شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
آثار سلوكية للانتظار

آثار سلوكية للانتظار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 13 أكتوبر 202204:26 م

تندرج المادة ضمن ملف "الانتظار... رنينُ هاتفٍ في صحراء"، إعداد وتحرير تمّام هنيدي.


شغلت فكرة الانتظار حيّزاً كبيراً في تفكير المجتمعات تاريخياً، يُمكنُ ملاحظتُه في المساحة التي احتلّتها في النصوص الدينية والتقاليد الاجتماعية وعلومِ الفيزياء والفلك. والانتظارُ مفهومٌ مُرتبطٌ مشيمياً بالزمنِ، كارتباطهِ بالغيب. ذلك برغمَ أنّ الغيبَ اللامعلوم يمكنُ أن يكونَ مُدركاً، اتّساقاً مع العبارةِ التقليدية: "الله بالعين مانشاف، بس بالعقل اندرك". فهل الغيبُ لامعلومٌ دائماً؟

يرى عالم الفيزياء الأمريكي ميتشيو كاكو أنّ معظم النظريات حيالَ ما يجعلُ الأفرادَ ناجحين خاطئة، نظراً لأنهُ لم يتمّ التحقق منها، فتفاوت مُعدلّات الذكاء لدى البشر مثلاً ليس الحكم الفصلَ دائماً فيما يخصّ مستقبلهم، ذلك أنّ أشخاصاً كثيرين لم تكفِ معدلاتُ الذكاء المرتفعة لديهم ليحظوا بمسيرةٍ حياتيةٍ ناجحة على الصعيدِ العمليّ والعلمي، حتّى في حياتهم الشخصية، وصاروا مهمّشين في المجتمع، وفق رأي ميتشيو كاكو، الذي يرى في السياقِ ذاتهِ أنّ النظريّة الوحيدة التي أثبتت نجاحها هي تجربة المارشميلو (Marshmallow experiment).

يفوزُ من ينتظر

تجربة "مارشميلو ستانفورد" هي سلسلة من الدراسات أشرفَ عليها عالم النفس الأمريكي من أصل نمساوي والتر ميشيل، بالمشاركة مع البروفيسور إيبي إيبسون، الأستاذ في جامعة ستانفورد عام 1960، هدفتْ إلى سبرِ قدرة الأطفال على تأجيل رغباتهم. أجريت الدراسة على 600 طفل تتراوحُ أعمارهم بين 4-6 سنوات في حضانة Big nursery التابعة لجامعة ستانفورد، وكانت تقومُ على إدخالِ كلّ طفلٍ على حدة إلى غرفةٍ تخلو من أي أثاثٍ باستثناء كرسيّ للجلوس، أمامهُ طاولة فوقها طبقٌ بداخله قطعة من حلوى المارشميلو، أو البسكويت المخصص للأطفال، وإعطاء الطفل خيارين: أكل القطعة مباشرةً، أو الانتظار لخمس عشرة دقيقة والحصول على قطعتين.

أظهرت نتائج الدراسة آنذاك أنّ 400 طفل لم يستطيعوا كبحَ رغباتِهم، وتناولوا القطعة خلال دقيقتين أو ثلاث، بينما استطاع مائتا طفلٍ الانتظارَ لربعِ ساعةٍ والحصول على قطعتين.

ما يميّز أدمغة البشر عن أدمغة الحيوانات، هو أننا كبشرٍ نفهمُ الوقت، بينما الحيوانات فلا. تعيشُ الحيوانات في الحاضر، بينما يمتلك البشرُ القدرة على التخطيط للمستقبل

لكنّ اللافتَ هي الفكرة التي لمعت في رأس الباحثين عقب تلك التجربة بسنوات، حيث تمّت ملاحقة مصائر الأشخاص الذين خضعوا للتجربةِ حين كانوا أطفالاً، ليظهر إثر ذلك ما قالَهُ عالم الفيزياء ميتشيو كاكو: إنّ الأشخاص الأكثر قدرةً على الانتظار هم الأكثر نجاحاً في التحصيل العلمي والحياة العملية، حيث أنهم الأعلى دخلاً، وعلى الصعيد الشخصي، حيث أنّ معدلات الطلاق على سبيل المثال لديهم أدنى من أقرانِهم المُستعجلين.

فالأطفال الذين يريدون الحصول على المارشميلو فوراً بلا انتظار، يميلون إلى الطرق المختصرة في الحياة عامّةً، مع بذلِ جهدٍ أقلّ، ويفضّلون النجاح السريع، بحسب كاكو، الذي يضربُ آينشتاين مثالاً، فقد أمضى الرجل عشر سنواتٍ من حياته في محاولة إيجاد جوابٍ يتعلّق بسرعة الضوء.

يذهبُ صاحبُ "فيزياء المستحيل" أبعد من ذلك، فيرى أن ما يميّزُ أدمغةَ البشر عن أدمغة الحيوانات، هو أننا كبشرٍ نفهمُ الوقت، بينما الحيوانات فلا. يُميّزُنا ذلك الذكاء المتعلّق بالقدرة على إدراك المستقبل، أي أن أحداً لا يُمكنُ لهُ إقناعَ كلبِهِ الأليف بالانتظارِ ليوم أو يومين إضافيين للحصول على وجبة طعامه. تعيشُ الحيوانات في الحاضر، بينما يمتلك البشرُ القدرة على التخطيط للمستقبل أيضاً، علاوةً على قدرتهم على التذكّر، وهي أعلى بكثير من قدرة الحيوانات.

الطبقية والانتظار

أثارت تجربة المارشميلو زوبعةً في أوساط الباحثين آنذاك، وتمّت إعادتها مرّاتٍ ومرّات، نظراً لافتقارِها للتنوّع، ولقلّة عدد مبحوثيها. إلى أن قام تايلر وات (Tyler Watt) من جامعة نيويورك وعلماء من جامعة كاليفورنيا بإعادة التجربة على مبحوثين متنوّعي المشارب والظروف، فجاءت النتائجُ كما توقّع تايلر، فقد كان سلوك الأطفال مرتبطاً مع مجموعة من العوامل مثل مستوى الدخل وبيئة النشأة، مما يناقضُ قطعيّة النتائج في تجربة والتر ميشيل.

الانتظارُ والمستقبلُ صنوان، وإذا كان الثاني مُبهماً، أو مُحاطاً بانعدامِ الأمل، فإن الأولَ يصيرُ ضرباً من ضروبِ المُقامرة. فهل يُمكنُ إقناع أطفال المُخيّماتِ مثلاً بضبطِ سلوكهم تجاه الشهواتِ البسيطة تحت وعودِ المُستقبل؟ أيُّ مستقبل؟

نتيجةٌ دعمتها الباحثة الاجتماعية رانيتا راي (Ranita Ray) في كتابها The making of a teenagers service class الذي تصفُ فيه سلوك المراهقين ذوي الدخل المحدود، حيث خلُصت الباحثة إلى أن الوضع الاقتصادي السيء للأطفال ذوي الدخل المحدود لم يحُل دون إنفاقِ مدّخراتهم على الشهواتِ البسيطة، مثل الوجبات السريعة وتصفيف الشعر وعمليّات التجميل.

منطقُ النتائج يحظى بمقبولية معقولة، إذ إنّ مفهومَ المستقبل بالنسبةِ للطبقات الأشدّ فقراً يختلفُ أيّما اختلاف عنه لدى الطبقاتِ الاقتصادية الأعلى. سيفكّرُ الأطفالُ ميسورو الحال بأنّ انتظارَ ربعِ ساعة أو أكثر لن يكون سبباً في خديعتهم، ذلك أنّ بإمكان ذوي هؤلاء شراء علبٍ من الحلوى فيما لو كان في الأمر خدعة ما. وعلى العكس، فإنّ العصفورَ في يدِ الطفلِ المعوزِ مُفضّلٌ على عشر عصافير تستدعي انتظار نزولها من على غصن الشجرة!

الانتظارُ والمستقبلُ صنوان، وإذا كان الثاني مُبهماً، أو مُحاطاً بانعدامِ الأمل، فإن الأولَ يصير ضرباً من ضروبِ المُقامرة. فهل يُمكنُ إقناع أطفال المُخيّماتِ مثلاً بضبطِ سلوكهم تجاه الشهواتِ البسيطة تحت وعودِ المُستقبل؟ أيُّ مستقبل؟

الانتظار إذاً، يأخذُ معاني مختلفة تبعاً للمُنتظَرِ والمُنتظِر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard