شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
أنثروبولوجيا الطعام من زاوية الرجال... ذكورة وأنماط هيمنة

أنثروبولوجيا الطعام من زاوية الرجال... ذكورة وأنماط هيمنة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

السبت 15 أكتوبر 202211:09 ص

ينفتح الفيلم الأمريكي "ذهب مع الريح"، أحد علامات الرومانسية الملحمية في تاريخ السينما، على مشهد سكارليت أوهارا، بطلة الفيلم، وهي تستعد للذهاب إلى حفلة، فيما تحثها مدبرة المنزل، مامي، على تناول الطعام قبل الذهاب حتى لا تشعر بالجوع وتلتهم الكثير منه أمام الناس.

باكراً، فُرض على النساء في الأماكن العامة أن يأكلن قليلاً مثل الطيور الصغيرة، وسُجنَّ داخل قفص السيطرة على الشهية، إذ تحوّل النظام الغذائي مع الزمن إلى أداة للانضباط الذاتي للإناث.

هذا النظام حظي بالكثير من الاهتمام في الدراسات الاجتماعية المعاصرة، من زاوية دراسة اللامساواة بين الجنسين، والتي تلخصها الفيلسوفة الأمريكية سوزان بوردو في مقالها الشهير "الوزن الذي لا يُطاق: النسوية والثقافة الغربية والجسد" (1997) من خلال فكرة تقسيم الأدوار القائمة على أسس أيديولوجية معيّنة، أوّلها أن دور المرأة في المجال الخاص هو العناية بالطعام، والثاني يستند إلى حقيقة أن المرأة تشعر بالرضا عندما تعتني بالآخرين وطعامهم دون التفكير في احتياجاتها الخاصة. وأخيراً، تشير إلى أن "الشهية الأنثوية" يجب أن تكون محدودة ومخفية لأسباب تتعلق بمقاييس جمالية لم تشارك في وضعها، وخاصة في سياق التقسيم الجنسي للعمل.

أنثروبولوجيا الرجال الطعام

على الجانب الآخر من الصورة، لا نجد الكثير من الدراسات المهتمة بأنثروبولوجيا الطعام من زاوية الرجال، أي قراءة الذكورية المعاصرة بدءاً من دراسة الممارسات الغذائية بالمعنى الواسع، من اختيار الأطعمة، مرورا بإعدادها، إلى المعاني المنسوبة إلى فعل الأكل نفسه.

هذا ما يعالجه الأكاديمي الإيطالي فولكا فيدوليني، في كتابه "الرجال والحميات الغذائية: الغذاء والذكورة وأنماط الحياة''. يقدّم الكتاب، وهو بحث ميداني معمق، أفكاراً حول الجوانب الثقافية لممارسات الطعام وعلاقته بتشكيل النوع الاجتماعي، وكيف يساهم الطعام في تطوير عملية استيعاب الفرد للعالم، محللاً العلاقة بين خيارات الطعام والجسد والذاتية.

يهتم الباحث بـ"الذكورية" التي تتشكل على أنها ممارسات موضوعية تتفاعل باستمرار مع مُثُل الهيمنة التي شكلت تاريخياً واجتماعياً تصورها وتحقيقها في المجتمع: النظام الأبوي، والرجولة، والجنس الآخر. اعتماداً على هذا المنظور، الذي من الواضح أنه مستوحى من أعمال عالم الاجتماع الأسترالي راوين كونيل يقترح هذا العمل قراءة الذكورية المعاصرة بدءاً من دراسة الممارسات الغذائية بالمعنى الواسع، وكيف تساهم في عمليات إعادة إنتاج سمات الذكورة المهيمنة وهي تشكيلة من الممارسات الجندرية المتغيرة والجماعية التي من خلالها يدخل الفاعل الاجتماعي في التسلسل الهرمي للعلاقات بين الجنسين وبين الأشخاص من نفس الجنس.

من منظور كونيل، يجب فهم النماذج المهيمنة للذكورة على أنها مُثُل معيارية تصلح للعمل الأدائي. تطمح الذكورة التي تريد أن تكون مهيمنة إلى الإدراك الملموس لواحدة أو أكثر من السمات المعيارية للذكر: كما ذكرنا، الرجولة، والمغازلة، والسلوك المفترس، والشجاعة، والقوة، والقدرة على التحكم في عواطف المرء، والنجاح... أولئك الذين يفشلون في دمج مثل هذه الخصائص ينتهي بهم الأمر إلى الخضوع للقوة الهرمية لتلك القواعد المهيمنة.

وفي المحصلة يسعى فيدوليني إلى فك إشكاليات: كيف يمكن لما نأكله أن يساهم في بناء منطق الهيمنة الذكورية، وفي نفس الوقت، في إنتاج ديناميات داخلية للذكر من خلال عمليات تحديد متعددة، وأحياناً متناقضة؟

الرجولة تحت عدسة الطعام

ينطلق فولكا فيدوليني في تحليله لعلاقة الذكورة بالطعام من مسلَّمة تقوم على أساس مفهوم الأداء الجنساني مفادها أن "الذكورة هي شيء يتم إنتاجه". ومن ثم، فإن المنظور التحليلي لكيفية "اشتغال" الذكورة في سياق الغذاء يستند إلى مفهوم "ممارسة الجنس"، أو فكرة أن الجنس هو ممارسة تُنَفَّذ باستمرار من خلال ذخيرة وإجراءات محددة مدمجة في التفاعل اليومي، أي كيفية استخدام الرجال للممارسات الغذائية، مثل جميع الممارسات الأخرى، ليثبتوا للرجال الآخرين أنهم يلتزمون بمرجع الرجولة، وبالتالي يسهل التعرف عليهم ووضعهم داخل هرم الذكورة المهيمنة.

كيف يمكن لما نأكله أن يساهم في بناء منطق الهيمنة الذكورية، وفي نفس الوقت، في إنتاج ديناميات داخلية للذكر من خلال عمليات تحديد متعددة، وأحياناً متناقضة؟

هناك العديد من النقاط المشتركة بين قضايا المساواة بين الجنسين والتغذية. كلاهما يفسح المجال أمام مقاربة بنائية تهدف إلى نزع الطابع الطبيعي عن اللامساواة. يؤكد البحث الميداني الذي أجري أن التمثّلات الاجتماعية تقّسم الطعام جنسياً. هناك أطعمة تُعتبر عموماً "أكثر ذكورية" وأخرى تعتبر "أكثر أنوثة". هذا التصنيف الثنائي، مهما كان صارماً فإنه قابل للنقد، لكن من شأنه أن يساهم في تحديد النوع الثنائي.

إذا كان استهلاك اللحوم، وخاصة اللحوم الحمراء، والكحول يلعب دوراً مهماً في عملية بناء الذكورة من خلال تمجيد الموقف العدواني والمتفاخر تجاه الطعام، فإن تفضيل الخضار أو البقوليات أو الفاكهة يرتبط أكثر باختيار الأنثى وعلاقة أكثر احتواءً وتواضعاً مع الطعام. في ظل هذا التقسيم، ستكون النساء أكثر ميلاً إلى تطوير علاقة أكثر تحكماً مع الطعام، في حين أن الرجال سيطورون علاقة غريزية أكثر مع الطعام، مما يثبت أنهم أقل حساسية حتى تجاه المفاهيم الطبية.

وبالتالي، فإن المنتجات العضوية أو الخفيفة، أو البقوليات الخضراء واللحوم البيضاء ستترجم (أيضاً من حيث التسويق) إلى منتجات تستهدف بشكل أساسي جمهور الإناث بينما تكون الأولوية بين الذكور هي اللحوم الحمراء والمنتجات القائمة على الكربوهيدرات.

وفقاً لنفس المنطق، ستُظهر النساء أيضاً قدراً أكبر من الانعكاسية ونفاذية أكبر للمؤشرات الغذائية، مما يثبت أنهن أكثر كفاءة في الأمور الغذائية والقدرة على التمييز بسهولة أكبر من الرجال بين الكربوهيدرات والدهون والبروتينات.

ستستفيد النساء أيضاً من أشكال قياس الحصص اليومية من الطعام المستهلكة أكثر من الرجال، ويفصلن أنفسهن بشكل أفضل من الرجال بين القيم الغذائية والسعرات الحرارية والغرامات والأحجام ومؤشرات كتلة الجسم. لذلك يبدو أن الرجال يتهربون من رسائل الوقاية الصحية بشكل متكرر أكثر، في إشارة إلى الأطعمة المستهلكة أو التي سيتم استهلاكها ويتركون بسهولة أكبر للشركاء، في سياق العلاقات بين الجنسين، تلك التي ركزت عليها العلوم الاجتماعية أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين بشكل خاص، اختيار ماذا وكيف نطبخ في المنزل. علاوة على ذلك، يفضّل الذكور تبني استراتيجيات أخرى، تُعتبر "أكثر ذكورية"، لمكافحة المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية: على سبيل المثال عن طريق تكثيف النشاط البدني.

تكشف النتائج التي توصل لها فولكا فيدوليني، من خلال المقابلات الشخصية والعمل الميداني، أن الرجال اليوم ليسوا بالتأكيد فاعلين سلبيين في مواجهة استهلاك الطعام، ولا هم أشخاص غير مبالين بالتوصيات الطبية أو تأثير الرموز الجمالية. لذلك ليس من غير المألوف أن تصادف رجالاً تبنّوا أنظمة غذائية تستبعد استهلاك اللحوم أو يراقبون عاداتهم الغذائية على أساس يومي، لأسباب تتعلق بالصحة أو الوقاية أو لمجرد الرعاية الذاتية. الرجال اليوم ليسوا محصنين حتى من كل اضطرابات الأكل، تلك التي كانت لفترة طويلة، ولا تزال حتى اليوم، تُعزى على عجل إلى العالم الأنثوي وحده، مثل فقدان الشهية أو الشره المرضي، كما أنهم معرضون بشكل متزايد لمخاطر الإصابة بفقدان الشهية أو زيادة الشهية.

في تقسيم تفضيل الرجال استهلاك اللحوم والكحول، وتفضيل النساء الخضار أو البقوليات أو الفاكهة، ستكون النساء أكثر ميلاً إلى تطوير علاقة أكثر تحكماً مع الطعام، في حين أن الرجال سيطورون علاقة غريزية أكثر، مما يثبت أنهم أقل حساسية تجاه المفاهيم الطبية

ليس ذلك فحسب، بل إن الأدبيات الحديثة حول هذا الموضوع تحاول أيضاً إعادة مناقشة جمود نموذج "الرجل المعيل" (يُعيل العائلة بالعمل خارج المنزل)، الذي أعادت الدراسات المستوحاة من النسوية إنتاجه بشكل متكرر، فقد أصبح الرجل أكثر تدخلاً في المجال الخاص للعائلة من خلال العمل المنزلي.

درس الباحث نماذج تحولات التكوين التقليدي للأدوار الجنسية في الأسرة، كالآباء الذين يجدون أنفسهم بمفردهم بعد فقدان أحد الزوجين أو الرجال الذين تتعيّن عليهم رعاية شريك أو شريك مريض أو غير مكتفٍ ذاتياً، وكذلك درس تأثيرات الأزمة الصحية العالمية والطريقة التي شاركت بها في إعادة تحديد أنماط حياتنا وعاداتنا بين عامي 2020 و2021، فقد جلبت معها تجربة التكوينات الجديدة الممكنة للعلاقات بين الجنسين في البيئة الأسرية، وإعادة النظر أحياناً (على الأقل جزئياً) في روتين الأعمال المنزلية، والالتزام بإعداد طعام الأسرة، ورعاية الأسرة والأبناء.

وعي الذكورة الهشّة

على الرغم من التقسيم السائد اجتماعياً حول الطعام، والقوة التي تتجلى بها الذكورة في كافة مجالات الحياة، بما في ذلك اختيار أنماط الغذاء القائمةً أساساً على البروتين من أجل التوفق العضلي، والإسراف أحياناً فيها وعدم إظهار اهتمام كبير بالمحاذير الصحية، إلا أن عمل فولكا فيدوليني يقود من خلال هذا التشخيص إلى اكتشاف طور من الذكورة الهشة يظهر عند الكهولة تحديداً.

تسلط المقابلات التي أجراها الضوء على أن الممارسات الغذائية وأنماط الحياة المعتمَدة تطوِّر علاقة محددة مع العمر وخاصة مع تصورات العمر. في بعض الأحيان، يظهر الاهتمام بالطعام قبل سن الأربعين، وأحياناً يحدث فقط عند في الستينات: يقدّم الأشخاص الذين جرت مقابلتهم بانوراما متنوعة من الأسباب التي تلهم الرعاية الذاتية من خلال التغذية. ولكن في هذه المرحلة من منتصف العمر بالتحديد، بين 40 و60 عاماً، تصبح علاقة الرجال بجسدهم موضوعاً رئيسياً. يصبح الطعام مجالاً متميزاً لإعادة صياغة معاني الوقت الذي يمر، متقاطعاً مع حلقات السيرة الذاتية التي يمر بها كل واحد: ظهور قلق متزايد في مواجهة مخاطر المرض، أو حتى بداية حياة جديدة كزوجين أو ولادة أطفال، أو الانفصال أو تغيير المهنة.

 في أعقاب هذه التجارب، يدرك الرجال الفرصة لإعادة تصميم مسارهم من خلال التدخل (من بين مجالات أخرى من الحياة) بالممارسات الغذائية وتطوير انعكاسية متزايدة على الذات وعلى الخيارات التي تُتَّخّذ، ليس فقط في مسائل التغذية.

من بين شبكات القصص التي حُلّلت، تكشف الإنشاءات الذكورية عن نفسها بسبب هشاشتها، وبنائها المستمر وإعادة بنائها. ينتهي الأمر بأسلوب الأكل إلى أن يصبح مجالاً يقوم فيه الرجال بإثارة مشاكلهم في الذكورة من منظور الشيخوخة الذي يبدو أنه يدرك تحولاً حاسماً في العمر، قادراً على فتح الأبواب أمام تحديات "زمن ضعف" يتسم باحتمال فقدان الحيوية.

هنا، في هذا العصر الجديد من الحياة، تظهر الحاجة إلى تجهيز الرجل نفسه بأدوات أخرى للعناية بالنفس والجسد، وبالتالي مواجهة التحديات التي يعلنها المستقبل القريب في الأفق. أي أن الرجل يعود إلى ذلك الوعي الأنثوي الباكر بالصحة ونوعية الطعام لكنه يصل متأخراً في كثير من الأحيان.

يدعونا كتاب فولكا فيدوليني إلى إعادة تقييم نمط الغذاء بوصفه أداة لإعادة إنتاج ترتيب النوع الاجتماعي. لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن ما سمّته موجة الدراسات الاجتماعية في نهاية القرن العشرين بـ"نظام الغذاء القائم على النوع الاجتماعي"، يملك قدرة هائلة على إعادة تشكيل نفسه من مجتمع إلى مجتمع عبر العديد من الصور الرمزية للتفاوت الاجتماعي.

على الرغم من حقيقة أنه في معظم المجتمعات، لا تزال المرأة تتحمل مسؤولية إعداد الطعام، وهو ما يمثل أهم أعمال الرعاية الأولية، إلا أن الوضع في مجتمعات الجنوب أكثر عمقاً من حيث التمييز، ففيها يكون مضاعفاً طبقياً على المستوى المحلي وعلى المستوى الدولي. في الكثير من دول الجنوب الأقل تنمية، حيث تتحمل النساء مسؤولية إطعام الآخرين، هنّ في كثير من الأحيان لا يطعمن أنفسهن بشكل كافٍ، وهذا غير بعيد عن مجتمعاتنا العربية حيث تعيش دول كثيرة حروباً أهلية وأزمة غذاء مديدة. ومع ذلك لا توجد بحوث ودراسات اجتماعية كافية حول الغذاء كمحدد متميز للإنتاج وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بين الجنسين في العالم العربي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard