شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
كحقولِ شوفان صفراء... تجليات مازن معروف في يومٍ مشمس

كحقولِ شوفان صفراء... تجليات مازن معروف في يومٍ مشمس

ثقافة

الأحد 13 نوفمبر 202211:33 ص

يدفعنا مازن معروف في قصصه القصيرة الكثيفة لنغار منه. نغار لأن خيالنا يقف مذهولاً أمام غرائبية وانسيابية ما نقرأ، وأمام ملعب الأحلام الشاسع الذي يملكه؛ ملعب نحن فيه مصفقون بعد استيعاب الدهشة وتقبل الغيرة والابتسام لها.

قرأت القصص الأولى بالترتيب الموجود في الكتاب، ثم قرأت الأخيرة، ثم تنقلت من قصة إلى أخرى بشكل عشوائي. والدهشة تتّسع مع كلّ قصة، بل مع كلّ تفصيلٍ وكلّ حدث في كلّ قصة. كيف لا أغار من أبواب ونوافذ الخيال المفتوحة، بل المخلوعة من مكانها، لتسمح لكلِّ شخصيات القصص بأن تنتقل وتتصرف وتركض دون أن يحد من إمكانياتها رادع أو حاجز أو منطق، كأنها كائنات بلا هيكل عظمي تحدّد وتحدّ من حركاتها، فكلّ حركاتها ممكنة.

"كيومٍ مشمسٍ على دكة الاحتياط"

وأنا أقرأ قصص "كيومٍ مشمسٍ على دكة الاحتياط" أتذكر هولدن كولفيد بطل رواية "حارس حقل الشوفان" للروائي الأمريكي سالينجر وحارس الطفولة. ليست إحدى شخصيات قصص معروف هي من ذكرني بكولفيد، بل مازن معروف نفسه، الرواي. راوي قصص هؤلاء الأطفال هو الحارس؛ حارس عالم طفولتهم وموثقها بكلِّ عنفه وقسوته وغرائبيته وجموحه دون أن يكون الحامي. يحرس أطفال قصصه بواسطةِ مخيلته، يحول الرّصاصَ لقطع شوكولا، ويخلق "ملاك رز بحليب" ليقوّي في لحظات حرجة وخطيرة بطلَه الصغير.

ليست إحدى شخصيات قصص معروف هي من ذكرني بكولفيد بطل رواية "حارس حقل الشوفان"، بل مازن معروف نفسه، الرواي. راوي قصص هؤلاء الأطفال هو الحارس؛ حارس عالم طفولتهم وموثقها بكلِّ عنفه وقسوته وغرائبيته وجموحه


ولكن ناقل القصص وحارس أطفالها يدرك أنه لا يمكنه أن ينجيهم من الحرب التي هي خلفيةُ معظمِ هذه القصص، وبالتالي يقص علينا حروبَ الأطفال الموازيةَ التي لا تقلّ قسوةً وشراً عن قسوةِ وشرِّ الحرب الخلفية. يقص الكاتب أغلبَ هذه القصص على لسان الراوي الذي كان أحد هولاء الأطفال مستخدماً مخيلتَه وذاكرتَه ولغةَ طفولتِه ومفرداتِها. وفي إحدى هذه القصص، تحديداً القصة الثانية "فتاق" أعار مازن معروف تاريخَ يوم ميلاده، 6 كانون الثاني/يناير، لبطلها الراوي.

خريطة الطفولة

حفر مازن معروف من خلال شخصياته نفقاً عريضاً وطويلاً وعميقاً في عالم الطفولة، ووصله بأبواب طفولتنا. نفق يشبه ممرّاً طويلاً تقف على جانبيه أبوابُ غرفِ طفولةٍ كثيرة، فتدفقت إلى هذا النفق/الممرّ، من الأبواب، قصصُ طفولاتنا المحبوسة خلفها، وانضمت لمجرى نفق الطفولة الكبير. أصبحت هذه القصص كـblock chain تخزن في لوائحها كلَّ ذكرياتِ وقسوةِ وحدّةِ وسحرِ وغرائبيةِ الطفولة. ندخل سجلَّ الطفولة هذا وكأننا نرى الطفولة كلَّها من فوق؛ خريطة الطفولة وقاموسها وخلفيتها.

حفر مازن معروف من خلال شخصياته نفقاً عريضاً وطويلاً وعميقاً في عالم الطفولة، ووصله بأبواب طفولتنا

ولكنها ليست أيَّ طفولة؛ هي طفولةٌ تظهر الحرب فيها كخلفية، بدون تفاصيل كثيرة عنها. يكفي أن تُذكَر "بيروت الغربية" و"بيروت الشرقية"، عناصر الميليشيات، المسلحين، الملجأ، والهدنة. والكبار أيضاً يظهرون كخلفية بأمراضهم، واختفاءاتهم، وإخفاقاتهم وانكساراتهم. ألم تكن تلك طفولتنا؟

كلّ شيء حصل بقصص اليوم المشمس وإن على دكة الاحتياط حيث يتحدى مازن معروف خيالنا. وكل شيء ممكن أن يحصل. تماماً كما يمكن أن يحصل وكما حصل كل شيء في الحرب، وإن في فترات هدنة مؤقتة بين الأطراف المتحاربة حين يجلس عناصر الميليشيات على دكة الاحتياط دون أن تتوقف شرورهم.

الخيال هو لعبة مازن معروف في نقل ذكريات الحرب وما تلاها من "إعادة إعمار"، وكلّ ما رمت بشبحها عليه، ولكن ينقله بأقلّ أصوات رصاص ومدافع. في كلِّ قصة يمسك الكاتبُ الخيالَ من جانبيه متحدياً هذا الخيالَ في التوسع، ليستخرج منه لحظاتٍ ومواقفَ وإمكانياتٍ تولد المزيد من الخيال، وتتجدد غيرتنا: لماذا لم نسبق مازن على تحدي الخيال؟

قدرات خارقة

الدخول في قصص هذه المجموعة يشبه اكتشاف دفاتر طفولاتنا القديمة المخبأة والمنسية. لكن وإن كانت شخصيات قصصنا متخيلة وملونة، وربما خارقة أحياناً، لكنها كانت محدودة وفقيرة القدرات. في حين شخصيات وقصص "كيومٍ مشمس على دكة الاحتياط" وإن كانت متخيلة، إلا أنها واقعية جداً، برغم قدراتها الخارقة، وكأن مازن معروف لا يؤلف هذه القصصَ بل يراها.

بالأحرى هو رآها يوماً ما، وحفظها في مكان ما، وقرر اليوم استرجاعَها من خلال ذاك النفق الذي حفره، ووضعها أمامنا، بعد أن أحكم القبض على تفاصيلها، وبعد أن قرر أن يصدق أنها ليست قصصاً من نسج خياله الذي لجأ إليه يوماً هرباً من أصوات قذائف ومدافع وصور دماء وأشلاء، وأنه مؤتمن على نقلها كونه حارسَها وحارسَ أطفال قصصها.

مهما بدت هذه القصص متخيلةً وغيرَ قابلةٍ للتصديق، وتنتمي إلى عالم الأطفال، ولكنه ليس عالماً ملوناً، لأن الأطفال الذين كانت الحرب خلفيةً لحياتهم، لا يمكن أن تكون طفولتهم عاديةً كما يُشتهى للطفولة أن تكون، ولا بدّ أن كانت لهم قدرات خارقة كي ينجوا.

قدرات أطفال هذه القصص طفولية وخارقة دون أن يكونوا أطفالًا دائمًا أخيار بالضرورة. بل العكس، فلمعظمهم أفعالًا شريرة وإن كانت حبل خلاصهم ولو لحين. حتى أسماؤهم تنتمي للعالم نفسه: مكواية، العضة، القبوط، ابن الكبوت، الحنك، نايس، نابليون، أسبر.

قصص مازن معروف مجمّعة في مختبر فائق الحساسية والرقة، ولكن وفق معادلات دقيقة وموزونة ومضبوطة لا تغرق في حنين ولا في دموع، بل تنساب أحداثها الصغيرة وتتكاثر بسلاسة وحرية كحريةِ مخيلة الأطفال رغم قسوتها

للكبار أيضاً نصيب من بعض هذه القدرات الخارقة. أما صفات وممارسات رجال الميليشيات والأمن والدرك والتحريين، فهي الصفات والممارسات الوحيدة ربما التي لن تفاجئ القراء، لأنها لم تتغير، وبقيت كما نعرفها: استغلال مناصب، تحقير مواطنين عزل، صفع، إهانات، استقواء. هولاء الذين جعلوا من حياة أحد أبطال إحدى القصص تسليتَهم.

قصص مازن معروف مجمّعة في مختبر فائق الحساسية والرقة، ولكن وفق معادلات دقيقة وموزونة ومضبوطة لا تغرق في حنين ولا في دموع، بل تنساب أحداثها الصغيرة وتتكاثر بسلاسةٍ وحريةٍ كحريةِ مخيلة الأطفال رغم قسوتها. العنصران الأساسيان فيها هما الخيال والدهشة الواسعان كحقولِ شوفان صفراء. عنصرا الطفولة اللذان نتمنى لو نقبض عليهما أطولَ سنوات ممكنة. ولكن وبحسب "طنط سلوى" إحدى شخصيات قصة "ملاك الرز بحليب": "إن الناس حين يكبرون يصبحون الخزانة التي تحتبس داخلها الطفلَ الذي كانوه". وبحالة مازن معروف يبدو أنه كسر هذه الخزانة منذ زمن، وأخرج الطفل الذي كانه، وأخرج معه الخيالَ والدهشة.

وفي قلب هذه الدهشة، قصص غرائبية معجونة بالرقة كقصة "كروشيه"، حيث الأشياء المفقودة تجمع على سطح القمر، وصبي يبيع قدرته على رؤية الألوان، وقصة "نسرين" التي تذهب للبحث عن البحر الذي ذهب. هاتان القصتان، الراوي ليس بطلهما.

نعرف عالم مازن معروف الواسع من قصصه السابقة، ومن البديهي أن نحمل ما عرفناه معنا ونحن نقرأء قصصَه الجديدة، وفي ظنّنا أننا مستعدون ومجهزون للغرق فيها، ولكن هذا الظن يسقط مع أول قصة، بغضِّ النظر عن القصة التي نختارها لتكون أولَ ما نقرأ. سنضحك، وندمع، ونتذكر، ونتألم، ونخاف، ونذوب رقةً، وحكماً سنغار.

Website by WhiteBeard