"على عينك يا تاجر"... بماذا يرتبط سوق الأدب العربي في أوروبا؟

الاثنين 21 نوفمبر 202212:46 م

أثارت سلسلة التحقيقات والمقابلات والمقالات الصحافية التي أنجزها المصري عماد فؤاد عن سوق الأدب العربي في أوروبا خلال السنوات الماضية موجاتٍ متعددة من الانتقادات والشتائم. مع كل مقال ينشر، تكال الاتهامات على فؤاد؛ وصوليّ، حاقد، مبتذل، يرمي الأشجار المثمرة بالحجارة، قاطع أرزاق، موتور، لا يفقه بالشعر ولا الكتب ولا شيء، فصاحب "ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ"، ليس إلا غاضباً لأنه لا ينال الفرص التي ينالها الشتّامون.

صدر مؤخراً ما كتبه وبحث فيه فؤاد ضمن كتاب عن دار ميتافور تحت عنوان "على عينك يا تاجر، سوق الأدب العربي في الخارج، هوامش.. وملاحظات". محرك الكتابة الأول كان سؤالاً طرحه فؤاد، مفاده: لماذا تحوّل الوسط الثقافي العربي بشكل عام إلى ساحة من المجاملات المكشوفة في العلن، وساحات للحروب والصراعات المخجلة في الخفاء؟. لا يمكن الإجابة عما سبق ببساطة، لكن قراءة الكتاب ككتلة واحدة، تُمكّننا من رسم ملامحَ للإجابة، وتخيُّلِ سبب نعت أحدهم باللص والمنتحل، ثم دعوته إلى مهرجان شعري، أو ترجمة قصائد إحداهن علماً أنها لا تحوي إلا ما يثير المخيلة، لا الذائقة الشعرية.

تبدأ التساؤلات منذ العنوان "سوق الأدب العربي في الخارج". ما يهمنا هنا هو مفهوم "السوق". أي هناك عرض وطلب، وقائمون على السوق، وميسيرون للـ"بضائع"، ومروجون، وسياسات خفية، وأخرى علنيّة، وتفضيلات وتهميشات، أو كما يسمى بالمصطلح البورديوزي "أعراف القطاع الأدبي"، الذي تحكمه قوانينُ داخليةٌ من جهة، وأخرى خارجية، تتعلق بقطاعات أخرى كالأحداث السياسية والظواهر الثقافيّة.

نشير إلى "السوق" هذا لأن كثيراً من الكُتّاب تُذكر وتغيب أسماؤهم ضمن السوق وديناميكياته، لكن البعض يتجاهل كلّ ما سبق، ويراهِن على إحساسه الشخصي بامتلاك الموهبة لا المهارة، متعالياً على مفهوم "السوق" نفسه، ومتمسكاً بادّعاء الاستقلالية. وهذا ما يشير إليه فؤاد، ويشرح أن السوق العربي مرتبط بأحداث سياسية؛ فوز نجيب محفوظ بنوبل، هجمات الحادي عشر من أيلول، الهجمات الانتحارية والإرهابية في أوروبا، الربيع العربي وموجات اللجوء، مجزرة هنا، سبيٌ هناك. كلُّ هذه عواملُ تحرّك فضول "السوق"، وتدفع القراء لمعرفة هذا "الآخر" عبر ما ينتجه من نصوص.

قراءة كتاب "على عينك يا تاجر" لعماد فؤاد يتيح لنا تخيلَ سببِ نعتِ أحدهم باللص والمنتحل، ثم دعوته إلى مهرجان شعري، أو ترجمة قصائد إحداهن علماً أنها لا تحوي إلا ما يثير المخيلة، لا الذائقة الشعرية

السوق أيضاً محكوم بالمال، ولا نقصد المال الخاص، بل المال الحكومي والإنسانوي المسؤول عنه "موظفون" أو "ناشطون". هذا المال لا بدّ من صرفه، كونه جزءاً من سياسة رسمية، ويقع تحت بنود مختلفة كالاندماج، تشجيع المواهب، دعم الأقليات، إلخ. وما يتمّ اختيار تمويله في الكثير من الأحيان لا يتعلق بالموهبة أو القيمة الأدبية، بل قد لا يخدم حتى العينة الأنثروبولجية. بل الهدف هو صرف الميزانية، وتقديم طلب لغيرها. ما يحوّل الكتاب، الشعراء، المترزقين، الحالمين المبتذلين، المفرطين في انتماءاتهم الوطنية والعرقية، إلى مادة مناسبة رمزياً و مادياً لاستعراضها ضمن "السوق"، وتحقيق الفائدة الرمزية للمموّل ذي الشروط المحددة والتقاطعيّة.

شرط العصر والمديوكرية

يمهد عماد فؤاد للإشكالية (العالمية، وليس فقط العربية)، وشرط العصر القائم. ويمكن تلخيص هذا الشرط بعدة عوامل؛ الإنترنت، وسرعة توافر المعلومة، وسائل التواصل الاجتماعي التي أبعدت القراء عن "النص"، ودفعتهم نحو "المنشور والتغريدة"، والأهم، المديوكريّة. ودون الغوص في معاني الكلمة، المديوكر هو من يمتهن، الحريف في المنطقة الوسطى، الخالي من التناقضات، من يلبي احتياجَ السوق دوماً، ويعمل تحت الطلب.

نضيف هنا شرطاً آخر للمشكلة، ألا وهو الفردانية المفرطة التي سببتها وسائل التواصل الاجتماعي، والمآسي، وسياسات الهوية التي أقنعت الكثيرين بقيمتهم الرمزيّة، لا الإنسانيّة، وضرورة استعراضها. سواءً كان الواحد، ضحيةً، مثلياً أو مثليةً، ذكورياً، نسويةً أو نسوياً، الأنا الحالمة بذاتها والمؤمنة بعماء بنفسها واستحقاقاها، لا تهمّها الموهبة أو بذل الجهد، بل التفرد وسط الأقران، لا الجميع، ليطغى الغرورُ على الموهبة والعقل والذوق. فمن يتجرأ على أن ينعت مثلياً بأنه شاعر رديء؟ أو نسويةً بأنها لا تعرف في ما تدعيه؟

ما المشكلة إذاً؟

المشكلة ودون الغوص في تعريف الشعر والرواية وجمالياتهما، أن هناك أشخاصاً يتمّ تكرسيهم والتعامل معهم كشعراء وروائيين، لأنهم يلائمون السوق، أي بسبب انطباق مجموعة من الشروط عليهم (يشير لها فؤاد بدقّةٍ، عبر مشاركة نصّ إيميل مؤسسة إلكترونية موجّه للشعراء اللاجئين)، يتحولون لاحقاً إلى لاعبين ضمن القطاع الثقافي، يتبادلون الدعواتِ وزيارةَ المهرجانات، والأهم أنهم يمعنون في التمسك بنماذج السوق؛ المنتمي إلى قومية أو أقلية ما، يفرط فيهما، الضحية يفرط في ألمه، المعادي للمسلمين يتفنن في كراهيته، البوهيمي يمعن في البحث عن الوحي. أما السوق، فيستقبل ويصفق. لم لا؟ فما يُنشَر يلبي "الطلب".

يمعنون في التمسك بنماذج السوق؛ المنتمي إلى قومية أو أقلية ما، يفرط فيهما، الضحية يفرط في ألمه، المعادي للمسلمين يتفنن في كراهيته، البوهيمي يمعن في البحث عن الوحي. أما السوق، فيستقبل ويصفق. لم لا؟ فما يُنشَر يلبي "الطلب"

هذا النوع من المنتجات يسميه فؤاد "الكيتش"، متبنياً مصطلح إيمان مرسال. فهؤلاء "كيتش" لا بالمعنى السلبي أو الإيجابي، بل (وهنا نتحذلق) بالمعنى الاستهلاكي، أي لا يثيرون الجدل، ويلبون المطلوب منهم، أي الزينة والزخرفة التي لا نلبث أن ننساها، كتعريف الكيتش الأصلي: التماثيل الصغيرة التي تباع على البسطات، والتي يتورط بشرائها السيّاح ويتجاهلها المقيمون.

من هم هؤلاء؟

لن نسمي أحداً، فعماد خاض الحروب، وسمى الأسماء، وتجاهل بعضها، وكلّ ما كتبه وما خاضه من نقاشات علنيّ وموثق. ولكن، مرةً أخرى: من هم هؤلاء الذين "شوهوا/امتهنوا/استغلوا/ركبوا الموجة/تفاقمت أناهم، إلخ"، والذين يشير لهم عماد فؤاد؟

تسميتُهم فرادى لا تفيد حالياً، لكن الملفت أن أغلبهم من الجيل الأول من اللاجئين، أصحاب القضية المحقة، والتي لا نقاش بها. بعضهم كما في الحالة السوريّة، قرّر الانتماء إلى التصنيف ما قبل الوطني (مع آلاف الخطوط تحت كلمة وطني؛ مثلاً كردي، آشوري، كلداني، ماروني، بروتوستانت، إلخ)، وبعضهم قرر الانتماء إلى هويته الجنسية، والبعض آمن بالتحرّر من كل أيديولوجيا والانتماء إلى الإنسانيّة!

هل قراءة كتاب فؤاد تكفي لمعرفة المقصودين؟ لا، إنهم أكثر. ما هي القاعدة إذاً لرصد "هؤلاء"؟ ببساطة قراءة ما يكتبون، وتحوير القاعدة البودليرية التي عفا عنها التاريخ: ما أستطيع كتابته أنا كقارئ، ينفي عن كاتبه صفة المؤلف/الشاعر/الروائي.

أين المشكلة في أن يكون أحدهم شاعراً كردياً، أو روائية مسيحية، أو من هذا البلد أم ذاك؟ لا مشكلة بالطبع. لكن المفارقة أن هذا الانتماء أو الوصف، لا علاقة له بقيمة النص، تلك التي يمكن أن نختلف عليها دهراً. ولكن الملف أنها لا تدخل ضمن اعتباراتِ اختيارهم أو الترويج لهم أو نشر وترجمة نصوصهم. وهنا تكمن المشكلة تحديداً؛ الأوروبيّ، الذي يحكّم، ويختار، وينشر، ويروج، ينظر إلى الاسم والانتماء، لا النص. يضع شروطاً هوياتيّة وسياسيّة وبيروقراطيّة، لا أدبيّة أو جماليّة، وهذا ليس افتراءً، فالمُنَح والإقامات والدعوات العلنية وشروطها تكشف ذلك.

اللاعبون الهامشيون

تقفى فؤاد الفاعلين الثقافيين، والمترجمين المخضرمين، والناشرين الكبار، يبحث وراء شعراء المصادفة، وروائيي المجاملة، روّاد المهرجانات، والشعراء الذين يختلف القوم في ما يكتبونه، "حريفة" ما يريده السوق، والمتأملين في ذواتهم بحثاً عن القصيد، ليكشف عن خط الإنتاج، ومراحله وطبيعة الترويج، وغيرها من الشؤون المرتبطة بقوانين القطاع الثقافي نفسه، سواءً تلك المتعلقة بلقمة العيش، أو أساليب الاستفادة من الفرص المطروحة.

سوق الأدب العربي في أوروبا مرتبط بأحداث سياسية وثقافية؛ فوز نجيب محفوظ بنوبل، هجمات الحادي عشر من أيلول، الهجمات الانتحارية والإرهابية في أوروبا، الربيع العربي وموجات اللجوء، مجزرة هنا، سبيٌ هناك. كل هذه عوامل تحرك فضول "السوق"، وتدفع القراء الأوروبيين لمعرفة "الآخر" عبر ما ينتجه من نصوص

المعارك التي خاضها فؤاد تقسم "الفاعلين" في هذا السوق؛ هناك نجوم صفحات التواصل الاجتماعي، وهناك العاملون بصمت؛ هناك كتّاب الصفحات الثقافية، وهناك المحررون المُغفلون؛ هناك الأصدقاء والمعارف، وهناك الأعداء والمكروهون. هناك أيضاً فئة من المُختفين، أولئك الذين تمرّ أسمائهم دون أن نعرف ما يفعلون حقاً، المبتعدون عن "الوسط"؛ أولئك القادرين على تقديم صورة وخريطة للكتاب والشعراء في المنطقة، وتقييمهم بكلمات أو عبارات مختزلة، دون امتلاك أي سلطة أو معرفة، سوى إتقان اللغة العربية وصداقة أحد المتحمسين (الأجانب) لما يُكتب بالعربيّة. تشابه هذه الحالة طلاب الماجستير الذين يبحثون عن لاجئين للكتابة عن تجاربهم أو صناعة بورتريهات سينمائية عنهم لأجل التخرج.

هؤلاء اللاعبون بصمت أو بمحض الصدفة، يبثون آراء وتقييمات قد يلتقطها الأقلُّ خبرةً من المتحمسين. أولئك اللاعبون بصمت قرّاء جيدون، لكنهم مزاجوين، يدللون الوقت والذائقة، دورهم قد يكون سلبياً أو إيجابياً، لكنهم موجودون. الكتابة أو القراءة ليست مهنتهم، لكنهم ذوّاقة من نوع ما، قادرون (حسب ظنهم) على فصل الغثّ عن الثمين، واكتشاف ما يتعامى عنه "النجوم" و"المحررون" قصداً.

من نحن؟

لا يمكن أن ننفي الاستحقاقات في سوق الأدب، ودور الفئات والنماذج المطلوبة في السوق، فضلاً عن دور المؤسسات الإنسانية والرسميّة في صقل السوق. هذا الصراع يعيه الكثيرون، وأحياناً يتورطون به للكثير من الأسباب. ولكن إن كان هناك "هُم"، أي المديوكرية، ومنفوخو الأنا، والهوياتيون بشدة، والضحايا، فمن "نحن" من تلك الفئة التي يدافع عنها فؤاد؟

قبل الإجابة، لا بدّ أن نشير إلى الجمهور. هناك من في "الداخل"، ومن هم في "الخارج"، أي قراء النّسَخ الأصلية بلغتها العربيّة، وقراء النّسَخ المترجمة. هذه النسَخ الأوروبية، حسب كلّ المترجمين الذين قابلهم فؤاد في كتابه، "مُحسنة" ومنمقة ومعدلة لغوياً وأسلوبياً. المترجمون يحرّرون ويضبطون أخطاء النصّ الأصلي. أي يقوم المترجمون بكلّ ما لا يقوم به الناشر الأصلي باللغة الأصليّة، وبعدها تظهر الترجمة. هنا تظهر إحدى إجابات "من نحن؟"؛ هي ببساطة من نستطيع قراءة اللغتين، ومقارنة الترجمة مع الأصل.

هناك إجابة أخرى تشير "نحن"، ربما إلى من يمتلكون متخيلاً نوستالجياً عن الأدب والشعر والذائقة، قد يكون هذا المتخيل رومانسياً أو عفا عليه الزمن، أو لا ينتمي لشرط العصر، لكن أصحابه يرفضون الاستسهال. والأهم أنهم يرفضون التعامل معهم كممثلين لقضاياهم، وتحميل ما يكتبونه رسائل أيديولوجيّة، أولئك الذين يرفضون أن تكون أجسادهم وهوياتهم وما مروا به بحياتهم أساليب للحكم على "نصوصهم". أي إن أردنا استخدام كلمة نقدية هم البنيويون، ما قبل الحداثيون، المتمسكين بتعريفات النصّ، الباحثين عن قرّاء لا الجمهور.

هامش عن الذوق

لا يقدم عماد فؤاد في كتابه وتحليلاته مفهوماً عن "الشعر" أو "الأدب"، وهذا غير مطلوب منه، الاختلاف حول تعريفات الشعر مثلاً تنفي الشعر نفسه وانفتاحه، تهم كاليومي، الرومانسي، الاستمنائي، العاطفي، غير كافية، ولا ترضي. لا أمتلك أيضاً معايراً جماليةً أو تعريفاً. لكن الدهشة معيار الذي يمكن تبنيه، ولا نقصد الدهشة بالمعنى الجمالي تلك التي تزرع الرعب وتحرك المخيلة، بل بالمعنى البسيط والمتداول، الدهشة من أن يكون ما نقرأه يقع تحت مسمّى الشعر/ الرواية، ويستحق الترجمة. (يمكن استبدال كلمة الدهشة بالغضب/الحنق/ الاستغراب/ الاستياء/ الشعور بالاستحمار).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard