هل يعتبر النظام الغذائي الخالي من الغلوتين صحياً ومفيداً؟

الجمعة 12 نوفمبر 202103:53 م

يستمر الهوس بالمنتجات الخالية من الغلوتين يوماً بعد يوم في مختلف أنحاء العالم، بخاصة مع وجود العديد من المشاهير الذين قرروا إبعاد الغلوتين عن وجباتهم الغذائية، معتبرين أن هذه المادة قادرة على التسبب بالعديد الأمراض، بما في ذلك الخرف والاكتئاب والسمنة والتوحّد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بالإضافة إلى إصرار العديد منهم على أن الامتناع عن الغلوتين يساعد في عملية إنقاص الوزن.

فهل النظام الغذائي الخالي من الغلوتين هو الأنسب لأجسامنا؟

via GIPHY

غياب الأدلة العلمية

أدى الطلب المتزايد على المنتجات الخالية من الغلوتين إلى ظهور بدائل، بحيث يُظهر البحث السريع على موقع أمازون وجود العديد من الخيارات، بدءاً من خليط الفطائر الخالية من الغلوتين، وصولاً إلى ألواح الغرانولا "الخالية من الغلوتين".

واللافت أن هذا الطلب ينمو الآن بشكل أسرع من الخيارات النباتية، فقد ذكرت مجلة الإيكونوميست أن مبيعات بدائل اللحوم تتراجع في أميركا منذ العام 2008، منوهة بأن طلب المستهلكين/ات على المنتجات الخالية من الغلوتين يرتفع بسرعة.

في الواقع، لا يوجد أي دليل علمي جيّد يدعم الامتناع بشكل نهائي عن إدراج الغلوتين في النظام الغذائي، وفق ما أكد الباحث مايكل سبكتر: "لا توجد إجابات مرضية علمياً لمسألة كيف أن الغلوتين، وهو غذاء أساسي يدعم البشرية لآلاف السنين، أصبح فجأة يشكل تهديداً كبيراً".

يستمر الهوس بالمنتجات الخالية من الغلوتين يوماً بعد يوم في مختلف أنحاء العالم، بخاصة مع وجود العديد من المشاهير الذين قرروا إبعاد الغلوتين عن وجباتهم الغذائية، معتبرين أن هذه المادة قادرة على التسبب بالعديد الأمراض، بما في ذلك الخرف والاكتئاب والسمنة والتوحّد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

الغلوتين هو مركب بروتين يعطي شكلاً للحبوب مثل القمح. صحيح أن بعض الأفراد لا يستطيعون تحمله، على غرار أولئك الذين يعانون من حساسية القمح أو مرض الاضطرابات الهضمية، لكن هذا لا يشكل سوى جزءاً ضئيلاً من الناس، ولا يكفي تفسير الحماس الهائل لهذا النمط من الأكل.

في حين يتحول بعض الأفراد إلى أنظمة غذائية خالية من الغلوتين بغية فقدان الوزن، أو لاعتقادهم بأن ذلك يجعلهم يتمتعون بصحة جيدة، يشير العلم إلى أن العلاقة بين الغلوتين والصحة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور دانيال أ. ليفلر، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب في جامعة هارفارد، أنه لا يوجد فائدة من وراء هذا النظام الغذائي: "قد يشعر الأشخاص الذين لديهم حساسية للغلوتين بتحسّن، ولكن الجزء الأكبر لن يستفيد من هذه الممارسة بشكل كبير، إنهم ببساطة سيهدرون أموالهم، لأن هذه المنتجات باهظة الثمن".

حقائق يجب معرفتها عن الغلوتين

أوضحت الأخصائية في علم التغذية، سالي الزين، لرصيف22، أن الغلوتين مركب من نوعين من البروتينات، الغلوتينين والغليدين، الموجودان في الأطعمة المصنعة من القمح والحبوب الأخرى، بما في ذلك الشعير.

ولتجنب الغلوتين، يجب الابتعاد عن جميع الأطعمة والمكونات التي أساسها القمح، من دقيق القمح الأبيض ودقيق القمح الكامل إلى السميد ونخالة القمح وبذرته.

وبحسب سالي، فإن هذا يعني التوقف عن تناول الخبز أو المعكرونة أو المعجنات أو الحبوب، بالإضافة إلى تجنب الحلويات المصنوعة من الطحين العادي الذي يحتوي على القمح، وحتى الأطعمة التي تحتوي على الشوفان، إذا تمت معالجتها في نفس المنشأة مثل القمح.

وأوضحت الزين أن النظام الخالي من الغلوتين هو مناسب للأشخاص الذين لديهم مرض السيلياك، وهو أحد الأمراض المناعية الذاتية: "عندما يتناول الشخص المصاب بالسيلياك أي طعام يحتوي على الغلوتين، فإن الجهاز المناعي يستجيب لهذا المادة عن طريق مهاجمة الأمعاء الدقيقة، فتكون الأعراض شديدة، بما في ذلك: التقيؤ، الغثيان، آلام شديدة في المعدة، إسهال".

في الحقيقة، هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن أنماط الأكل الخالية من الغلوتين يمكن أن تحسّن الأعراض لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي والتهاب المفاصل الروماتويدي ومرض السكري من النوع الأول والصدفية.

هناك بالتأكيد اضطرابات حقيقية مرتبطة بالغلوتين يجب على الناس التعامل معها، ولكن كما أشرنا في السابق، ليس هناك الكثير من الأدلة العلمية لدعم النظام الغذائي الخالي من الغلوتين، بخاصة وأن هناك نسبة ضئيلة من الناس تعاني من مرض الاضطرابات الهضمية أو حساسية القمح ولا يمكنها تناول الغلوتين.

various gluten free grains and food

حالة مبهمة

هناك عدد متزايد من الأشخاص الذين يقطعون الغلوتين من وجباتهم الغذائية على أمل تخفيف أو تجنب مجموعة من الأعراض والأمراض، بما في ذلك الانتفاخ، السمنة، ضباب الدماغ والزهايمر.

غير أن حساسية الغلوتين لا تزال مسألة مبهمة، إذ إنه لا توجد معايير تشخيصية صارمة حتى الآن، ولا توجد اختبارات دقيقة لحساسية للغلوتين، لذا فإن تحديد ما إذا كان شخص ما يعاني من هذه الحالة ينطوي في الغالب على جعله يتبع نظاماً غذائياً خالياً من الغلوتين ومراقبته.

تشير فرضية أخرى إلى أن الأشخاص الذين يقولون إن أعراضهم تتحسن عند اتباع النظام الغذائي الخالي من الغلوتين قد يتفاعلون بالفعل مع مجموعة أخرى من الكربوهيدرات في القمح تسمى FODMAPs (السكريات قليلة التخمير، السكريات الثنائية، والسكريات الأحادية والبوليولات).

بعبارة أخرى، ليس الغلوتين هو ما يزعج هؤلاء الأفراد، ولكن السكريات الأخرى الموجودة في القمح.

وصف الدكتور أومبرتو فولتا من جامعة بولونيا في إيطاليا، الأمر بهذه الطريقة: "هذه حالة ناشئة أبلغ عنها بشكل رئيسي من قبل الأشخاص الذين يدعون وجود ارتباط بين الأطعمة التي تحتوي على الغلوتين وأعراض الجهاز الهضمي، وفي حين أن البعض يبلغ عن تحسّن في الأعراض، فإن هذا عادة ما يكون ذلك نتيجة لتأثير الدواء الوهمي المرتبط بشكل حتمي بنظام الإقصاء الغذائي".

وأضاف أنه عندما يتم تقييم هؤلاء المرضى بشكل أكثر شمولاً، غالباً ما تكون هناك عوامل أخرى، كعدم تحمل اللاكتوز، ومع ذلك، "فإن اللوم يقع على الغلوتين".

via GIPHY

إنقاص الوزن

بالإضافة إلى الحساسية المزعومة، هناك سبب آخر يجعل الكثير من الناس يسرعون إلى اتباع نظام غذائي خالٍ من الغلوتين، لاعتقادهم بأن ذلك سيساعد على إنقاص الوزن، ولكن من المثير للاهتمام، أن بعض الدراسات تشير إلى أن الأنظمة الغذائية الخالية من الغلوتين قد تؤدي في الواقع إلى زيادة الوزن.

في هذا الصدد، أشارت سالي الزين، إلى أن النظام الغذائي الخالي من الغلوتين أصبح "ترنداً" لكون الشخص حين يمتنع عن تناول الخبز والمعكرونة والمعجنات وغيرها من النشويات، فإنه سيشهد انخفاضاً ملحوظاً في وزنه: "أصبح البعض ينظر إلى هذا النظام الغذائي على أنه وسيلة سهلة لإنقاص الوزن، غير أنه يغيب عن باله أن الأنظمة الغذائية الخالية من الغلوتين هي مخصصة للأفراد الذين لديهم مرض السيلياك، وأن هذا النظام غير صحي ولا يمكن تعميمه على الجميع لكونه يحرم الجسم من المعادن والفيتامينات".

هذا وكشفت الزين أن بعض الأفراد الذين امتنعوا لفترة معيّنة عن تناول الأطعمة التي تحتوي على الغلوتين، كسبوا وزناً إضافياً عندما أدرجوها مجدداً في نظامهم الغذائي.

وعليه أكدت سالي الزين أنه لا يمكن الاعتماد على هذا النظام الغذائي لإنقاص الوزن، بل يجب اتباع نظام غذائي متنوع وتناول جميع الأطعمة باعتدال.

مخاطر صحية

تتميز الأنظمة الغذائية المعروفة بأنها صحية على المدى الطويل، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، بشكل بارز بالحبوب الغنية بالألياف. قد يؤدي الامتناع عن هذه الحبوب إلى مخاطر صحية.

وبحسب موقع مايو كلينك، فإن الأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً خالياً من الغلوتين قد يكون لديهم مستويات منخفضة من الفيتامينات وبعض العناصر الغذائية في وجباتهم الغذائية، ويميلون إلى تناول كميات غير كافية من الألياف، ما قد يؤدي إلى الإمساك.

"أصبح البعض ينظر إلى هذا النظام الغذائي على أنه وسيلة سهلة لإنقاص الوزن، غير أنه يغيب عن باله أن الأنظمة الغذائية الخالية من الغلوتين هي مخصصة للأفراد الذين لديهم مرض السيلياك، وأن هذا النظام غير صحي ولا يمكن تعميمه على الجميع لكونه يحرم الجسم من المعادن والفيتامينات"

هذا وقد يؤدي تناول الطعام الخالي من الغلوتين أيضاً إلى تقليل نسبة البكتيريا المفيدة في الأمعاء، ما يؤثر سلباً على وظيفة الجهاز المناعي.

قبل عشرين عاماً، لم يتحدث أحد عن الأنظمة الغذائية الخالية من الغلوتين، أما الآن فقد باتت المنتجات الخالية من الغلوتين في كل مكان، سواء كان ذلك في السوبرماركت أو على قائمة المطاعم أو في محلات البقالة.

واللافت أن هذه "الصيحة" التي يروج لها المشاهير، لم تأت من العدم، وفق ما أكد الباحث ليفينوفيتز: "لقد كنّا مستعدين لكره الغلوتين بسبب حركة مكافحة الكربوهيدرات السابق"، مشيراً إلى أن الحجج ضد الغلوتين "مرتبطة بالخوف من الكربوهيدرات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard