ملِك فانٍ لمُلك لا يزول... الحكاية الأخيرة للشاب خالد

الثلاثاء 8 نوفمبر 202203:05 م

صنع فيديو اللقاء الذي أجراه مغني الراي جزائري الأصل والمولد الشاب خالد خلال الأيام الماضية في مقرّ إذاعة مونت كارلو الدولية الفرنسية مع الإعلامية المصرية سميرة إبراهيم الحدثَ، خصوصاً حين انفجر صاحب الضحكة المميزة باكياً، بعد أن سألته عن مصدر سعادته، ليردّ بأن به حزناً شديداً.

لا أحد يعلم حقيقة ما يعيشه الشاب خالد، هو الذي فقد والدته منذ فترة قريبة، بالإضافة لما يواجهه في الداخل الجزائري من حالة غضب شعبي، متجلية على مواقع التواصل الاجتماعي الجزائرية بسبب الزجّ باسمه في الخلاف بين الجزائر والمغرب، ولكن المعروف أن الشاب خالد من أكثر النجوم ذكاءً في اقتناص الفرص، مذ أطلق أول ألبوماته وهو في سن الرابعة عشرة بالكاد.

ضاحك باكي

يبدو أن آخر ألبومات "الكينغ خالد" لم يعرف النجاح المتوقع، خصوصاً وأنه شهد تسريباً على مختلف المنصات قبل مرور أسبوع على صدوره، ما تسبّب على ما يبدو في إلغاء حفل إطلاقه، قبل أن يصدر الفيديو كليب الرسمي له، بعنوان "كام توغادر"، الذي جاء بدوره مخيباً، حتى أن عدد مشاهداته تعدّت بالكاد ثمانية ملايين على منصة اليوتيوب، مما لا يتناسب إطلاقاً مع نجم عالمي بحجم خالد.

على الرغم من كون "ملك الراي" من أكثر النجوم تريثاً في إصدار الجديد، بمعدل ألبوم كل خمس سنوات تقريباً، قبل أن تتحول إلى سبع سنوات هذه المرة، فإنه يتربع على عرش تراث غنائي مميز، إذ يُعدّ من أوائل مغني "الراي" الذي ربطته عقود مع شركات إنتاج عالمية عملاقة، مع تحول الإنتاج الموسيقي إلى اقتصاد قائم لوحده، والذي يمتلك الكثير من الأغاني الذي دخلت الـ"دي إن إيه" الجزائري، وعاصر مختلف مراحل تطور موسيقى الراي، مذ رافق الآباء المؤسسين، حتى بداية بروز الراي إلى ساحة القبول الرسمي، قبل أن يتحول إلى أحد رموز هذا الفن عالمياً، مستفيداً من المأساة الجزائرية خلال سنوات التسعينيات، وحتى بعد تراجع حضور هذه الموسيقى عالمياً.

في حوار الشاب خالد على الإذاعة الفرنسية ما يشير إلى أسباب فشل هذا الألبوم، فقد عبّر ضمنياً أن شركة "يونيفرسال" فرضت عليه قيوداً كثيرة، حاول أن يتحرَّر منها من خلال إنتاجه لنفسه بمساعدة زوجته.

ربما ما غفل عنه هو كون هذا الألبوم جاء في شكل استنساخ لأهم نجاحاته العالمية، مع استعادة لأغنيتين هما "طريق الليسيه"، التي صنعت مجده، وسبق له استعادتها في ألبوم، وقدمها هذه المرة بمشاركة "الدي-جي سنايك" أو "ويليام سامي"، ذي الأصول الجزائرية الفرنسية، مستفيداً من شعبيته المستجدة في الترويج للجزائر، كما "لاتس ذوبيبول" التي قدمها لأول مرة مع عازف القيثار العالمي "كارلوس سنتانا".

الملاحظ أن مؤدي "الراي" خلال العقد الأخير غدوا يتجنبون تسمية "شاب" التي تسبق أسماءهم، ربما قناعة بأن "الراي" خالد، أو حتى لا يحكموا على مسيرتهم بالفناء إذا ما شابوا، كما فعل سابقوهم، أو حتى يبرزوا تميزهم، وانتماءهم لصوت الشارع الجزائري

"كام توغادر" جاءت تشبه أغنية "سي لا في" لكنها تفتقر إلى روحها، في حين قدم أغنية هندية تشبه لحدّ بعيد رائعته "الهربة وين"، التي صدرت منذ ما يزيد على عشرين سنة.

بضع الأغنيات الباقية لم تشبه في شيء روحَ موسيقى "الراي"، فبدت الكلمات كمن ألصق عباراتٍ متناثرةً لتحويل ألحان إلى أغنيات، أشبه بما فعل في ألبومه ما قبل الأخير، الذي تحولت الكثير من كلمات أغنياته إلى "ميمز" في الجزائر، إذ لم يجد ألبومه الجديد صدى ولا اهتماماً مقارنة بما درج عليه "الملك".

عثرة الشاب خالد أيضاً هذه المرة هو رهانه على انتشاره العالمي كفنان، متنكراً للون الراي، والذي صنع عالميته في النهاية، فما يغلب على أغنيات الألبوم هو اللحن والأجواء المرحة وقصر مدة الأغاني، عكس المنتظر من القاعدة الجماهيرية داخل البلاد، والتي تملك خبرة في التعاطي معه كفنان، ومع موسيقى الراي تحديداً، وهي التي مجدته.

حاول الشاب خالد تقديم ألبوم "إكزوتيكي" غرائبي يخاطب جماهير أوسع عبر العالم، بالسباحة وحيداً في وجه عمالقة الإنتاج الموسيقي.

هل راهن "خالد" على موت الراي؟

لم تكن الموسيقى يوماً بمنأى عن السياسة في الجزائر، حتى أن النشيد الرسمي للحركة الشعبية التي سميت "حراكاً" سنة 2019 استمد من أغنية تتردد داخل الملاعب، وهي التي ستشكل جزءاً من لون موسيقي ظهر منذ سنوات، وأخذ في التطور والتبلور في الجزائر، يطلق عليه "الزنقاوي"، تسيطر عليه إيقاعات مستمدة من أجواء الملاعب الحماسية، وكلمات تحكي معاناة الشباب وأحلامهم وانكساراتهم الاجتماعية.

بروز هذا اللون خلال السنوات الأخيرة، جعل الكثيرين يشكون في تلاشي الراي، وتراجع حضوره، ما يمكن أن يبرر تنكر خالد لهذا اللون في ألبومه الأخير، ولكن المتابعين لواقع الموسيقى الجزائرية سيدركون خطأ هذا التحليل، فـ"الراي" ارتبط منذ ظهوره بأجواء الاحتفال والفرحة، وبالممنوعات الاجتماعية من فضاءات، كما تمجيد الجسد، والخوض في سير العشق، بلا سقوف، وبالأعراس والحفلات التي توقفت خلال أزمة كورونا، وهو الأمر الذي ينطبق على الزنقاوي أيضاً، ولكن الأول أكثر حضوراً في اليومي الجزائري، وترسخاً من الثاني خصوصاً في الاحتفال.

عثرة الشاب خالد، أيضاً هذه المرة هو رهانه على انتشاره العالمي كفنان، متنكراً للون الراي، والذي صنع عالميته في النهاية، فما يغلب على أغنيات الألبوم هو اللحن والأجواء المرحة وقصر مدة الأغاني، عكس المنتظر من القاعدة الجماهيرية داخل الجزائر

ويكفي للاستدلال على الأمر مراجعة أرقام المشاهدات التي حظيت بها الأغاني التي صنعت "الترند" خلال هذا الصيف، بعد الخروج الرسمي من الوباء، والتي تنتمي إلى الراي بفروعه المختلفة، انطلاقاً من أغنية "زهري وين وأنا وين"، التي أصدرها شاب غير معروف "أمون"، وجاءت أقرب لأجواء موسيقى "الواي واي"، "لي يجرح ما يداويش" التي أصدرها "ماميدو" والتي جاءت قريبة من لون "المداحات"، وهي موسيقى تقليدية من غرب الجزائر، تؤديها نسوة عادة، كما أغنية "شعرة وندير أ في سي" للمدعو "أمين ماتلو"، وهي أغنية راي حزينة بإيقاعات رايوية تقليدية، ولا يمكن مقارنة نجاح أيٍّ من هذه الأغنيات لوحدها مع نسبة الاستماع لألبوم "الشاب خالد" الجديد الذي لم تتجاوز نسبة المشاهدة للفيديو كليب الرسمي ربع مشاهدات،أيّ من فيديوهات هذه الأغاني التي صورت بطرق تكاد تكون بدائية، تعد الواحدة منها عشرات الملايين خلال أسابيع قليلة بالكاد، يعززها نجاحها على منصات التواصل الاجتماعي خاصة "تيك توك" التي يبدع الشباب والمراهقون في استعادة هذه الأغنيات.

رهان الشاب خالد لم يتوقف عند التنكر لأبجديات فن الراي، وخصوصية جمهوره الجزائري، بل أيضاً للاقتصاديات التي تحكم سوقه في الجزائر، فمن المعروف أن سبب تسجيل الفيديوهات من الأستوديو، وبثها على موقع اليوتيوب، وتداولها عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، أو فيديوهات البث المباشر، الهادفة إلى جذب المزيد من الحفلات، وما يقابلها من عائد، وليست منصات كـ"سبوتيفاي" وما شابهها، التي تستوجب أن يدفع المنتسب لها مقابلاً عن كل استماع، احتراماً لحقوق الملكية الفكرية وغيرها من الأمور التي تبدو بعيدة عن اهتمامات سوق "الراي" قديمة وجديدة، إذ تتكرر لوازم في كثير من الأغنيات، كما يحدث (وإن صار الأمر نادراً) أن يعاد استغلال ألحان معروفة، ما جعل الكثير من رموزه يعيشون ظروفاً معدمة عند تقاعدهم.

كان الشاب خالد أول من سبق لقب "شاب" اسمه، ربما في مواجهة لكلمة "شيخ"، وهي الألقاب التي كان يعرف بها مؤدو "الراي" الأوائل، والتي تنطبق على كل المغنين الذين أدوا الأغاني ذات الطابع التقليدي عموماً (عكس الموسيقى العصرية)، هو الذي بدأ صغيراً جداً، وأصدر أولى ألبوماته بسن الرابعة عشرة.

وللشيخ والشيخة واجب إصدار الرأي في تلك الأغاني، ويشار لحالة السلطنة بـ"الشيخة" في كثير من المناطق. والملاحظ أن مؤدي "الراي" خلال العقد الأخير غدوا يتجنبون تسمية "شاب" التي تسبق أسماءهم، ربما قناعة بأن "الراي" خالدٌ، أو حتى لا يحكموا على مسيرتهم بالفناء إذا ما شابوا، كما فعل سابقوهم، أو حتى يبرزوا تميزهم، وانتماءهم لصوت الشارع الجزائري الذي يعتاش في وعلى الظل والهامش، حتى كلمة "راي" كان يرددها صغار المعمرين في بداية القرن الماضي بمدينة وهران، كما تذكر مؤرخة "إيف سان لوران"، وتعني ما هو حقير، من مستوى أخفض يعبر الأزمنة، ويطور من ألوانه وأدواته، كوطن دائم الوجه، وإن مات الملك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard