الانتخابات اللبنانية... "سيأكلوننا" مشروع الأحزاب الطائفية الأوضح

السبت 14 مايو 202212:10 م

أعلامٌ ترفرف على امتداد طرق لبنان الوعرة غير المضاءة، ويافطات كبيرة ملوّنة تكاد تحجب الغيوم، وإعلانات إلكترونية، وإطلالات إعلامية، وهاشتاغات وحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومهرجانات ولقاءات، إلى جانب بونات البنزين والمعونات التي تندرج ضمن المال الانتخابي؛ ذلك كله وأكثر حاضر في معركة إثبات الوجود الطائفي والحزبي في لبنان قبل ساعات من الانتخابات النيابية لعام 2022.

كل ما سبق يتلخص في الخطابات الانتخابية التي كثرت وارتفع سقفها، خاصةً في الأسبوع الأخير قبيل الانتخابات، في محاولة من الأحزاب الطائفية التي تحكم لبنان لأن تحافظ على وجودها داخل طوائفها، في ظل قانون انتخابي، عزز الحضور الطائفي-المذهبي، وهو قانون اتفق على تفصيله ومن ثمّ إقراره مجموع الأحزاب التي حكمت لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية.

"فشروا ينزعوا السلاح"

اليوم يتمركز أرباب الطوائف والأحزاب اللبنانية كلّ خلف متراسه، ومن "مناطق نفوذه" يخاطب جمهوره، ليصل الصوت إلى عموم اللبنانيين، "ليسمعوا"، في احتفالات منظمة يتم الحشد لها وتأخذ ضجةً إعلاميةً كبيرةً، خاصّةً إذا خرجت منها كلمة "فشروا" التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مثلاً، والذي تلقى خطاباته اهتماماً كبيراً من الداخل والخارج، ومن أعدائه قبل أصدقائه.

يتمركز أرباب الطوائف والأحزاب اللبنانية كلّ خلف متراسه، ومن "مناطق نفوذه" يخاطب جمهوره، ليصل الصوت إلى عموم اللبنانيين، "ليسمعوا"

في إطلالتين متتاليتين يومي الاثنين والثلاثاء 9 و10 أيار/ مايو الجاري، خرج نصر لله مخاطباً جمهوره في مهرجان صور والنبطية، ثم في مهرجان الضاحية، ليكون الختام أمس الجمعة مع مهرجان بعلبك الهرمل. المقاومة كانت فحوى خطابه الأول للجنوبيين بعد عرض بانورامي لكل ما عايشوه جرّاء الاحتلال الاسرائيلي لقرى الجنوب، فبالرغم من أنه كان يودّ التحدث أولاً عن هموم الناس وبناء الدولة العادلة والقادرة، إلا أن بعض القوى السياسية استلّت مبكراً من كعب لائحة الاهتمامات موضوع سلاح ‏المقاومة وجعلته عنوان المعركة الانتخابية الحالية، ما دفعه لافتتاح أحاديثه بهذا الموضوع وفق قوله.

"حتى يعرف ‏هؤلاء أي مقاومة يريدون أن يطالبوا بنزع سلاحها. لا أقول أي مقاومة يريدون نزع سلاحها، ‏‏فشروا أن ينزعوا سلاحها، فشروا أن ينزعوا سلاحها"، هذا كان فصل الخطاب الأول كما يحب جمهور حزب الله أن يسمّيه، والذي توجه خلاله بمعظم كلامه إلى زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من دون أن يسمّيه علناً، وردّ على محاولاته الفصل بين شيعة لبنان عندما نادى أبناء الإمام موسى الصدر والسيد محمد حسين فضل الله في خطاباته الأخيرة، بأن خصّص جزءاً كبيراً من كلمته للتذكير بتاريخ الصدر التأسيسي للمقاومة، وإفناء حياته في سبيلها بحسب زعمه.

يقول نصر الله، إن "ما شهدناه خلال الحملات الانتخابية والإعلامية والسياسية، في كل الأسابيع الماضية، من حرب سياسية وإعلامية وتحريض طائفي ومذهبي على المقاومة يصح فيه قول أحد إخواننا الأعزاء إن ما نواجهه في هذه الانتخابات حرب تموز سياسية. المطلوب في الخامس عشر من أيار/ مايو أن نمارس المقاومة السياسية لتبقى لنا المقاومة العسكرية المسلحة"، في دعوة واضحة ومحددة لانتخاب لوائح الثنائي الشيعي الموزعة على الدوائر التي يتواجدون فيها، في الجنوب والبقاع وبيروت وبعبدا وغيرها.

التغيير يعني الحرب

"فشروا"، أثارت حفيظة رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل الذي رد بالمثل: "فشر أن تجعلنا نستسلم وتسيطر على البلد وتخلص منّا وأن تسيطر على مقومات البلد ومستقبل أولادنا فنحن نريد العيش كما نريد نحن لا كما تُريد أنت".

أما في الخطاب الثاني للأمين العام لحزب الله، فقد سحب ورقة الحرب الأهلية: "جرّب كثيرون خلال العقود الماضية أن يحدثوا تغييرات دراماتيكيةً، فذهب البلد إلى مغامرات وإلى حروب أهلية. لبنان لا يتحمّل حرباً أهليةً جديدةً حتى من أجل إصلاح النظام السياسي"، في محاولة لقطع الطريق على القوى التغييرية الطامحة لتحويل النظام الطائفي في لبنان إلى نظام عدالة اجتماعية ودولة مدنية حاضنة لجميع أبنائها.

"فشروا" التي أطلقها نصر الله، أثارت حفيظة رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل الذي رد بالمثل: "فشر أن تجعلنا نستسلم وتسيطر على البلد وتخلص منّا"

مرشحو حزب الله لم تُسمع أصواتهم في الأيام المنصرمة، لكن ظهورهم كان عند تشكيل اللوائح وإعلانها وربما كان أبرزهم والوجه الجديد بينهم هذا العام، المرشح رامي أبو حمدان عن دائرة زحلة الذي رأى أن تكليفه هو مسؤولية كبيرة، وهنا يفتح الباب على التكليف الشرعي الذي يعتمده الحزب مع مرشحيه وجمهوره، بينما مثلاً زميله عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب أمين شري، كان خطابه أكثر تماهياً مع خطاب قائده، وذلك في حفل إطلاق لائحة "وحدة بيروت" في السادس من نيسان/ أبريل 2022، عندما توجه إلى "أهل بيروت الشرفاء"، بالقول: "لكم أن تختاروا بين خطاب الترهيب والإقصاء والاتهام ورفض العيش المشترك. لكم أن تختاروا بين الذين يرفضون الحرب على أعداء الخارج ولكنهم يشرعون أبواب الحرب على الأهل في الداخل".

"أمل" والضرب

الحليف الأول للحزب الأصفر رئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل نبيه بري، ألقى كلمةً في اليوم نفسه، أي الثلاثاء 10 أيار/ مايو الجاري، لفت فيها إلى "كمّ التحريض على المقاومة والثنائي الوطني منذ 17 تشرين وحتى اليوم وعزف البعض على الوتر المذهبي لأغراض انتخابية، واللوائح المنافسة لنا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، واللوائح العابرة للسفارات، ركّزت حملتها على الثنائي وسلاح المقاومة"، مشيراً إلى أنّ "المستثمرين في قضية الفساد، وما يسمّى إسقاط المنظومة، يعملون في غرف الانتخابات السوداء على استهداف منظومة المقاومة".

وفي وقت يتحدث فيه رئيس حركة أمل عن استهدافٍ يتعرضون له، كان مناصرو الحركة يعتدون بالضرب وحتى إطلاق الرصاص على مرشحي لائحة "معاً للتغيير" المواجهة للثنائي في دائرة الجنوب الثانية، خلال حفل إطلاقها في منطقة الصرفند الجنوبية في منتصف شهر آذار/ مارس الفائت، وذلك بحسب ما أكد مرشحو اللائحة ووفقاً للمقاطع المصوّرة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي والتي أظهرت اعتداء مجموعات من "أمل" بالضرب على المشاركين في الإطلاق وإطلاق نار في الهواء.

حركة "أمل" نفت الأمر، بينما أكّدت الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات "لادي"، أن مندوب حركة أمل في ألمانيا مارس الضغط على ناخب جرّاء تعبيره عن رأيه المعارض للأحزاب السياسية خارج قلم الاقتراع في هامبورغ، في خلال انتخابات المغتربين التي جرت الأسبوع الفائت.

وعن التغيير قال مرشح لائحة الأمل والوفاء عن دائرة الجنوب الثالثة، النائب علي حسن خليل، قبل أيام قليلة إن تجربة ما يسمى المجتمع المدني تداعت إلى حد كبير بسبب النزاعات بين مكوناته، وإن الرهان على تغيير جذري في الحياة السياسية اللبنانية سقط. 

جعجع بدأت حملة حزبه الانتخابية مبكراً وكانت أهدافها الأولى نزع سلاح الحزب وإقصاء حلف حزب الله-حركة أمل-التيار الوطني الحر، الذي حمّله كل أزمات لبنان

وخليل من الذين ادعى عليهم القاضي طارق بيطار في ملف انفجار المرفأ الذي حصل في 4 آب/أغسطس 2020، وهو كان وزيراً للمالية في لبنان قبيل الانهيار الاقتصادي الذي حصل والذي لا يزال لبنان يعيش تداعياته وسيعيشها لسنوات قادمة. 

"حزب الله هو جهنم"

على الجبهة الأخرى، كانت صولات وجولات للخصم الأول للثنائي الشيعي اليوم، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي بدأت حملة حزبه الانتخابية مبكراً وكانت أهدافها الأولى نزع سلاح الحزب وإقصاء حلف حزب الله-حركة أمل-التيار الوطني الحر، الذي حمّله كل أزمات لبنان وما يعيشه اليوم من اختناق داخلي وتضييق عربي خارجي، موجّهاً سهاماً محددةً نحو التيار العوني كمنافس أوّل له على الساحة المسيحية بالقول: "كل صوت لأي مرشح على لائحة التيار الوطني الحر في بيروت الأولى يصب تلقائياً لمصلحة حزب الله ولجهنم الحقيقية التي نعيش فيها اليوم"، وذلك خلال حفل انتخابي للمرشح عن المقعد الأرثوذكسي في دائرة بيروت الأولى غسان حاصباني، يوم الثلاثاء في العاشر من أيار/ مايو الحالي.

كما صرّح في احتفال انتخابي في بعبدا أقامه النائب بيار بو عاصي بحضور المرشحين على لائحة "بعبدا السيادة والقرار" في اليوم نفسه: "بعبدا تعاني من مشكلتين إضافيتين: الأولى، في قلبها شريان أساسي "مسطّم"، والثانية لأنه يقطن في المقلب الآخر منها ضبع قاعد على مناخيرها في كل ساعة".

يوم الخميس 12 أيار/ مايو الجاري، وخلال مهرجان انتخابي في كسروان، رد باسيل بالقول: "سمعتن عم يردّدوا كتير إنه يلّي رح يصوّت للتيار الوطني الحر بيكون عم يصوّت لحزب الله، شوفوا هالمزحة! وأنا بالمقابل، بقلكن: يلّي بيصوّت للقوات اللبنانية عم يصوّت لإسرائيل ولحلفائها الاقليميين!"، مضيفاً: "سمير جعجع ما بطّل ولا يوم يكون جزء من المشروع الإسرائيلي بلبنان. إسرائيل يلّي احتلّت أرضنا ودمّرت بلدنا عدّة مرّات؛ إسرائيل يلّي لليوم عم تعرقل استخراجنا لنفطنا وغازنا. إسرائيل يلّي تعتدي كل يوم علينا بالجو وبالبحر ويلّي تاركتلنا نصف مليون لاجئ فلسطيني على أرضنا".

تخوض الأحزاب الطائفية اللبنانية الانتخابات البرلمانية بالتخويف من الآخر، فسلاح حزب الله مقدس، والقوّات تحمي الوجود، والاشتراكي يواجه الحصار، وحركة أمل تحارب الإقصاء، فيما التيار الوطني الحر جريح ويتحدى الذين "ما خلّوه يشتغل"، أمّا السنّة فتخوضها عنهم دار الفتوى ضد "التغييريين" 

إلا أن جعجع لم يكتفِ بحربه على زملائه في تركيبة السلطة اللبنانية، بل أعلن معركةً في وجه المجتمع المدني عادّاً أن "الصوت المفيد في بيروت تحديداً يجب أن يكون للقوات لا للوائح المجتمع المدني"، الذي أدانه بعبارة "كلّن يعني كلّن"، بدل التصويب على الأحزاب المسؤولة عن ويلات اللبنانيين، واتهمه بالاستفادة من وجع المواطن اللبناني للحصول على بعض الأصوات.

جعجع عاد ليذكّر المسيحيين تحديداً بما وصفه بـ"أكبر عملية غش وكذب ونفاق ووعود حدثت في تاريخ المسيحيين واستمرت إلى 40 سنةً متواصلةً تسمى التيار الوطني الحر، وقد كان هدفها فقط الوصول إلى السلطة وحين حققت ذلك، تناست وعودها وظهرت على حقيقتها وتصرّفت خلاف ما تدعي وللأسف حتى هذه اللحظة لا تزال متمسكةً بآخر كرسي، ولكن موعد 15 أيار آتٍ".

وبعيداً عن بعبدا وبيروت، وفي البقاع حيث تحاول القوات اللبنانية جهدها من أجل إيصال المرشح عن دائرة بعلبك الهرمل أنطوان حبشي، وهي المنطقة المعروفة بفوز الثنائي الشيعي بأغلبية ساحقة فيها، يواصل حبشي جولاته الانتخابية ومحاولة فرض وجوده في ما عدّها "معركةً وجوديةً بامتياز"، عبر صفحته في تويتر، وصرّح في التاسع من أيار/ مايو الجاري لقناة mtv اللبنانية بالقول: "صوت أهالي بعلبك الهرمل الصامت سيكون أعلى من كاتم الصوت، لذلك أنا أقول في بعلبك الهرمل الصوت الاعتراضي سيفاجئ الجميع لأن هذه المنطقة تعيش حرماناً غير عادي".

جريح الجمهورية

باسيل بدوره، رفع قميص عثمان المسيحي بقوله: "من يُصوّت للقوّات، يصوت لإسرائيل وحلفائها وأنتم تعلمون إلى ماذا تعرض الوجود المسيحي في لبنان وفي الشرق مع هؤلاء، نحن في عقلهم مشروع ترحيل جماعي دائم"، وقد توجه "الجريح الأول في الجمهورية"، كما أطلق على نفسه بلغة العاطفة، لـ"الزعلانين من التيار"، بأن لديهم الحق في ذلك وهو نفسه يشاركهم الزعل لأنهم أوادم بس "ما خلّوهن يشتغلوا"، وهو الموّال المكرر من رئيس التيار الوطني الحر، الذي وللمفارقة اتفق مع جعجع على أن التصويت للمجتمع المدني يذهب سدى، "لأن أكثريتهم لن ينجحوا. انفضحت كذبتهم وانتهت قصّتهم ولا أحد يصدقهم اليوم".

أيضاً، مرشح التيار الوطني الحر في جبيل سيمون أبي رميا، أكّد على مواقف رئيس تياره في تصريحاته الإعلامية خلال الأسبوع الحالي -أسبوع الانتخابات- والتي كان منها: "التيّار هو المتراس الأمامي لأي احتلال، فكفى بيع شعارات رنانة ونحن من يعلّم المبادئ السيادية، لتلك الثورة المزيفة؛ نراكم في لوائح مبعثرة وتتحالفون مع من اتهمتموهم بالفساد، فيما بقي التيار واحداً موحداً، وستكون كتلته الأولى في مجلس النواب". 

اللافت أن الأحزاب اللبنانية أيضاً، عدا عن تخويفه بيئاتها من الآخرين، تجد في "التغييرين" خطراً ومشروع فاشل من دون أن يخوضوا في تفنيد الخطاب التغييري أو المشاريع المتعددة التي طرحتها هذه القوى في مواجهة ما تسمّيه "أحزب المنظومة" 

ويقول أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية الدكتور جورج سعد، لرصيف22، إن "الأحزاب ورؤساءها كافة يشددون في هذه الفترة على أن الخطأ عند الآخر وعلى كيل الاتهامات له أكثر من عرض برامج تفصيلية مختصة بأمور تهم المواطن مثل الأجور والبيئة والتربية وغير ذلك بحيث تنصل الجميع تقريباً من المسؤوليات وألقوا حمل الفساد على الغير بالرغم من مشاركتهم في الحكومات (حزب الله، القوات، أمل، التيار...)".

دار الفتوى حزب سياسي

يبدو المشهد عند الطائفة السنية على نحو لم تشهده من قبل، والإحباط السنّي الذي يجري تداوله عند كل واقعة يكاد يكون في أعلى مستوياته اليوم بعد تنحّي رئيس الحكومة السابق وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري، عن المشهد وإيعازه إلى نواب تيار المستقبل وجمهوره بمقاطعة الانتخابات. وبعد عدم ترشّح أحد من حلف رؤساء الحكومات، فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي وتمام سلام، والاختفاء التدريجي الملحوظ لبهاء الحريري، لم يتبقَّ سوى المتفرقات. مع "محور الممانعة" النائب فيصل كرامي مرشحاً عن منطقة طرابلس، وفي بيروت فؤاد مخزومي يرفع لواء نزع سلاح الحزب وفي اللوائح التغييرية على امتداد لبنان مستقلّون سنّة ينضوون خلف برامج متنوعة لكنها لا تتخذ الطابع الطائفي في مجملها.

دار الفتوى الإسلامية عاكست الحريري ودعوته إلى المقاطعة، فشحذت هممها ودعت أئمة المساجد وخطبائها كي يقوموا يحثّوا اللبنانيين على المشاركة في الانتخابات

إلا أن دار الفتوى الإسلامية عاكست الحريري ودعوته إلى المقاطعة، فشحذت هممها وشيوخها من خلال إصدار المديرية العامة للأوقاف الإسلامية بتوجيه من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، دعوةً إلى أئمة المساجد وخطبائها في لبنان وبيروت ليقوموا بدورهم بحثّ اللبنانيين على المشاركة في الانتخابات وممارسة حقهم في الاقتراع، وهو ما حصل بالفعل في الجمعة الأخيرة ما قبل الانتخابات إذ صدحت المساجد بالدعوات للانتخاب يوم الأحد كفرصة للتغيير وعدم مصادرة القرار اللبناني، علماً أنهم حذروا من "تغيير" "المجتمع المدني"، ومن لفّ لفيفه، لما يرون فيه من أمور دخيلة على دينهم ومجتمعهم وعلى رأسها الزواج المدني. ولم تظهر دار الفتوى ميولها إلى أي مرشح أو جهة بالرغم من استقبالها عدداً منهم على مدار الفترة الماضية، ومن بينهم النائب فؤاد مخزومي.

الدروز في خطر

الزعيم الدرزي الأبرز في لبنان وليد جنبلاط، خاطب أبناء طائفته بلغة العنفوان طالباً منهم ردّ الهجمة التي وصفها بالاغتيال عبر الانتخابات، "من خلال صناديق الاقتراع، لمنع الاختراق، ومنع التطويع والتبعية"، أي أن خصمه الأول هو حزب الله ومحور الممانعة والعهد العوني، غير أنه لا يتخلى عن حليفه الثابت والوحيد نبيه بري. بري نفسه هو الحليف الأساسي للحزب، ما يشكّل حيرةً مطلقةً لمن قد ينظر إلى الأمر من الخارج، لكن كل ملمّ بطبيعة التركيبات السياسية في لبنان والتحالفات التي تتغير وفقاً للمصالح الحزبية لن يعود الأمر مستغرباً بالنسبة إليه.

دعا النائب في اللقاء الديمقراطي والمرشح وائل أبو فاعور، إلى "دفن العهد" في 15 أيار/ مايو (موعد الانتخابات): طابخ السم آكله وأنتم طبختم السم وستأكلونه

في الحديث عن العهد، فقد دعا النائب في اللقاء الديمقراطي والمرشح وائل أبو فاعور، إلى "دفن العهد" في 15 أيار/ مايو (موعد الانتخابات)، وذلك خلال احتفال إعلان لائحة "القرار الوطني المستقل" في دائرة راشيا-البقاع الغربي، التي تحالف فيها "الحزب التقدمي الاشتراكي" مع النائب الحالي في كتلة "تيار المستقبل" محمد القرعاوي، في 17 نيسان/ أبريل الماضي. وقال: "لقد قرعتم رؤوسنا بالعهد القوي فأين أنتم اليوم وأنتم تتوسلون الأصوات؟ طابخ السم آكله وأنتم طبختم السم وستأكلونه".

في المقابل، يتحالف جنبلاط نفسه في لائحة واحدة مع حزب الله في دائرة الجنوب الثالثة حيث يدعم المرشح مروان خير الدين على لائحة الثنائي، وخير الدين من أبرز الوجوه المصرفية التي تدافع عن السياسات المصرفية في وقت يعيش لبنان أكبر أزمة اقتصادية ومالية في تاريخه.

إذاً، وكعيّنة قد لا تكون شاملةً لكنها وافية، يتّضح مما سبق أن الأحزاب الطائفية اللبنانية تنوي خوض "معركة انتخابية" ضروس، لكن ليس محبّةً باللبنانيين ومن أجل إنقاذهم من بعض أزماتهم، بدءاً بمخلّفات انفجار العاصمة في الرابع من آب/ أغسطس 2020، وصولاً إلى الصعوبات الحياتية اليومية، بالإضافة إلى ما سيتجلى في السادس عشر من أيار/ مايو، أي اليوم الذي يلي الانتخابات، من تحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال وارتفاع الأسعار وانهيار مستمرّ بالليرة، وذلك كله لم يحضر أو حضر بشكل خجول في خطابات الزعماء، بشكل ليست فيه حلول مستدامة بل وعود انتخابية لإعادة التموضع في مجلس النواب. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard