روحي الخالدي في كتابه "تاريخ عِلم الأدب"... في مديح الثورات

الخميس 23 يونيو 202202:49 م

بدايات الأشياء آسرة. تجذبني، وتضعني أمام جسارة رواد اجتازوا أزمنتهم إلى المستقبل، وتخلصوا من قيود الماضي. لم يحذروا شرطة اللغة واعتساف محتسبيها. وتمردوا على إكراهات متاحف المعاجم، وابتكروا أفعالاً، وصكّوا مصطلحات، وبشروا بنظريات وعلوم ومناهج للبحث. في أيار/مايو 1948 كتب سلامة موسى في مجلة الكاتب المصري مقالاً عنوانه "السيمائية... المنطق اللغوي الجديد"، وكان عبد الرحمن الجبرتي قد استثقل نطق "كتخُدا"، لقباً للمحافظ أو لنائب الوالي، واستبدل به "الكخْيا".


بين الجبرتي وسلامة موسى مغامرون؛ جورج طرابيشي رصد تمزقات الثقافة العربية "من النهضة إلى الردة"، وقال إن طه حسين أول من استخدم مفردة "المستقبل". كان زماننا دائرياً، يرتد من الحاضر إلى الماضي، فامتدت بصيرة العميد إلى "مستقبل الثقافة في مصر". انشغل طه حسين بسؤال مستقبل "لم يعد ستراً محجوباً من عالم الغيب بل غدا محطة الوصول التي لا مناص من أن ينتهي إليها كل قطار ينطلق على تلك السكة التي مدّتها الحداثة والتي يمكن أن تُسمى سكة حديد التخلف/التقدم".

وفي حدود معرفتي، فلا أظن أحداً قبل الفلسطيني المقدسي روحي الخالدي تكلم بهذه الدقة الاصطلاحية عن عِلم الأدب، والأبنية الجديدة للشعر، والصورة الذهنية، والرأي العام، أو ذكر مصطلح "الانقلاب" وصفاً لثورة شعبية أو حركة عسكرية، أو تجديداً في الآداب.

كلما اتسع نطاق الحرية، كما يقول الخالدي، "اتسع معه نطاق الأدب في العربية وزادت فصاحة هذا اللسان وبلاغته وكلما زاد الاستبداد تقيدت عقول الأدباء بالسلاسل وصاروا ينطقون بما يوافق الزمان والمشرب لا بما يشعرون به ويعلمونه ويرونه"

هذا ما ناقشه روحي ياسين الخالدي (1864ـ 1913)، مبكراً في مطلع القرن العشرين، في كتابه "تاريخ عِلم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو". "هوكو" هو فيكتور هوجو. ولعل محرري موقع رصيف22 يسهَون عن تغيير الاسم إلى "هوغو"، لأن أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ تأسيسه عام 1934، واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية الذي تأسس عام 1971، لم يتفقوا على صيغة لكتابة حرف "G". هذا الحرف المتغطرس يحظى بخمسة أشكال عربية: "ج"، "غ"، "ق"، "ك"، "گ". وأدى هذا اللبس المزمن إلى خطأ عربي عمومي في "نطق" أسماء أعلام وبلدان: غاندي، طاغور، غاريبالدي، يوغوسلافيا، السنغال، أغادير، بحرف الغين لا الجيم القاهرية.


درس الخالدي في بيروت وإسطنبول وباريس. وفي عام 1898 عيّن "قنصلاً جنرالاً" للدولة العثمانية في مدينة بوردو الفرنسية، لمدة تسع سنوات. وانتخب عام 1908 نائباً عن القدس، وله أيضاً كتاب عنوانه "السيونيزم أو المسألة الصهيونية". وصدر كتابه "تاريخ علم الأدب" في القاهرة عام 1904، وحجب ناشره جرجي زيدان اسم المؤلف، مكتفياً بتوقيع "المقدسي"، نسبة إلى القدس الشريف مسقط رأسه. وكانت مجلة الهلال قد نشرت الكتاب مسلسلاً بداية من عام 1902، ولم تصرح باسم المؤلف إلا في الطبعة الثانية عام 1912، مع مقدمة قصيرة عن إسهام الخالدي في المقابلة بين الآداب العربية والإفرنجية، "وذكر ما اقتبسه الإفرنج من آدابنا وأساليبنا مما لم يتصدّ للبحث فيه أحد قبله، ولم نر أحد تصدى له بعده".

قدم الخالدي مثالاً للناقد الحداثي الندّ في دراسته للأدب المقارن، وانتصر للتجديد استناداً إلى معرفة عميقة بالتراث العربي، وإلمامه بمسار تطور الأدب الغربي. الوعي بالقديم لا يمنحه قداسة، ولا وصاية على المستقبل، مهما يكن الإسهام الإبداعي العربي وتأثيره في كلاسيكيات الآداب لدى الآخر. جاءت "الكوميدية أو المضحكة الإلهية أشبه برسالة الغفران التي حررها المعري قبل تأليف الكوميدية بأكثر من قرنين". واستحسن الشعراء في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا دروب الشعر العربي، فنسجوا على منوالها. وقبل اختلاط الفرنسيين بعرب الأندلس لم يكن لأشعارهم "رويّ ولا قوافٍ فأخذوا عن جيرانهم الأندلسيين علم القوافي". وأصلح الأندلسيون ما رآه الخالدي خللاً في أدب العرب، واستحدثوا فنوناً في الشعر والنثر، ولو طال أمد حضارتهم لحققوا قفزات أكبر "مما جاء به فيكتور هوكو وإميل زولا من محصول العقل ومجتنى الفكر البشري. ولكن عاجلهم الانقراض وفاجأهم الاستبداد فأمحلت عقولهم وسدّت قرائحهم".

الطبعة الجديدة لكتاب "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو" صدرت ضمن "كتاب الدوحة" في 170 صفحة بمقدمة لفيصل دراج ربط فيها بين "الإبداع وسؤال الحرية والدولة"، فإصلاح اللغة يلبي الحاجات الوطنية المستجدة، ودراسة الظاهرة الأدبية لا تختلف عن العلوم الأخرى.

لم ينشر اسم الخالدي في الطبعة الأولى، إذ يؤدي النقد الأدبي إلى مساءلة الواقع السياسي، ومدى تحقق الحرية اللازمة للتقدم. ترتقي الحرية بالأدب الذي ينحط بالاستبداد، فكلما اتسع نطاق الحرية، كما يقول الخالدي، "اتسع معه نطاق الأدب في العربية وزادت فصاحة هذا اللسان وبلاغته وكلما زاد الاستبداد تقيدت عقول الأدباء بالسلاسل وصاروا ينطقون بما يوافق الزمان والمشرب لا بما يشعرون به ويعلمونه ويرونه". وفي الطبعة الثانية (1912)، بعد خلع السلطان عبد الحميد، وابتعاد آلته الاستبدادية، وإعلان الدستور، اختفى باعث التكتم على اسم المؤلف، وجاء في المقدمة أن الاستبداد كان ينال من النفوس، وكان "الجواسيس يحولون كل معنى إلى المكائد والدسائس".

لا تحمل الفصول عناوين بل أرقاماً تبلغ 23، وأما الرابع والعشرون فيحمل عنوان "الإجمال"، وهو تلخيص للكتاب في أحد عشر سطراً. وبداية الكتابة تتناول إشكالية اللفظ والمعنى، اللفظ جسد والمعنى روح، "والأصل في الكلام للمعاني لا للألفاظ". ولأن المعنى يسبق اللفظ "وجب أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني وخادمة لها". والعلاقة وثيقة بين الإسهام الحضاري والثراء الأدبي، "وكلما ارتقت الأمة في سلم الحضارة كان لسانها أبلغ وأدبها أوسع وأكمل"، وأبعد عن التهافت على المحسنات اللفظية "وخير اللفظ ما جاء بالطبع والبداهة بلا تكلف ولا تحرٍّ في القواميس". وقد لا ينجو الكاتب من التأثر، "إذا كثر اشتغاله بالترجمة والكتب المترجمة كانت أساليبه أعجمية مع بقاء الألفاظ في كلامه عربية".

قدم الخالدي مثالاً للناقد الحداثي الندّ في دراسته للأدب المقارن، وانتصر للتجديد استناداً إلى معرفة عميقة بالتراث العربي، وإلمامه بمسار تطور الأدب الغربي

تطورت فنون الأدب قبل الإسلام، ويحمل مصطلح الجاهلية دلالات دينية سلبية. وقد سمّي كلام فحول الشعراء والطبقة العليا من الأدباء "كلام الجاهلية لجهلهم بما جاء في الإسلام وإلا فهم أئمة في الأدب يقتدى بهم". ولا يحبذ المؤلف مبدأ الاقتداء، "فالتكلف في زماننا لتقليد الإنشاء العالي ونظم قصيدة ثامنة للمعلقات السبع أو سجع مقامات ثالثة لمقامات الحريري والهمذاني ليس فيه كبير فائدة". كل إضافة إلى التراث هي نسخة مقلدة. ولا نهاية لحدود الخيال. ويقسم الخالدي "أعاريض الشعر" إلى أنواع؛ منها "الكلام الموزون غير المقفى"، وصولاً إلى المرسل "الذي يرسل فيه الكلام إرسالاً بدون تقييد بقافية أو سجع أو وزن أو شيء ما، بل يطلق إطلاقاً. ويتأتى في هذا القسم من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في السجع ولا في الشعر لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ".

يقول الخالدي إن "الانتقاد الأدبي" له المقام الأسمى بين علوم الأدب. وينتعش هذا الانتقاد في أجواء الحرية؛ "الحرية التي أنقذت أمماً كثيرة من الظلم والاستبداد... لو قرأنا القرآن وفهمناه كما ينبغي لوجدنا فيه مقاومة شديدة للظلم والاستبداد وميلاً زائداً للعدل والحرية". لكن الناقد الأدبي الداعي إلى الثورة قلل من شأن مجددين، ونسبهم إلى مرجعية سلفية، ومنحهم ألقاباً؛ أبو العلاء الثاني لعبد الجليل أفندي برادة المدني، ونابغة العراق جميل أفندي الزهاوي، ونابغة مصر أحمد بك شوقي، وزهير البلاغة لمحمد ولي الدين بك يكن، وصاحب المعجز لأحمد محرم أفندي، وحسان الموصل لشاعر العراق عبد الباقي أفندي العمري، ولبيد العصر للفيلسوف يوسف ضياء الدين باشا الخالدي. والآن وبعد مئة وعشرين عاماً، نرى قسوة الزمن، ماذا اصطفى، وعلى من أبقى ممن خصهم الخالدي بالامتياز.

قبل اختلاط الفرنسيين بعرب الأندلس لم يكن لأشعارهم "رويّ ولا قوافٍ فأخذوا عن جيرانهم الأندلسيين علم القوافي"

كل مجدد ناله قسط من عداء عبدة القديم. المتنبي والمعري وابن هانئ (متنبي الغرب) في إشبيلية كانوا أكثر بلاغة، لاشتمال نصوصهم على آراء فلسفية وسياسية، بأساليب تخرج أحياناً عن نهج الشعر القديم، "فقام عليهم المتعصبون لأساليب العرب الأقدمين وسلقوهم بألسنة حداد، وشددوا عليهم النكير... يقولون إن نظم المتنبي والمعري ليس من الشعر في شيء". ما يخالف المرجعيات لا يعترف به الإتباعيون، ومن أراد قرض الشعر فعليه اتباع "الصورة الذهنية المنطبقة في ذهنه كالقالب الذي يبنى فيه أو المنوال الذي ينسج عليه". والمتنبي والمعري تمردا على القالب الذي صنعه شعراء ما قبل الإسلام. وبعض المجددين ابتلوا بولاة مستبدين استغنوا عن استمالة قلوب الناس بالشعر، وقهروهم بقوة السيف، "فاستخفوا بالأمة وبالرأي العام".

الثورة الفرنسية، التي يسميها الانقلاب الكبير، حدث كوني أكبر من إنهائه لثنائية الكاهن والملك في اقتسام أبوة الشعب. بالزلزال الثوري بدأت الصحوة الشعبية، "وانقلبت أفكار الناس وعاداتهم وأخلاقهم... فانقلاب الأخلاق والعادات والأطوار استلزم انقلاب اللهجة وتغيير التعبيرات. ولذا كان العصر الجديد مفتقراً لأسلوب جديد في النظم والنثر. وكان رجال العصر يترقبون حصول انقلاب في الأدب كما حصل في السياسة والعادات. فولد فيكتور هوكو... وصار رجل هذا الانقلاب الأدبي"، وكان استجابة للاحتياجات الجديدة، ولم ينسج على منوال السلف، بل اتخذ ذوقه دليلاً، "كما فعل المتنبي والمعري" وأمثالهما من الخارجين على الأساليب القديمة.

كتاب الخالدي وثيقة حضارية، وإشادة بالدور الانتقالي للأدب، ففيه "النطفة التي تخلقت". وفي كل مرحلة، ومع كل ميلاد جديد للألم، اقتضى نشوء "أبنية جديدة في الشعر". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard