طواف ليلي في القدس

الجمعة 4 مارس 202202:55 م

القدس تراضي حزنك وتؤنس خوفك، هذا ليس مديحاً، إنما خبر حقيقي.

كان الفندق موحشاً، لا أعرف حتى الآن سبباً لذلك، لكنني شعرت بوحشة في ليل الفندق، لم أشعر بها في ليل القدس كله، كأن هذه البقعة استثناء، وصرت أفكر في كل شيء من شأنه أن يزيد التيه تيهاً، التيه الذي يتملكك في بلدك هو التيه الحقيقي، وما سواه مجرد صور مجازية للتيه.

لم أجبه، وماذا يعني أن أجيبه، وقد قال في جملته الإجابات كلها، ولم يترك كلمة ترقى لمستوى القول وقيمته، يقول إنه سيعيد دمي إلى منبعه، لا إلى المصب، وإنه سيأخذني إلى موطئ أقدام جدي وجدتي إذ كانت صبية، حيث تغازلا وتزوجا، وأكملا الطريق إلي.

لا يعلم طارق البكري حتى الآن أنني رحت في تيار بكاء جديد، حين انتهت المكالمة، بكيت وضربت المخدة والسرير، ونفسي أيضاً، في تلك المرآة المغبرة، يضرب المرء جنبيه عند الفرح، ويقفز فوق السرير، مهما بلغ من العمر ومن برود اللهفة، يفعل ذلك لأن ناراً تشب فيه، وتذكي رغائبه في الوصول إلى حلم ما. إنها الحركة ذاتها حين تشب نار في جسدك، تضرب جنبيك لتطفئها.

طارق البكري موثقٌ ومصوّر، متتبعٌ منقطع النظير لتاريخ القدس وفلسطين المحتلة كلها. يخرج كل يوم من بيته، مجهزاً بعتادٍ لا يخذله، الكاميرا والفكرة، والمبدأ الصلب، هكذا بنى مشروعه "كنا وما زلنا"، مشروع عابر للاحتلال، ترسل له صورة قديمة احتفظ بها أبوك أو جدك لبيتك المحتل، فيمخر شوارع البلاد ليأتيك بصورة للبيت ذاته وما آل إليه، وإن تمكنت بشكل ما أن تدخل البلاد، لا يمانع في اصطحابك إلى أي مكان يربطك به أي صلة، إن لم يعرض عليك ذلك هو من تلقاء نفسه، كما فعل معي، ما المقابل؟ المقابل أن يمسح دمعتك قبل أن تسيل، وأن يشد على يدك، ويضمك إلى معسكر المتفائلين بزوال الاحتلال وعودة فلسطين سالمة من معارك التشويه.

شعرت بوحشة في ليل الفندق، لم أشعر بها في ليل القدس كله، كأن هذه البقعة استثناء

طوّفنا في شوارع القدس، حول المركز، أعني طبعا الحرم، مررنا بفندق الملك داوود الذي شيّدته عائلة مصرية قبل الاحتلال، يدل على ذلك النقش الذي أشار إليه طارق " لوكنده الملك داوود" ، هذا الفندق الذي صار موطئاً رسمياً للرؤساء الذين يزورون كيان العدو على أساس دبلوماسي، تقابله عمارة الأخوين ديفد، التي تعود لفلسطينيين استطاع محامٍ مقدسي أن يعيدها إليهما، فصار اليهود يكسرون اللافتة التي تحكي قصتها، منذ اغتصابها على أساس ما يسميه الاحتلال قانون "حارس أموال الغائبين"، والذي يستولي بموجبه على أي أملاك هُجّر أصحابها عنوة في حرب النكبة عام 1949، ويوزعها على مواطنيه عبر شركات حكومية مسؤولة عن الاستيطان في بلادنا، حتى فوز الأخوين ديفد باسترجاع بنايتهم، ويعيد الفلسطينيون تعليق لافتة جديدة، كما يشرح طارق.

مررنا أيضاً بمبنى البريد الفلسطيني الذي صار اسمه "مبنى البريد الإسرائيلي"، وكان طارق يشرح لي عن الدور التي تحمل المدينة، الحجر الكبير والقرميد يعني أن هذا البيت عربيٌّ، وحكى لي عن اعتزاز الإسرائيليين بأنهم يسكنون بيتاً عربياً، وتباهيهم بالآيات القرآنية المنقوشة على جدرانها لأنها تعدّ دليلاً دامغاً على عروبة البيت، ما يعني ثمناً باهظاً، لأثر معماري يقتل مشروعهم ولكنه يعود بالنفع الشخصي على أفرادهم.

القرميد الذي يعتلي البيوت القديمة كطرابيش، يتوج الآن المستوطنات الإسرائيلية حديثة البناء أيضاً.

حكى لي عن اعتزاز الإسرائيليين بأنهم يسكنون بيتاً عربياً، وتباهيهم بالآيات القرآنية المنقوشة على جدرانها لأنها تعدّ دليلاً دامغاً على عروبة البيت، ما يعني ثمناً باهظاً لأثر معماري يقتل مشروعهم ولكنه يعود بالنفع الشخصي على أفرادهم

القدس أكبر مما نراها في التلفزيون والبوستر، القدس كل الدوائر المتسعة جداً التي تطوق قبة الصخرة، و ليست القبة فقط، مدينة فخمة لا تستند على شيء سوى تاريخها، لا تحتاج ترويجاً سياحياً أو ثقافياً، فهي الوجهة ولا وجهة أو قبلة سواها، مبانٍ تاريخية، شوارع واسعة جداً، تنظيم فاره، وكما أكدَّ لي طارق بالصور التي جمعها من أرشيف أصدقائه و عائلته، فإن دولة الاحتلال لم تُضِف إلا القليل القليل، عماراتٍ زجاجيةُ مثلاً، وأنفاقاً تمت إضافتها في غير دولةٍ عربية مجاورة، أعني أن ما فعله الاحتلال من تطوير للبلد ليس إلا أمراً كان لا بد من حدوثه، على يد أي سلطة تحكم فلسطين.

أخذني طارق في آخر الأمر إلى مقهى فلسطيني قريب من الأقصى، حيث حضرنا فقرة لفرقة شرقية، لم تترك المدينة لهجتها في القدود الحلبية دون أن تسقط فيها أثراً فلسطينياً مقدسياً... مقدسياً كلمة تجعل عائلتك مقدسة لفرط التصاقها بمدينة لا مثيل لها، إذ إنها المَثَلُ والنموذج والغايات العليا كلها. أتعرف ما يعنيه أن يصبح اسمك مقدساً لأنك من هذه الشوارع العتيقة؟! 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard