شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"العهد القوي" لميشال عون انتهى... "خرج بطلاً" أم "رحل غير مأسوف عليه"؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الثلاثاء 1 نوفمبر 202201:26 م

انتهى "العهد القوي"، كما يُحب العونيون أن يُطلقوا على المرحلة الممتدة من العام 2016 إلى يوم أمس، الإثنين 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وهي الفترة التي تولّى فيها زعيمهم ميشال عون، سدة رئاسة الجمهورية، والفترة التي شهدت على أحداث كثيرة لم تبدأ بالاحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أو انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020 الذي خلّف مئات القتلى والجرحى ودمار جزء كبير من المدينة، وطبعاً لم تنتهِ بالانهيار الاقتصادي الذي يُعدّ من بين الأسوأ عالمياً.

يوم الأحد 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، احتشد العونيون في بعبدا، مكان إقامة الرئيس، أو "رئيسهم"، كما ردد كُثر من اللبنانيين المعارضين للعهد. احتشدوا في احتفالية وداع رفضوا أن يصفوها بنهاية مرحلة، بل بداية "نضال جديد" كما أسموه، في وجه "كُل من منع رئيسهم من تحقيق الإصلاحات" الموعودة. وفي لبنان، كان رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل، يردد دائماً في مجالسه ومؤتمراته كلمة "ما خلّونا" (لم يسمحوا لنا)، حين سؤاله: لماذا لم يقم التيار بالإصلاح كما وعد؟

أعدّ العونيون العدة ليوم الوداع، وحشدوا كل قواهم لإظهار الصورة التي يودون إيصالها إلى الرأي العام. حضروا من مختلف المناطق اللبنانية بمواكب سيّارة، حملت صور "رئيسهم" عون وأعلام تيارهم، ووصلوا إلى باحة قصر بعبدا، حيث كان في انتظارهم رفاقهم الذين باتوا ليلتهم في خيم نصبوها في الحرج المقابل للقصر، ليخرج عون إلى الحشود ويوجه رسالةً إلى أنصاره واللبنانيين لم تخلُ من "لطشات" للجميع. فبنظر عون والعونيين معظم السياسيين عملوا على إفشال العهد، الذي أراد الخير للبنان، لكن أيضاً: "ما خلّوهم".

بنظر عون والعونيين معظم السياسيين عملوا على إفشال العهد، الذي أراد الخير للبنان، لكن أيضاً: "ما خلّوهم"

خروج الأبطال

يقول الناشط في التيار الوطني الحر، رامي صدقة، لرصيف22، إن "الرئيس عون دخل بالقوّة الشعبية إلى قصر بعبدا ولا يخرج من القصر إلا بمواكبة هذه القوّة الشعبية. زرنا القصر لنشكر الرئيس على صلابته بالرغم من كل المؤامرات التي حيكت ضده"، مؤكّداً أن الناس احتشدت وتأثّرت لخروج الرئيس عون من القصر، وبعضهم كان يبكي لارتباطه معنوياً وعاطفيّاً بالرئيس.

يرى العونيون أن العهد نجح وحقق الكثير من الإنجازات، إذ تعدد القيادية في التيار الوطني الحر رندلى جبّور، هذه الإنجازات، فتبدأ من "توقيع مراسيم النفط وترسيم الحدود البحريّة وهذا أكبر إنجاز بالنسبة إلى لبنان الذي يدخل إلى النادي النفطي في عهد ميشال عون، كذلك إعلانه الحرب على الإرهاب ومعركة فجر الجرود، إذ لم يتجرّأ أحد من قبل الرئيس عون أن يأخذ هكذا قرار"، وتضيف: "الرئيس عون أعاد إلى موقع الرئاسة هيبته وإلى الحضور المسيحي الدور الفاعل وليس التبعي، أو أنه شكليًّا لدينا رئيس جمهورية، لا بل هو مارس هذا الدور فعلياً وقدّم ملفات كثيرةً إلى القضاء، ومنها ملفات الفساد".

كلام القيادية في التيار الوطني الحر، هو نفسه تردد ويتردد على لسان من كانوا في بعبدا، ومن لم يستطيعوا القدوم ولكنهم مؤمنون ومُقتنعون بالسردية العونية كاملةً من دون شك أو سؤال. تشير جبّور لرصيف22 إلى أن عون "أطلق مسار التدقيق الجنائي، وهذا ما كشف المنظومة وزعزعها وغيّر قواعد اللعبة"، والأهم، "لولا محاربة الآخرين من الداخل والخارج للرئيس عون، ولو لم يُدفع المال لكسره، لكان هذا أكثر عهد قد سجل إنجازات"، تقول جبور.

رجل الصمود

تشرح القيادية العونية التي غالباً ما أثارت جدلاً بسبب مواقفها: "يرى العونيون أنه بمجرد أن بقي الرئيس ميشال عون واقفاً على رجليه بعد حرب طويلة تكثفت خلال السنوات الثلاث الأخيرة بكل الوسائل من ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، إلى الحروب الإعلامية والسياسية والاقتصادية والمالية التي انفجرت في وجهه، فهذا بحد ذاته إنجاز يدلّ على مدى صمود هذا الرجل الذي لديه صبر وروية وحكمة ولا ينفعل ويأخذ قرارات عشوائيةً".

وشهد لبنان عام 2019، احتجاجات شعبيةً كبيرةً في غالبية المناطق اللبنانية رفضاً للطبقة الحاكمة، وترددت شعارات تحمّل عون وصهره باسيل جزءاً من المسؤولية حول ما وصل إليه لبنان، استقال على إثرها رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، قبل أن تقوم الأحزاب الحاكمة نفسها، ومن ضمنها التيار العوني، الشريك الأساسي في السلطة منذ عودة عون عام 2005، بتشكيل حكومة يرأسها حسان دياب، مع تراجع الاحتجاجات بسبب عوامل عدة، منها جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي استفحلت وجعلت اللبنانيين يتلهون في البحث عن سُبل البقاء.

رأي عوني: الرئيس عون أعاد إلى موقع الرئاسة هيبته وإلى الحضور المسيحي الدور الفاعل وليس التبعي، لا بل هو مارس هذا الدور فعلياً وقدّم ملفات كثيرةً إلى القضاء، ومنها ملفات الفساد

"عند المغادرة، أكثر شيء يحضر في ذهني هو حجم العطاء الذي حاول الرئيس أن يقدّمه إلى هذا الوطن، وكم هو محترم وشفاف ونظيف، إلا أنهم أضاعوا على كل لبنان هذه الفرصة الذهبية لكي يستثمروا في مشاريعه ووطنيّته، فأولاً كُنت أشعر بالأسف لأنه كانت لدينا فرصة واليوم هذه الفرصة انتهت وسوف تبدأ بطريقة ثانية، ولكن الواقع يقول إنه كانت هنالك فرصة لم يستغلها لبنان، ولا أعلم إن كان بإمكاني القول إنه بسبب غسل عقل الناس من خلال الإعلام والمال والسياسة جرى ما جرى"، والكلام لجبور وهو ما سمعه اللبنانيون ممن كانوا في حفل الوداع في بعبدا.

الصورة المعاكسة

مشهد خروج عون من بعبدا، والاحتفالية التي أقيمت له، قابلها مشهد مغاير في الكثير من المدن والمناطق اللبنانية التي احتفلت بما أسمته "نهاية عهد الذلّ"، ولدى هؤلاء لائحة طويلة من الوقائع التي برأيهم تُثبت أن العهد كان فاشلاً وأوصلهم إلى الدرك السفلي مع تفشي الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة وتراجع الخدمات بشكل لا مثيل له.

بالنسبة إلى كثيرين، كان عون على رأس هذه السلطة بصفته رئيساً للجمهورية، وهو يمتلك كتلةً نيابيةً وازنةً ولديه حصّة الأسد في التعيينات الوزارية والقضائية، وذهب البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى تحميله مسؤولية انفجار المرفأ كونه كان يعلم بوجود نيترات الأمونيوم في داخله من دون أن يحرّك ساكناً.

وذهب معارضون آخرون إلى استعراض خطب الجنرال مع شعاره الأشهر "لعيون الصهر ما تتشكل حكومة"، في إشارة إلى سياسة التعطيل التي انتهجها عون من أجل توزير صهره في الحكومات، والأخير مع تياره استلم وزارات أساسيةً في البلد منذ العام 2008، منها الطاقة، ونُشرت صور السدود الفارغة من المياه والمدن اللبنانية الغارقة في العتمة في إشارة إلى تحميل فريق الرئيس مسؤولية صرف مليارات الدولارات في وزارة الطاقة على مشاريع فاشلة.

كان عون على رأس هذه السلطة بصفته رئيساً للجمهورية، وهو يمتلك كتلةً نيابيةً وازنةً ولديه حصّة الأسد في التعيينات الوزارية والقضائية

الزبائنية والطائفية

ملاك شبشول، إحدى ضحايا السياسة الطائفية التي انتهجها العهد. تقدمّت ملاك إلى مجلس الخدمة المدنية ونجحت مع 400 من زملائها لنيل وظائف متعددة، إلا أن الرئيس عون لم يوقّع على مرسوم توظيفهم وبقي المرسوم في أدراج القصر بحجّة عدم المناصفة في النتائح بين المسلمين والمسيحيين، ضارباً بعرض الحائط نص المادة 95 من الدستور التي تنص على إلغاء مبدأ الطائفية لصالح الكفاءة والجدارة، وأن التوازن الطائفي لا يتم إلا في وظائف الفئة الأولى.

تقول ملاك لرصيف22: "سألنا رئيس الجمهورية لماذا لم توقّع مراسيمنا لنلتحق بوظائفنا، فكان الجواب أنه لا توجد مناصفة. كان في حينه صهره جبران باسيل وزيراً للخارجية، وكان هناك 13 مرسوماً بحاجة إلى توقيع الرئيس. وقّع الرئيس فقط المرسوم المتعلق بوزارة صهره، ورفض توقيع المراسيم الأخرى".

وتشير إلى أن "مجلس الخدمة المدنية بشهادة الجميع من أنزه الإدارات، لكن عهد عون ضرب المجلس وحوّل موضوع التوظيفات إلى زبائنية، بحيث ألحق 5،000 موظّف ومعظمهم ليسوا في حاجة إليهم، ومنهم من حل بدلاً منا في وظائفنا، كما حصل في وزارة الاتصالات، وتركونا خارج الوظيفة، وهذا ما يشعرنا بالحزن الشديد".

التنكر للحلفاء

الباحث السياسي حسن الدر، وفي حديثه إلى رصيف22، يشير إلى أن عهد الرئيس عون بدأ بشبه إجماع وطني؛ كتل وازنة من جميع الطوائف دعمت وصوله إلى رئاسة الجمهورية، وأيضاً كان هناك غطاء إقليمي ودولي واضح، لكن بمجرد أن وصل إلى كرسي الرئاسة تنكّر لجميع حلفائه، ما عدا حزب الله، لحاجته إليه، كما تنكّر لتيار المستقبل والقوات اللبنانية ووليد جنبلاط وغيره.

ووصل عون إلى بعبدا في تسوية محلية مرضيّ عنها إقليمياً، أتت به رئيساً وبالحريري رئيساً للحكومة، سبقها اتفاق معراب الذي وقعه العونيون مع خصمهم اللدود "القوات اللبنانية"، وسُميّ آنذاك "أوعى خيّك"، في دلالة على حماية بعضهم البعض "كمسيحيين"، لكن سرعان ما انقلب عون على الاتفاق الذي كان يضمن للقواتيين حصّةً في السلطة، كما انقلب على تفاهماته مع الحريري بعد أن أمّن له الأخير انتصاراً كبيراً في الانتخابات النيابية التي جرت عام 2018.

سرّع عون الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي بسبب سوء إدارته للأزمات، فرئيس الجمهوريه وظيفته في روح الدستور حماية وحدة البلاد، لكنه كان رمزاً للتفرقة وللمعارك وللحروب التي لم تأتِ بأي فائدة

لم يمارس عون دور الأبوّة التي ادّعاها، فبحسب الدر، "عمّق الجنرال الانقسام السياسي في ظروف كان واضحاً أنها قاسية وكان واضحاً أننا في طريقنا إلى مأساة اقتصادية، أشار إليها وزير المالية في ذلك الوقت علي حسن خليل، في مقابلة تلفزيونية، عندما دعا إلى إعادة هيكلة الدين العام وقامت الدنيا ولم تقعد حينها. ومن القصر الجمهوري طُلب من الوزير خليل إعادة النظر في تصريحه، حتى لا يضرب النظام المصرفي".

ويعتقد العونيون أنهم يواجهون السياسات المصرفية لرياض سلامة، حاكم مصرف لبنان، الذي يحملونه مسؤولية الانهيار الذي حصل ويطالبون بإقالته، وكان عون في اجتماع وزاري في أيار/ مايو 2017، قد اقترح من خارج جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء في حينها، تعيين سلامة حاكماً لمصرف لبنان لمدّة 6 سنوات إضافية، فوافق المجلس على هذا الأمر بالإجماع.

جنرال الثمانينيات

يؤكّد الدر، أن "عون سرّع الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي بسبب سوء إدارته للأزمات، ورئيس الجمهوريه وظيفته في روح الدستور حماية وحدة البلاد واستقرارها، لكنه كان رمزاً للتفرقة وللمعارك وللحروب التي لم تأتِ بأي فائدة، لا عليه شخصيّاً ولا على تيّاره ولا على لبنان واللبنانيين".

اختصر جزء كبير من اللبنانيين عهد ميشال عون، بأنه مارس على مدى ست سنوات ما مارسه جنرال ثمانينيات القرن الماضي. ففي الثمانينيات، كانت لديه صلاحية استخدام السلاح كونه قائداً للجيش، فورّط المسيحيين في حروب خاسرة، وخلال السنوات الست التي خلت كانت لديه صلاحية واحدة، وهي التوقيع، استخدمها حتى آخر فرصة لخلق الفراغ، وآخر فرصة تعطيل يمكن فعلها، وآخر فرصة تقسيم ممكنة.

مشهد يوم الأحد يُعبّر تماماً عن واقع اللبنانيين المنقسم في كل شيء. اللافت أكثر فيه أن كل اللبنانيين، ما عدا جزء ممن هم مع حزب الله، حليف الجنرال الأوّل، وقلّة آخرين، يرون أن الخارج من بعبدا ليس بطلاً. هم فرحون لنهاية ولاية غير مأسوف عليها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard