة فنياً وموضوعياً، "وإنما هي نكسة فنية حقيقية". وانتقد مخالفة محفوظ لموقف المثقفين العرب من اتفاقيات كامب ديفيد، وأدى موقفه إلى تراجع حماسة القراء العرب لأعماله التي تتسم بالرجعية الفنية، فمن يقرأ "قلب الليل" لن يظن أنها لمحفوظ، "إذ هي أقرب إلى أن تكون إحدى محاولات كاتب ناشئ".

الدكتور سيد حامد النساج

رواية "حضرة المحترم" يدرجها النساج ضمن "الخط الهابط المرتد إلى الوراء. هي الأخرى رواية تقليدية عادية... هذه في تصوري هي مرحلة الرجعية الفنية أو الردة في تاريخ نجيب محفوظ. يعود فيها إلى سابق عهده بالكتابة في أوليات حياته الأدبية". وكانت أعماله الاجتماعية أنضج فنياً، ومنحته مكانة الريادة، وظل فارس الميدان منذ "الثلاثية". وفي رواياته الرمزية أثبت قدرته كفنان مرتبط بمجتمعه، "ولا ينعزل عن التيارات الفنية العالمية"، فبعد قفزته الكبرى في "الثلاثية"، انفعل مع التحولات الجديدة الناتجة عن ثورة 1952، وكتب "أولاد حارتنا" و"اللص والكلاب" و"السمان والخريف" و"الشحاذ" و"الطريق". في هذه الأعمال "إضافات فنية، شغلت النقاد وصرفتهم عن غير نجيب محفوظ".

لعل محفوظ خذل النساج الذي يحبه، فبالغ في العتاب. في "ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" اتخذ موقفاً مفهوماً مما يجري حوله، لكنه ابتداءً من "المرايا" عام 1972 "لم يعد موقفه مفهوماً. ولا فنه مقبولاً". قسا النساج. ومن مواقف لمحفوظ، ومن أعماله التالية لهزيمة 1967، رسم لوحة ختامية لفيلم، ربما ينسى المشاهدون التفاصيل، وتبقى بصمة مشهد أخير رأوه "مرحلة الهبوط الفني عند نجيب محفوظ". ولا أعلم أن محفوظ أبدى تحفظاً على رأي النساج أو غيره. كتم الغيظ، ولم تسعفه نفسه على قبول نقد سليمان فياض لرواية "حضرة المحترم". في "كتاب النميمة" قال فياض إن محفوظ سأله مستنكراً: "دا نقد؟ أنت قليل الأدب".

سليمان نشر الواقعة في فصل عنوانه "البناء العظيم"، ولم ينشر مقاله، لكن عبده جبير نشر المقال في كتابه "قصص قصيرة مع نجيب محفوظ". في عام 1977 أصدر مجلة "كتب جديدة" شهرية مخصصة لعروض الكتب، واختار "حضرة المحترم" موضوعاً لغلاف العدد الأول. حمل سليمان على "حضرة المحترم"، وضايقه ما رآه مقولات تقريرية ومباشرة، وثبات مستويات الحوار، "وبنفس التقارب الفكري والنفسي... ويمكن لنا أن نبلع ذلك على مضض في روايات نجيب وأقاصيصه الذهنية في مرحلته التجريدية، مع تحفظنا الشديد حيالها فنياً". وأنهى المقال بأن الرواية افتقدت ديناميكيتها، "ومرة أخرى أشعر بأن كاتبنا الكبير يتسرع بنشر مسودة روايته، في مشروعها الأول، وتخطيطها المبكر".


كتب سليمان: "في ذلك اليوم حمدت الله أنني لم أصرْ ناقداً". فشل رهانه على وفاء محفوظ بكلامه المحفوظ عن حق القراء والنقاد في انتقاد أدبه. الكاتب الكبير تجهم وانفعل، واتهم الناقد بقلة الأدب. ثم جاءت جائزة نوبل، عصا موسى، فأبطلت السحر كله، وقطعت قول كلِّ خطيب، وأعفته من التجهم والغضب واتهام هذا أو ذاك بقلة الأدب. شلالات الضوء أنقذت محفوظ من النسيان، وجنّبته مصائر آخرين ملأوا الدنيا كتابة وجدلاً، ثم أسدل ستار المسرح، وانطفأت الأضواء، وقد تضاء في ذكرى الوفاة. من يذكر الآن توفيق الحكيم؟ أما محفوظ فحاضر طوال الوقت، ولا ننتظر مناسبة للكتابة عنه، وبدون مناسبة كتبت هذا المقال.

مستمرون في كسر الصمت الذي ورثه بعضنا من الآباء حتى ظنّ أن للحيطان آذاناً بالفعل... نحن في حاجةٍ إلى مساعدتكم. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

نرفض تحويلنا إلى كائنات خائفة يسهل حكمها. لذلك كنّا وسنبقى موقعاً يرفع الصوت ضد كل قمع لحرية التعبير ويحتضن كل الأفكار "الممنوعة" و"المحرّمة". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard