شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المعزوفة الأخيرة للحاج عمر قبل أن يعدمه الاحتلال!

المعزوفة الأخيرة للحاج عمر قبل أن يعدمه الاحتلال!

مدونة

السبت 15 أكتوبر 202211:39 ص

لا أحد يعرف ماذا كان يفعل الحج عمر في الليلة التي بدأ فيها الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية عام 2002، مرّتْ عشرون سنة على ليلته الأخيرة في رام الله، دون أن يعرف أحد لماذا كان يسير في الشّارع وكأنّه في مهمة أمنية خاصة فلا يلتفت يمنةً أو يُسرى. اجتاحت أكثر من مائتي دبابة وناقلة جُند ومدرّعة مدينتي رام الله والبيرة قرابة الساعة 3:30 فجراً، الجمعة 29/03/2002، لكنّ أحداً لم ينتبه أنّه كان في وسط رام الله. فرضَ جيش الاحتلال الإسرائيلي حصاراً مشدداً على الرئيس ياسر عرفات في المقاطعة، فتوجّهت كاميرات القنوات كلّها إلى هُناك، لكنّ كاميرا واحدة لم تتذكره وهو يفكّر في اليوم التالي الذي سيدرّب فيه جوقة الموسيقى التابعة للأمن الوطني في الشارع العام.

بعد يومين من الاجتياح الإسرائيلي للمدينة، وجدَ رفقة أربعة من أفراد الأمن الوطني في أحد مداخل عمارة بنك القاهرة عمان، وقد أعدمهم الاحتلال جميعاً بطلقات في الرّأس، في جريمة مرّت مرور الكرام على جميع شاشات الأخبار، ولم يتم تناولها إلا ككونها جريمة عاديّة مثل كلّ الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي وما زال حتى يومنا هذا. لكن أحداً لم ينتبه أنّ فرقةً كاملة قُتلت في رأسه، أنّ موسيقى كثيرة انسكبت من جسده بمجرّد دخول الرصاصة إليه. كان على كاميرات الإعلام أن تنقلَ آثار الموسيقى التي لطّخت الجدران ولم تُمحَ إلى اليوم.

القتال بالموسيقى

المرة الأولى التي انتقلت فيها سيرة المايسترو الحج عُمر من المَروي إلى المكتوب، كانت في كتاب " يوميات الاجتياح والصمود شهادة ميدانية" للكاتب الفلسطيني يحيى يخلف، حيثُ ظهرَ فجأةً في غمرة الأحداث اليومية التي دوّنها يخلف عن الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، ظهر فجأةً ثمّ اختفى، هكذا مثل خيط لا يمكن تمييز بياضه من سواده حين يُرَى، ولكنّه ظلّ حالةً فريدة/غريبة تحتاج إلى المزيد من التأمّل والتفكيك، حتى لا تندثر في التاريخ الفلسطيني مثلها مثل النماذج الأخرى التي ذابت وسطَ آلاف ومئات الشهداء.

يصف يحيى يخلف المايسترو الحج عُمر في كتابه قائلاً: "كان ضابطاً كهلاً طويلاً ونحيفاً، أشيب الرأس واللحية والشاربين. وكان في الاحتفالات يزهو ببزته العسكرية وهو يقود جوقته كما لو كان مايسترو حقيقياً". في دليل على اعتزاز هذا الكَهل بمهنته التي لم يخترها بملء إرادته، والتي ربما رأى فيها طريقة للدفاع عن فلسطين الراقدة في الذاكرة، وهذا يظهر فيما قاله يحيى يخلف حول المايسترو ورفاقه الأربعة الذين ودّعوا الحياة معه: "لم يحالوا إلى التقاعد بسبب عدم وجود نظام للتقاعد حتى الآن في السلطة الوطنية الفلسطينية (يقصد الكاتب هنا: حتى وقت اجتياح الضفة الغربية سنة 2002) ونظراً لكبر سنّهم، فقد كُلّفوا بمهام إدارية لا قتالية، مثل جهاز التموين التابع للقوات أو مديرية اللوازم والزيوت، وما إلى ذلك".

طابور العزف الصباحي

في مشهد عبثيّ تماماً، كان الحَج عُمر يقود أفراد فرقته صباحاً ليدرّبهم على العزف في الشارع العام، حيثُ يكتشف المتأمّل في هذا المشهد حالة الضياع التي عاشها المقاتلون الفلسطينييون بعدَ دخول حركة فتح إلى فلسطين سنة 1994 والبيروقراطية التي بدأت تتسلسل في عظامهم خلال تلك الفترة، ولكنّ المايسترو كان يتحدى ذلك كلّه بجديته والتزامه، وكأنّه يقود كتيبة هُجوم على الأعداء.

كان ضابطاً كهلاً طويلاً ونحيفاً، أشيب الرأس واللحية والشاربين. وكان في الاحتفالات يزهو ببزته العسكرية وهو يقود جوقته كما لو كان مايسترو حقيقياً

يقول يحيى يخلف: "كنت أشاهده أحيانا وأنا ذاهب بسيارتي إلى مركز عملي في وزارة الثقافة إذ كان يدرب فرقته على العزف في الصباح على الشارع العام، يسير رجاله في طابور وهم يرتدون حللهم العسكرية ويعزفون المارشات العسكرية ويضبطون خطواتهم على إيقاع الموسيقى، فيما كان المايسترو يتقدمهم وينظر إلى المارة بفخر واعتزاز. وأذكر أن وزارة الثقافة حصلت على كمية من الآلات الموسيقية كمنحة من حكومة اليابان، وقامت بتوزيعها على المدارس والمعاهد وأهدت بعضاً منها إلى فرقة موسيقى الأمن الوطني. أذكر أن (المايسترو) في مشوار تدريبه الصباحي، عرّج صوب مبنى الوزارة وتوقف أمامه وأخذ يعزف "ألحانا" عذبة وذلك كتحية وفاء منه للفتة الكريمة التي قامت بها الوزارة تجاه فرقته".

رحلة البحث عن المايسترو

التّنقيب في الأرشيف الفلسطيني قادرٌ دائماً على إصابة القارئ بالدهشة، إنه ممتلئ بالحكايات التي لا تخطر على بال أحد. وقد كانت رحلة البحث عن "المايسترو الفلسطيني" كما وصفه الصحافي المصري جمال الغيطاني، رحلةً شاقّة. فعلى الرّغم من كثرة المعلومات المنتشرة على محركات البحث، ووجود آلاف المستندات والصّور لكل شخص يخطر على البال، لا توجد صورة واحدة توضّح ملامح وجه الحج عُمر، وتجعل من يسمع عنه قادراً على تخيّل شكله وهو يدرّب فرقته على العزف في شوارع رام الله، أو حتى قادراً على تخيّل صورته وهو ملقى على أحد مداخل بناية القاهرة عمان في وسط رام الله، وثقبٌ أحمر يوصل الهواء إلى البلاط عبر رأسه.

لا توجد صورة واحدة توضّح ملامح وجه الحج عُمر، وتجعل من يسمع عنه قادراً على تخيّل شكله وهو يدرّب فرقته على العزف في شوارع رام الله، أو حتى قادراً على تخيّل صورته وهو ملقى على أحد مداخل بناية القاهرة عمان في وسط رام الله

في مقالته التي جاءت بعنوان "المايسترو الفلسطيني" والمنشورة بتاريخ 24 سبتمبر/أيلول 2002 في صحيفة البيان، يقول الغيطاني واصفاً مشهد نهاية المايسترو: "لم يكن هناك أثر لمعركة، بل ربما قتلوا أثناء نومهم عندما لجأوا إلى تلك الحجرة هربا من الحصار، كانوا يرقدون فوق الأرض، أحدهم جسده منحني قليلاً، آخر تشوهت ملامحه إذ استقرت دفقة رشاش في رأسه مباشرة، يرتدون الزي الأصفر وأحذية عسكرية، زي جيش التحرير الفلسطيني سابقا، قوات الأمن الفلسطينية حاليا، كانوا متقدمين في العمر، وكان ثمة أبوية في هيئاتهم".

مجرّد اسم عبر على شاشة التلفاز... والتاريخ

السّبت في 30/3/2002 تمّ التعرف على خمسة من أفراد الأمن الوطني اغتالهم الاحتلال الإسرائيلي في عمارة الطابون برام الله، وقد أعلن وقتها وكيل وزارة الصحة الدكتور منذر الشريف أسماء الخمس شهداء بعد التعرّف عليهم: "خالد فتحي عوض الله - 32 عاماً من أريحا، إسماعيل إبراهيم ديب - 56 عاماً من بيت غسان قضاء القدس، سعيد محمد عبد الرحمن مهدي - 60 عاماً من غزة.،عبد الرحمن توفيق عبد الله - 58 عاماً من نابلس. عمر محمد موسى - 54 عاماً من أريحا".

عبرت أسماء الشهداء الخمسة عناوين الأخبار، وربما تم ذكر كلمة "خمسة" دون سرد أسمائهم في الكثير من المحطات والإذاعات، وحتى إن تم ذكرهم، فإنّ ذلك يتم لمرات معدودة ثمّ تندثر أسماؤهم للأبد. في دلالة على كيفية تحوّل الفلسطيني من شخص له سيرة وحياة وذكريات إلى مجرّد رقم يظهر على شاشة التلفاز. وبعيداً عن الأرقام يظهر اسم المايسترو الحج عمر بين الخمسة، بينما يقف اسمه دون عصا المايسترو، ودونَ فرقته التي لطالما قادها بأمل واعتزاز بعيداً عن فخ التقاعد البعيد.

نهايات غير موسيقية لرجل موسيقي

رحلَ المايسترو الحج عُمر دون أن يعزف الموسيقى العسكرية لمرة واحدة على جبال الجليل، ودون أن يؤدي تدريبه الصباحي على شاطئ حيفا، ولم يعد ذكر اسمه أو رؤية وجهه في مكان – ولو كشَبَه – يدلّ على قدوم الرئيس ياسر عرفات، قتله الجنود الإسرائيليون برصاص في الرأس وهو أعزل لا يحمل سلاحاً، في واقعة لا يفعلها إلا من يخاف من الموسيقى، ومن يهاب الموسيقى لم يعرف الإنسانية يوماً.

يقول يحيى يخلف في كتابه: "كان المايسترو خامس خمسة أعدمهم جنود الاحتلال في زاوية معتمة من عمارة بنك القاهرة عمان، وجدهم الصحافيون بعد يومين جثثاً هامدة، وقد أُطلق الرصاص على رؤوسهم، وسال الدم، وخضّب لحاهم البيضاء".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard