شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
الانتظار طيرٌ أبكم

الانتظار طيرٌ أبكم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 13 أكتوبر 202202:45 م

تندرج المادة ضمن ملف "الانتظار... رنينُ هاتفٍ في صحراء"، إعداد وتحرير تمّام هنيدي.


مُتربّعاً على عرشه، يجلسُ كرونوس جدّ الآلهة جميعاً مستمتعاً بمراقبتنا، الزمان، المولود من رحمِ الوجود، المُحتال المُقامر، بسلاحهِ الحظّ ولعبته الأماني، ليس لهُ من بدءٍ ولا نهاية. على كتفهِ يقفُ طيرٌ أبكم، ذاك هو الانتظار.

تضيء شاشة المحمولِ عند الخامسةِ صباحاً من كلّ يوم لتحملَ معها أخبار الصباح من جريدة نيويورك تايمز (the Morning new york times). على الأخبار أن تصلنا -لسببٍ أجهله- مُبكّراً جدّاً قبل تناولِ القهوة وتنظيف الأسنان. لحسنِ الحظّ لا أنام كثيراً وأقضي معظم الليل مستيقظة، أعيدُ خلالهُ ترتيبَ أولويّاتي بعيداً عن صخبِ النّهار والأعمالِ المنزليّة التي لا تنتهي، أُنجِزُ عملي أمام شاشة اللابتوب بانتظار أن يطلع الفجر ويمدّني بتلك الطاقةِ العجيبة التي أدمنتها منذ سنوات.

الأخبارُ لا تنتظر ولا أدري من اخترعَ فكرة أنّ علينا معرفة كلّ ما يجري في العالم بأقصى سرعةٍ ممكنة. يفيضُ سيلُ المعلومات مُتدفّقاً يوميّاً من كلّ مكانٍ: من المواقع الإخباريّة والمحطات ومواقع التواصل الاجتماعي. ها نحنُ نعرفُ كلّ شيءٍ قبل أن ننطقَ جملة "صباح الخير"، ومع ذلك ما زالت مشكلات العالم قائمةً، لا بل وفي تفاقم مستمر. كلّ تلك السرعة في ضخِّ الأخبار العاجلة لم تزد من عمقِ معارفنا، ولم تبطئ تلوّث سنتمتر واحد على سطح الأرض، ولم تمنع حرائق الغابات ولا وقوع حربٍ، ولم تستطع إنقاذ طفل من مَجزرة.

لكنّ انتظاراتنا مُرهِقة أيضاً

في رحلةِ انتظارٍ مُملّة بدأَت منذ خمس سنواتٍ ونصف، أنتظرُ أن تدعوني محكمةُ الهجرة لتُقرّر إن كنتُ جديرةً بالحصولِ على إقامةِ البلدِ الذي لجأتُ إليه أو إن كان يتوجّبُ عليّ الرحيلُ إلى بلدٍ آخر. لم تسمح لي القوانينُ بمغادرةِ الحدودِ الأمريكيّة ولا حتى إلى الجارةِ كندا التي تبعدُ عنّي ساعة ونصف الساعة، تحديداً عند شلّالات نياغارا. أعملُ وأنتظر، أركضُ وأنتظر، أبكي وأنتظر، أكتبُ وأنتظر، يُخيّل إلي أنّ الانتظار باتَ غلوتين حياتي.

مُتربّعاً على عرشه، يجلسُ كرونوس جدّ الآلهة جميعاً مستمتعاً بمراقبتنا، الزمان، المولود من رحمِ الوجود، المُحتال المُقامر، بسلاحهِ الحظّ ولعبته الأماني، ليس لهُ من بدءٍ ولا نهاية. على كتفهِ يقفُ طيرٌ أبكم، ذاك هو الانتظار.
عندما كنتُ طفلةً انتظرتُ دائماً ظهور الصمغِ على سيقان الشّجر، كانت هوايتي المُفضّلة هي اقتلاعهُ وتشكيلهُ، منذ ذلك الحين تَشَكّلَ لديّ وعيٌ أوّليٌ بماهيّةِ الوقتِ والانتظار. انتظرتُ مجيء جَدّي كَي نجلس جميعاً على بساطٍ من الصوف الأحمر المُقلّم تَمده أُمّي تحتَ شجرةِ الزيتون، أضعُ رأسي على ركبتها وأستمعُ لما يقولون حتّى أغفو. لاحقاً، تَعلّمت انتظار عودتها من عملها عندَ مفرق الضّيعة لأحملَ عنها ما ثقل حمله، انتظرناها جميعاً حول المائدة لنتناول الطعام.
لكن أبي لم ينتظر أحداً يومَ رَحل، فالموتُ لا يفهمُ منطقَ الطير!

لكن أبي لم ينتظر أحداً يومَ رَحل، فالموتُ لا يفهمُ منطقَ الطير!

انتظرتُ خروج طفلتي ذات العامين من غرفةِ العمليات، استسلمتُ للزّمن الذي امتدّ بلا نهايةٍ ومَارَس أشدّ أنواعِ التعذيب داخل عقلي وأَجبَرني على الاعترافِ بأنّ وجودي لا يساوي شيئاً بدونها، ثمّ أخذ مني تَعهّداً، بألّا أحزن على شيء يصيبني إن هي خرجَتْ حيّة.

ثلاثُ ساعاتٍ كانت كفيلة لأُدرك أن: في الانتظار كما في الحبّ، الزمن لا يقاس إلا بالعَدَم.
انتظرَ آلافُ السوريين خبراً واحداً عن أحبّتهم المُغيّبين، ليس بالضرورةِ سارًاً، بل أيّ خبرٍ يَردمُ ثقب الجّحيم في دواخلهم، وما بردت سرائرهم.
ذاك ما أسمّيه "كيّ الانتظار"، ساديّتَه المُطلقة في حجبِ سكينة المعرفة وإجبارِ الشّعور على المكوثِ بغيبوبةٍ دائمةٍ بما يَشُّل الفعل ويُطفئ الرجاء.

"ثلاثيّة خطوة الزمن" هذا ما قاله شيلر على لسان كونفوشيوس، لا بدّ أن الانتظار رابعها.

حَدّثتني عَمّتي عن عَمّتها التي انتَظَرت موسم الحصاد لتحظى بفرصة الخروج لشراء ثيابٍ جديدة بعد أن عاقَبَها إخوتها بالحبسِ والضّرب لأنّ زوجها طَلّقها بحجّة مَرضِها.

انتظرتُ خروج طفلتي ذات العامين من غرفةِ العمليات، استسلمتُ للزّمن الذي امتدّ بلا نهايةٍ ومَارَس أشدّ أنواعِ التعذيب داخل عقلي وأَجبَرني على الاعترافِ بأنّ وجودي لا يساوي شيئاً بدونها، ثمّ أخذ مني تَعهّداً، بألّا أحزن على شيء يصيبني إن هي خرجَتْ حيّة

الانتظارُ رفيقُ الظّلم وشقيقُ اليأسِ وعرّاب الأحلام. ظلّ الأفكارِ في العتمة حيثُ يمتدّ الزمن أضعافَ ما هو عليه في الحقيقة، عن هذا يُخبرنا السجناء.

كلّ ما يؤجِله الانتظار يُغيّر من ماهيته وكلّ ما يُطلق سراحه يُظهر عيوبه. لكننا ننتظرُ الربيع ويأتي، والصيف والخريف والشتاء، كلّ شيءٍ في ميعاده يأتي، الطبيعةُ لا تخلف في مواعيدها، انتظارنا معها محدّد وواضح. كلّ ما عدا انتظار الطبيعة احتيال.

 الانتظار استسلامٌ لما قد يحدث أو لا يحدث

في الانتظارِ نفقدُ جزءاً منّا، فيهِ نفقد الشغف وندخل دائرة القلقِ حيثُ يعمل نفاد الصبر ميكانيكيّاً من دواخلنا عندما نركّز انتباهنا على ما هو خارجٌ عن سيطرتنا مع العجزِ عن فعلِ أيّ شيءٍ حيال ذلك، فيغمرنا الغضبُ وتردينا الخيبة. لكنّنا بقدرِ ما نشكو ونغضب ونأسف تستمر الأمور في وتيرتها تماماً كما فعلت وستستمر دائماً.
الوعيُ يقول إنّ النضج هو ألا ننتظر شيئاً، أن نفعل ما يَتوجّبُ علينا فعله وأن ننسى أنّنا ننتظر، لكن كيف نفعل؟
الوعيُ يقول إنّ النضج هو ألا ننتظر شيئًا، أن نفعل ما يَتوجّبُ علينا فعله وأن ننسى أنّنا ننتظر، لكن كيف نفعل؟ كيف نفلت من فخّ التوتّر الذي يَدفعنا إلى الرغبةِ بالتواجدِ في المُستقبل، كيف نَهرب من فخّ السرعة؟ من شباك الاستعجالِ ونفاد الصّبر في عالمٍ يدعونا كلّ ما فيه لأن نركض بأقصى سرعةٍ ممكنة مع رغبةٍ أن تحدث الأشياءُ عندما نريد وبالشكل الذي نريده.
"لا تُضيّع وقتي"، "أرسلْ لي التقرير على وجهِ السرعة"، "أسرع، لقد تأخّرنا!"، "لم يَردّوا بعد على إيميل العمل"، "أنا بحاجةٍ إليه الآن!"، "لماذا لم تتّصل بي بعد؟"؛ هذه عيّنة من محادثاتنا اليوميّة.
يقولُ السيّد القديم لاوتزو زعيم الطاوية إنّ الرجل إذا قام بأيّ عملٍ أفسدهُ باستعجالِ إنهائه. ويقولُ إيكهارت تول في كتابه "قوّة الآن" بما معناه أنّ سبب توتّرنا هو كوننا هنا ونريد أن نكون هناك. هذا يُعيدنا إلى الدوبامين وتأثيره على منطقةِ الإشباعِ والتلاشي، نريدُ هذا ثمّ حينَ نحصلُ عليه نريد ذاك الذي ليس معنا، وهكذا دواليك.
ألا يعني هذا أنّ مفاهيمَ أساسيّةً في حياتنا، كالحبّ على سبيل المثال، هي عكس طبيعة الإنسان لاشتراطها الديمومة ونكران الملل، أي الإخلاص مدى الحياة. هنا لابدّ إذاً من السؤال: كيف انتهينا للتصرّفِ على عكس طبيعتنا ونحن بشر مُتغيّرون؟!
وهل يمكنُ في المقابلِ تخيّل الحياةِ دون الحبّ والإخلاص؟ إنّها دائرةُ التناقضِ التي نحيا داخلها، تَعاقبٌ دائم، لكن هذا سؤال آخر، غير بريء على الأرجح، فإذا كان كلّ شيءٍ في الطبيعة مبنياً على الانتظار فلماذا إذاً "خُلق الانسان عجولاً"؟

انتظار الأحبة

في الفراقِ، تصيرُ المسافةُ ساحةَ الجريمةِ، والانتظار أداتها. في فضاءٍ واسعٍ للخيبة ننتظر أن تحدث معجزة ما، نمدُّ أيدينا أقصاها ننشدُ العناقَ الأخير،  ثمَّ لا نقبضُ إلا الريح. لن يـ/تصدّقَ الحبيبُ/ة أنّنا مجروحين لفقده/ا، حتى وإن ارتكبنا جريمةً بحقّ أنفسنا، مرةً تلوَ الأخرى نحترقُ وحيدين ليحيلنا الانتظار رماداً، يـ/تطردُنا الحبيبُ/ة من الرّغبة، نصيرُ حياديين، يـ/تترك لنا الذكرى، ويـ/تقول: افعل/ي بها ما شِئت.

تقول فيروز لنا إنّها انتظَرَت حبيبها في الصيف والشتاء، لكن اللقاء سيكون خلفهما، ولا ندري أين يقعُ بالضّبط ذلك المكان. والستّ أمّ كلثوم تقول معاتبةً حبيبها إنّها ملّت انتظاره ودموعها على خدّها تقيسُ غيابه بالثواني ومع ذلك لم يأتِ، لتدخل في تمني عدم الوقوع في الحب أبداً. رغم أنّ سيرة الستّ تفيدُ بأنّها امتلكتْ شخصيّةً "يصعب حبّها"، وبالتالي كانت أحقّ بالحبّ -حسب مفهوم سقراط-، لكنّ الواقع دائماً ما أجبَرها وأجبرَ مُحبّيها الكثر على الانتظار.

كانت حكايةُ الأجيال لتتغيّر بالكاملِ لو أنّ روميو انتظَرَ ليفْهمَ ما حدثَ لحبيبته قبل أن يشربَ السمّ. ولو أنّ فلاديمير وأستراغون لم ينتظرا غودو لربما جاءَ من تلقاءِ نفسه، لكنّ بيكيت أرادَ القولَ إنّ في الانتظار يمكنُ لأيّ شيءٍ ولكلّ شيءٍ أن يَحدث.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard