شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"أحزاب تغييرية" لبنانية ما بعد الانتخابات... "وين صواتن، وين وجوهن، وينن"؟

"أحزاب تغييرية" لبنانية ما بعد الانتخابات... "وين صواتن، وين وجوهن، وينن"؟

سياسة

الثلاثاء 18 أكتوبر 202203:45 م

لم تكن احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، في لبنان، المناسبة الأولى لنزول "قوى المجتمع المدني" إلى الشارع، بل ثمة محطتان أساسيتان مهّدتا لبروز هذه القوى. أولى تلك المحطات جاءت عام 2011، مع بزوغ فجر الربيع العربي، فحمل الكثير من اللبنانيين شعار "إسقاط النظام الطائفي"، إلا أن هذا النظام تمكّن من الصمود والبقاء مستفيداً من عوامل يتميز بها لبنان عن محيطه العربي.

المحطة الثانية جاءت عام 2015، في ظل أزمة النفايات، التي تراكمت وتكدست في مختلف المناطق اللبنانيين من دون تمكّن السلطة السياسية من حل هذه المسألة نتيجة تنازع الحصص في ما بينها، فجاءت تظاهرات مدنية لتُفجر الشارع اللبناني، إلا أن هذه التظاهرات فشلت كذلك في خرق جدار السلطة الحصين.

هذا المسار المتصاعد تُوّج بتظاهرات عام 2019، التي كانت أكبر عدداً وأشمل من حيث المناطق التي وصلت إليها، فلم تقتصر على العاصمة بيروت كما جرت العادة، بل امتدت إلى مناطق لطالما شكّلت حصناً منيعاً أمام أي لغة تغييرية أو اعتراضية.

تسارعت الأحداث بعد ذلك، إذ قررت غالبية تلك القوى المدنية والمجموعات السياسية تأطير حركتها ضمن أحزاب منظمة بأهداف واضحة وهيكلية متجانسة، وخاض الكثير منها الانتخابات النيابية الأخيرة في أيار/ مايو الفائت، والتي أفضت إلى وصول 13 نائباً كان معظمهم منضوين ضمن تلك الأحزاب أو مقربين منها.

وعليه، يمكن القول إن وصول هؤلاء النواب لم يكن نتيجةً للحالة الحزبية التي تمكنت هذه القوى من تأطيرها، وإنما جاء نتيجة الحالة الاعتراضية العامة في البلاد. لذا، فإن التحدي الأساسي أمام تلك الأحزاب يكمن في مدى قدرتها على الاستفادة من هذا النجاح الانتخابي لجذب المواطنين إلى مشروعها السياسي، وتقديم البديل القادر على إقناعهم.

قررت غالبية القوى المدنية والمجموعات السياسية بعد 17 تشرين، تأطير حركتها ضمن أحزاب منظمة بأهداف واضحة وهيكلية متجانسة

مشكلة الارتباط الحزبي

تعترف المنسقة العامة لحزب "تقدّم"، لوري هايتيان، بصعوبة جذب المواطنين إلى الأحزاب، فـ"اللبنانيون يحبون الأفراد أكثر من الأحزاب، مثلاً هم يفضلون الاجتماع مع نواب الحزب أكثر من الحزب نفسه"، مؤكدةً أن "الانتخابات شكلت فرصةً للتعريف بالحزب والعمل على توسيعه، وذلك من خلال الاستفادة من مرشحي الحزب الذين كانوا على تماس مباشر مع المواطنين"، وعلى هذا الأساس ترى هايتيان أن "نجاح نائبي الحزب سينعكس إيجاباً على الحزب وعمله التنظيمي".

ويصف حزب "تقدّم" نفسه، بأنه حزب ديموقراطي وتقدمي يعمل من أجل العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. أنشئ هذا الحزب على يد ناشطين في بداية عام 2020، ليكون منصةً سياسيةً غير عقائدية، وقد تمكن من إيصال نائبين إلى مجلس النواب، هما مارك ضو ونجاة صليبا.

تقول هايتيان: "ثمة مشكلة أخرى تواجهنا، وهي عدم تقبّل الناس للارتباط الحزبي، لذا فإن أصدقاء الحزب أكثر من أعضائه. كما أن الكثير من الشباب المتحمسين للعمل الحزبي، يضطرون إلى الهجرة بسبب الأوضاع القائمة، فنحن نعمل في السياسة في وضع غير طبيعي يمر به لبنان".

وتستذكر مرحلة تأسيس الحزب بحيث كان الأعضاء المؤسسون يعرفون بعضهم من محطات سياسية عاشوها معاً، وبعد أن قرروا خوض غمار العمل الحزبي عملوا على إنتاج الأوراق الداخلية والرؤية والأهداف، ومن ثم توسيع عدد الأعضاء من خلال اجتذاب أعضاء جدد عبر العلاقات الشخصية التي تربطهم بهم، "ليرتفع تباعاً عدد أعضاء الحزب من 25 عضواً عند التأسيس إلى نحو 100 عضو اليوم بالرغم من غياب القدرة المالية".

بين العمل الحزبي والتكتل التغييري

بحسب هايتيان، فإن "الحافز الأهم الذي دفعنا إلى هذه الخطوة (تأسيس حزب)، هو شعورنا بضرورة مواجهة المعارك السياسية المقبلة على البلاد من خلال عمل منظّم، وشكلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان وتساؤله عن المعارضة المدنية حافزاً إضافياً لاتخاذ هذه الخطوة".

في الوقت الحالي، يعمل حزب "تقدّم" على التحضير لمؤتمره العام في تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، وسيتم تشكيل مكتب سياسي جديد يضم أعضاءً جُدداً، ومهمة هذا المكتب تكمن في اتخاذ القرار السياسي ومواكبة عمل النواب الذين تقع على عاتقهم مسؤولية الالتزام به. ولكن ماذا لو اختلف التوجه السياسي للحزب مع موقف باقي النواب ضمن تكتل التغيير؟ تُجيب هايتيان: "النواب سيلتزمون بقرار الحزب وعليهم إقناع باقي نواب التغيير بقرارهم، وقد سبق أن تعرضنا لهذا الموقف، فعندما أعلن الحزب عن ترشيح نواف سلام لرئاسة الحكومة، وتركنا باب الاستشارات مع تكتل التغيير، أدى ذلك إلى خلق أزمة مع باقي نواب التغيير اذ عدّوا أننا نُسبّق عليهم".

أدوات جذب المناصرين

يتفق يحيى مولود، عضو المكتب السياسي لحزب "لنا"، الذي تمكّن من إيصال مرشحته حليمة قعقور إلى مجلس النواب، مع هايتيان، في أن الفوز بالنيابة شكل فرصةً لتعريف الناس بالحزب بحيث بات اسم الحزب أكثر تداولاً، ومواقف الحزب باتت ملزمةً أكثر، ورؤية الناس للحزب باتت أكثر جديةً.

النواب سيلتزمون بقرار الحزب وعليهم إقناع باقي نواب التغيير بقرارهم، وقد سبق أن تعرضنا لهذا الموقف، فإعلان الحزب عن ترشيح نواف سلام لرئاسة الحكومة، خلق أزمة مع باقي نواب التغيير إذ عدّوا أننا نُسبّق عليهم

ويهدف حزب "لنا"، الذي يُعرف بنفسه على أنه حزب ديمقراطي اجتماعي، إلى إحداث تغيير جذري في السّياسة وفي المجتمع في لبنان. كما تُشير ورقته السياسية إلى أنه "يتبنّى ثلاثة مبادئ أساسيّة هي الحرية والعدالة والتضامن، ويبقى الإنسان هو الركن الأساسي الذي يجب أن تُبنى عليه السياسات العامة والقوانين". كما يرتكز الطرح السياسي للحزب على إعادة بناء دولة قادرة تعكس طموح المجتمع في النمو والازدهار والتضامن والابتكار.

يلفت مولود إلى أن "جذب الأعضاء الجدد اقتصر في البداية على الأشخاص المؤسسين، إذ سعينا إلى جذب أشخاص يشبهوننا ويؤمنون بالمبادىء التي نؤمن بها، لذلك تمكّن الحزب من افتتاح فروع عدة منها في طرابلس وإقليم الخروب وبيروت وصيدا، ومن ثم اعتمدنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتظهير الحزب ومواقفه".

"بعد الانتخابات وفوز قعقور بالنيابة، ازداد عدد أعضاء الحزب، ولكننا لا نقبل الأعضاء بشكل سريع، فهناك إجراءات تمتد لـ6 أشهر لقبول الأعضاء الجدد، وتعتمد على المشاركة في حلقات وندوات تثقيفية حزبية مرتبطة بالفكر الاجتماعي الديمقراطي والورقة الاقتصادية للحزب، فنحن لم نلتزم بالاقتصاد الحر الذي ينص عليه الدستور، وإنما طرحنا نظام اقتصاد السوق الاجتماعي"، يقول مولود.

ويعترف أن حزب "لنا" ما زال على طريق المأسسة الكاملة، فقد تم تعديل بعض بنود النظام الداخلي المرتبطة بدور المكتب السياسي والأمانة العامة والفريق التنفيذي، و"التعديل يطال العمل التشريعي النيابي، وآخر مرتبط بالمكاتب المحلية بحيث التزمنا بإعطاء هذه المكاتب حرية الخيار وحرية المشاركة والمبادرة في العمل السياسي المحلي". ووفقاً للنظام الداخلي للحزب، فإن الهيئة العامة هي السلطة الأعلى، وهي تنتخب المكتب السياسي الذي يتخذ القرارات، ولكن يحق لها نقض قراراته بكوتا معيّنة.

الطرح السياسي أولاً

بعد انتخابات 2018، كان هناك جو في البلد أن الطريقة الوحيدة لتنظيم العمل السياسي يجب أن تكون عبر إنشاء أو تفعيل حزب سياسي

تعود جذور حزب الكتلة الوطنية إلى عشرات السنين، إلا أن وفاة زعيمه ريمون إده، وظروف الحرب الأهلية التي رفض المشاركة فيها، من العوامل التي أدت إلى أفول الحزب، ليعود عام 2019، بهيئة قيادية جديدة رافعاً شعارات "17 تشرين" ومنادياً بإسقاط الطبقة السياسية.

يهدف الحزب إلى جعل لبنان مزدهراً، وأخضر، وعادلاً. ووفقاً لمبادئه، فإن الوصول إلى ذلك يقتضي القضاء على العلل الخمس والعبور إلى الفضائل التي تقابلها، وهي المواطنة في وجه الطائفيّة السياسيّة، ودولة القانون في وجه الزبائنيّة، والنزاهة في وجه الفساد، والسيادة في وجه التبعيّة، والديمقراطيّة في وجه الإقطاعيّة.

يسرد ناجي أبو خليل، عضو اللجنة التنفيذية والمدير السياسي في الكتلة الوطنية، الأسباب الكامنة وراء إعادة إحياء الحزب، فيُشير إلى أنه "بعد انتخابات 2018، كان هناك جو في البلد أن الطريقة الوحيدة لتنظيم العمل السياسي يجب أن تكون عبر إنشاء أو تفعيل حزب سياسي، لأن المرحلة كانت تتطلب تنظيماً سياسياً".

ويضيف: "كان هناك نقاش إن كنّا ننشئ حزباً جديداً أو نُعيد إحياء حزب مثل الكتلة الوطنية، وكانت هناك رغبة من قبل كارلوس إدة (تولى منصب عميد الحزب سابقاً)، في الانسحاب من الحياة السياسية، في حين أن الحزب يتمتع بتاريخ مُشرّف إذ لم يشارك في الحرب الأهلية واتخذ مواقف مشرفةً في ما يتعلّق بالسيادة ورفض الوجود السوري أو العداء لإسرائيل، فأخذنا القرار بتحويل الحزب إلى مؤسسة ديمقراطية، وهكذا تم إلغاء منصب العميد، وجرى انتخاب لجنة تنفيذية تتخذ القرارات بطريقة تشاركية، وأُطلق الحزب في شباط/ فبراير 2019، أي قبل 6 أشهر من ثورة 17 تشرين".

الطريقة التي حاول من خلالها الحزب جذب مناصرين، جاءت مغايرةً لحزبي "لنا" و"تقدّم"، فقد حاول تقديم صورة أنه حزب مؤسساتي منظّم ودائماً ما يلعب دور المبادر في مختلف المراحل، ولا سيما خلال ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وفقاً لأبو خليل، الذي يُشير إلى أن "وضوح الخطاب السياسي في ما يتعلّق بالسيادة وضرورة الانتقال إلى نظام مدني تطبيقاً للدستور وإنقاذ النموذج الاقتصادي الحر بشرط تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، كل ذلك كان بمثابة عرض سياسي فريد من نوعه ضمن الحالة التغييرية في البلاد".

على هذا الأساس، تمكّن الحزب من اجتذاب عشرات الكوادر إلى صفوفه، وعمل على تجديد البطاقات الحزبية وفتح باب الانتساب من جديد، وهو في صدد إقامة حفل توزيع نحو 500 بطاقة حزبية أغلب أصحابها من الأعضاء الجدد.

وضوح الخطاب السياسي في ما يتعلّق بالسيادة وضرورة الانتقال إلى نظام مدني تطبيقاً للدستور وإنقاذ النموذج الاقتصادي الحر، هو بمثابة عرض سياسي فريد من نوعه ضمن الحالة التغييرية في البلاد

وفي الوقت الراهن، يخوض الحزب غمار الانتخابات الداخلية التي تأتي على ثلاث مراحل، الأولى بدأت في 15 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لانتخاب القطاعات المهنية ومجالس الأقضية ومجالس الانتشار، وكل مجلس من هؤلاء ينتخب رئيساً ونائب رئيس وأميناً للسر وأميناً للصندوق. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة انتخاب مجلس الحزب المؤلف من 42 عضواً ويشارك فيها كافة أعضاء الحزب. والمرحلة الأخيرة هي مرحلة انتخاب مجلس الحزب للّجنة تنفيذية ومن ضمنها الأمين العام، مع الإشارة إلى أن الأمين العام الحالي بيار عيسى، كان قد أخذ تعهداً على نفسه بأن يخوض هذه التجربة لدورة واحدة إيماناً بمبدأ تداول السلطة، وهو لن يكون مرشحاً لهذا المنصب وإنما سيستمر في عضوية الحزب.

الوصول إلى البرلمان

حركة "أُسس"، وهي إحدى الحركات المدنية الشبابية الناشطة في قضاء زغرتا (شمال لبنان)، مسارها مختلف عن مسار الأحزاب التي تطرقنا إليها، فهذه الحركة تمكّنت من إيصال أحد أعضائها إلى البرلمان، ليكون النائب ميشال الدويهي أحد النواب الـ13 التغييريين، إلا أن الحركة أخفقت في الاستفادة من هذا النجاح إلى الآن، إذ بات النائب بعيداً عنها ويعمل على بناء حيثيته الخاصة.

تُعرف "أُسس" بنفسها على أنها حركة سياسية في مركز الطيف السياسي، تسترشد بأعلى القيم الإنسانية التي توحد الناس من أجل الصالح العام. كما تعتقد الحركة بأن المجتمع اللبناني يستمد قوته من تنوعه، وأنه قادر على تحقيق التماسك المستدام في الأجل الطويل، وسيتمكن من ذلك. وتؤكد على الإخلاص لمبادئها وتلتزم بأعلى معايير الشفافية والنزاهة والكفاءة.

وتشرح مسؤولة المجلس السياسي في الحركة شادن الضعيف كيف انطلقت الحركة بداية عام 2021، إذ بدأت كنواة لحركة "زغرتا-الزاوية تنتفض"، التي انبثقت عن ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وتمت مأسستها بعد أن باتت تضم نحو 25 شخصاً ووضع تصور لكيفية نشأة هذه الحركة السياسية والتعاقد مع شركة محترفة عرضت علينا عدداً من الأسماء، ووقع الخيار على اسم "أُسس" التي تعني أننا نحتاج إلى وضع أُسس الدولة التي فقدناها.

تعمل أسس اليوم على عدد من المشاريع التنفيذية، وذلك من أجل التخفيف من الأزمات التي يُعاني منها المواطنون، بالإضافة إلى إصدار البيانات السياسية المعتمدة على صياغة سياسات معمقة

وتلفت الضعيف إلى أن "الحركة وضعت النظام الداخلي الذي يتطرق إلى العلاقة بين الأفراد وآلية اتخاذ القرار، وهناك مجلس تنفيذي يجمع ممثلي المجالس المختلفة ضمن الحركة"، وتتابع: "الحركة نمت بسرعة بسبب حوكمتها القوية، وقررنا التوسع من خلال اللقاء بمجموعات تشبهنا في الأقضية الشمالية، وكان طرحنا الأولي يقضي بضم هؤلاء إلى أسس وفتح فروع للحركة في تلك الأقضية، ونتيجة الحوارات التي قامت مع هؤلاء وجدنا أنه من الأفضل الاتحاد مع تلك المجموعات ضمن إئتلاف انتخابي، وهكذا وُلد ائتلاف شمالنا".

وتتميز أُسس بأن طابعها شبابي، وهناك جزء كبير من منسبيها في الخارج، ووصل عدد أعضائها إلى نحو 150 عضواً حيث تم اعتماد آلية معينة لزيادة الأعضاء تقوم على قيام أعضاء أسس بتسمية أشخاص يحملون أفكار 17 تشرين الأول/ أكتوبر لضمهم إلى الحركة. وحالياً، تسعى الحركة إلى التحضير لإعادة تفعيل الانتساب.

تُشدد الضعيف على وصف "أُسس"، بـ"الحركة السياسية التي تضم مواطنين يُشبهون بعضهم، وهذه الحركة في طور تحضير الأوراق القانونية لأخذ العلم والخبر، وهي تعمل اليوم على عدد من المشاريع التنفيذية، وذلك من أجل التخفيف من الأزمات التي يُعاني منها المواطنون، بالإضافة إلى إصدار البيانات السياسية المعتمدة على صياغة سياسات معمقة".

ووفقاً للضعيف، فإن قوة "أُسس" تكمن في عملها المنظم، "إذ إننا منظمون ضمن عدد من المجالس وهناك آلية مُعيّنة لصناعة القرار بحيث يصدر عن مجلس تنفيذي يمثّل جميع ممثلي المجالس الناشطة في أُسس"، مشيرةً إلى أن "الانتخابات النيابية أدت إلى التباطؤ في تطوير التنظيم، إذ إنها اخذت كل الموارد وأوقفت العمل التنظيمي".

وفي الوقت الحالي، تتحضر "أُسس" لخوض غمار الانتخابات البلدية القادمة، وتم تشكيل لجنة لهذه الغاية تكون مهمتها اتخاذ قرار المشاركة في الانتخابات من عدمه، واختيار البلديات وصياغة المشروع الانتخابي في حال اتخاذ القرار بخوض هذه المعركة الانتخابية.

"ممفد" ومركزية القرار

إلى جانب هذه التنظيمات، ثمة تجربة سياسية لا بد من التطرق إليها عند الحديث عن الأحزاب الجديدة، وهي حركة مواطنون ومواطنات في دولة (ممفد)، التي أُسست عام 2016، وكانت من أولى الحركات السياسية التي حذّرت من الانهيار الاقتصادي والمالي، وقد خاضت هذه الحركة الانتخابات النيابية على مستوى جميع الدوائر اللبنانية، ولكن من دون التمكّن من إيصال نائب واحد إلى البرلمان.

تهدف "ممفد" إلى إطلاق حركة سياسية منظمة تقدّم إسهاماً حاسماً في إقامة دولة فعلية مكتملة المقومات

وتهدف "ممفد" إلى إطلاق حركة سياسية منظمة تقدّم إسهاماً حاسماً في إقامة دولة فعلية مكتملة المقومات في لبنان، دولة مدنية، ديمقراطية، عادلة وقادرة، وفي استعادة قيمة العمل العام وتثبيت جدواه، وذلك بدعوة المواطن، عبر الإنتاج المعرفي وعبر التجارب النضالية، إلى اعتماد خيار إقامة الدولة لكونها الضمان لحقوقه الأساسية ولكرامته الإنسانية.

يشرح عضو الحركة إيمليو مطر، مرحلة تأسيس ممفد التي جاءت كمبادرة لإنشاء جبهة تضم قوى معارضةً للنظام الحالي "الذي كان يتجه نحو أزمة كبيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والمالي، وستكون سبباً لتغيير جذري في المجتمع". وأضاف مطر: "هذه المبادرة تطورت مع الوقت والتفاعل والمسار الذي سلكته، لتتحول إلى عمل حزبي تنظيمي".

ما يميز هذه الحركة عن سابقاتها، أنها تعتمد على نظام داخلي صلب في تركيز القرار السياسي بيد الأمين العام الذي يُعيّن أعضاء الأمانة العامة ليشكلوا فريق عمله، وقد انتُخب لهذه المهمة الوزير السابق شربل نحاس.

يؤكد مطر أن ممفد هو "أكثر حزب سياسي منظّم، وحتّى أننا لدينا تنظيم لا يقل أهميةً من الكثير من الأحزاب العريقة والقديمة". ويضيف: "آلية اتخاذ القرارات في الحزب تقوم على أن الأمين العام الذي يُنتخب لثلاث سنوات، يحق له اتخاذ القرارات إذ إن هناك مركزيةً في هذا الجانب، وذلك بسبب تأمين الفعالية من ناحية، والابتعاد عن تقديم صورة بأن كل منطقة تفتح فرعاً على حسابها في منطقتها من ناحية أخرى".

وتعتمد الركائز الأساسية للمشروع السياسي للحركة على بناء دولة عادلة وقادرة وديمقراطية، "لكي تتمكن من المحافظة على مجتمعها من خلال تحقيق تغطية صحية شاملة وتعليم مجاني وتأمين السكن والنقل وسلسلة من الإجراءات الأساسية لحماية المجتمع"، وفقاً لمطر الذي يؤكد أن "خطاب الحركة هو نفسه في كل المناطق، فنحن الوحيدون في لبنان الذين حليفنا وخطابنا هو نفسه من بعلبك إلى بشري إلى النبطية إلى كل المناطق اللبنانية، والترشح في كل المناطق جاء بمثابة تثبيت لهذه الوجهة التي نرى أنها الطريقة الوحيدة لمواجهة النظام".

ضياع في مقاربة ملف الانتخابات

يُشير مطر إلى أن تقييم الحركة للانتخابات النيابية كان "إيجابياً جداً إذ إنه لم يحدث في تاريخ لبنان أن قام حزب سياسي واحد بالترشح في جميع الدوائر معتمداً على البرنامج، وبالرغم من كمية الأموال والرشاوى والحملات الإعلامية الضخمة من قبل الأحزاب الطائفية، تمكّن الحزب من جمع 30 ألف صوت، يشكلون نحو 3 في المئة من عدد الناخبين"، مشيراً إلى أن "الانتخابات كانت محطةً ومعركةً مهمةً، وساهمت في ضم الكثير من المنتسبين الجُدد، ويمكن استغلالها لتقوية التنظيم ومعالجة نقاط الضعف".

في المقابل، فإن حزب "لنا"، قرر المشاركة في الانتخابات النيابية في دائرة الشوف-عالية، في حين أنه أعلن سحب مرشحيه في طرابلس وبيروت، مما أثار الشكوك حول صورة الحزب كتنظيم سياسي مُنظّم قادر على اتخاذ قرار ودفع جميع أعضائه للالتزام به، ويوضح مولود أن "المكتب السياسي وضع رؤيةً واضحةً تجاه الانتخابات النيابية وقرر خوضها وتعيين لجنة برئاسة زينة الحلوة لإدارة المعركة الانتخابية".

ساعدت الانتخابات النيابية هذه الأحزاب الناشئة على إيصال خطابها إلى مناطق مختلفة في لبنان، ليبقى التحدي الأبرز أمامها في كيفية الاستمرار بعيداً عن الاستحقاقات وفي العمل السياسي والحزبي اليومي 

ويضيف: "في الخطوة الثانية المرتبطة بتشكيل اللوائح بات الأمر ذا طابع محلي وبات القرار مرتبطاً بالمكتب المحلي للحزب في المناطق، وهكذا رأى المكتب المحلي في طرابلس أنه من الأفضل عدم المشاركة في الانتخابات، وكذلك الأمر في بيروت، في حين قرر الحزب المحلي في الشوف-عاليه، المشاركة في الانتخابات وعلى هذا الأساس خضناها"، مشيراً إلى أنه "في المستقبل سيتم إنشاء لجنة مستقلة عن المكتب السياسي لإدارة كامل العملية الانتخابية من ملف المرشحين إلى إدارة الحملة الانتخابية الإعلامية وغيرها من التفاصيل".

أما حزب الكتلة الوطنية، فقد قرر السير بمرشحين يخوضون التجربة للمرة الأولى، إذ كانوا يبنون قواعدهم وشعبيتهم خلال المرحلة الانتخابية. ويؤكد أبو خليل أن "النتائج كانت بمثابة انتصار، إذ تمكّن المرشحون من خلق جوّ عام مؤيد في الدوائر التي خاضوا الانتخابات فيها بالرغم من عدم الفوز بمقعد نيابي، كما أن هذه الانتخابات ساعدتنا في تشكيل مكاتب ناشطة في مناطق طرابلس وزغرتا وبعبدا، وتمكنّا من تأكيد هوية الحزب الشبابية بامتياز، وهذا تحوّل لا يستهان به في صورة الكتلة الوطنية".

هذا الواقع في مقاربة الاستحقاق الانتخابي، وما تلاه إلى اليوم، يؤشر إلى ما يُمكن أن تحمله الأيام المقبلة لهذه التجارب الناشئة، إذ يبدو أن من استطاع الوصول إلى المجلس لم يقدر على استثمار هذا الانتصار لتدعيم تمثيله الشعبي وتوسيع قاعدته، فيما الأحزاب التي لم تصل إلى البرلمان، تغيب نسبياً عن العمل السياسي العلني، في انتظار المقبل من الاستحقاقات. 

Website by WhiteBeard