شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"مأساتك سبّوبة"... أحزان ومشاعر وأيديولوجية جيل في أغاني "كايروكي"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأحد 9 أكتوبر 202203:02 م

كوينتن تارانتينو، مخرج أمريكي ارتبط اسمه في عالم هوليوود السينمائي بعدة مصطلحات مثل: الثورة، التمرد، التغيير، الجنون، الحرية، والإبداع، ولكنه حط رحاله مؤخراً في أغنية تحمل اسمه للفريق الغنائي الشهير "كايروكي" في أحدث ألبوماته "روما"، فكيف وصل إلى هناك؟

بكتب التاريخ على كيفي وبإحساسي

زي كوينتن تارانتينو هعلّم على كل نازي

في إشارة واضحة إلى فيلم "أوغاد مجهولون" Inglourious Basterds، يُشبّه أمير عيد، نجم "كايروكي" وكاتب الأغنية، نفسَه بالمخرج الشهير، الذي حقّق العدالة على طريقته من خلال الفيلم، وغيّر في صفحات التاريخ أمام الكاميرا، ليختار نهاية للزعيم النازي أدولف هتلر غير تلك التي حدثت بالفعل، ويحقق الانتقام من كاره اليهود بأيدي اليهود أنفسهم، ويشبع رغبة المشاهدين في الانتقام من الديكتاتور برؤية الرصاصات تخرج من مدفع رشاش، وتخترق جسداً ميتاً لشخص بغيض في مشهد ملحمي رائع.

ومثل تارانتينو، اختار عيد الخطَّ الموازي ولكن في عالم الأغاني، وقرَّر تدوين التاريخ الذي يتجاهله كثيرون، واختار موجة غير تلك السائدة ليصنع تاريخاً مختلفاً، ويعبّر عن أحلام، ومشاعر، وأيديولوجية جيل كامل ينتمي إليه بكل وجدانه، ويُسقط أقنعة الأفاقين والمضللين والمنتفعين، وينتقم منهم بواسطة أغانيه، ويتمرد على محاولاتهم الدائمة في القمع والسيطرة، وهو ما ظهر في الكثير من العبارات بأغانيه، مثل: "ناس سارقينا وعاملين منا"، و"مأساتك سبوبة بيأكلوا منها عيش".

وكما يحرص تارانتينو على تضمين مرجعيات للثقافة الشعبية داخل أفلامه، مثل تخصيص جمل حوارية لوصف شخصية "كينغ كونغ" في واحد من أشهر مشاهد "Inglourious Basterds"، أو حديث أحد شخصيات Pulp Fiction عن الفرق بين مطاعم ماك دونالدز الشهيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، اتبع كايروكي أيضاً النهج ذاته في ألبوم "روما"، لتحمل بعض أغانيه أسماء مثل جيمس دين، وجوني كاش، وروبرتو "روبرتو باجيو" فضلاً عن تارانتينو، ما يؤكد تأثره بهم، سواءً في مرحلة سابقة أو في المرحلة الحالية، ويكشف عن رغبته ليصبح مثلهم، سواءً في الواقع أو في مجرد حلم عابر، ويتخذ منهم رموزاً تعبر عنه، ويجد فيهم شركاء، ينتزعونه من وحدته في الحلم والألم والمصير.

"عزيز النفس مفيش نقص

والدماغ فيها Depth"

منذ بداياته كمخرج يكتب أفلامه بنفسه، وقد رسم تارانتينو لذاته أسلوباً فنياً فريداً، يميزه عن غيره من المخرجين، وتجلّى ذلك في ثاني أفلامه Pulp Fiction، الذي اعتمد فيه على عدم التتابع في طريقة سرد الأحداث، بشكل يتمرد على المألوف في ذلك الوقت، مما أحدث ثورة في عالم السينما، وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي.

واستمر تارانتينو يفاجئ جمهوره بأشياء غير متوقعة في كل فيلم يصنعه، مرة بتغيير التاريخ الأصلي، ومرة بمشاهد يتخللها حوار طويل يثير الإعجاب، ولكنه لا يمت لأحداث الفيلم نفسه بصلة، فضلًا عن استخدام ماركات خيالية لمنتجات يتكرّر ظهورها في بعض أفلامه، مثل سجائر Red Apple.

وعند كايروكي لا يختلف الأمر كثيراً، فبرغم أن الفريق قد بدأ عام 2003، فإن شهادة ميلاده الحقيقية صدرت بإطلاقه أولَ ألبوماته الغنائية بالتوازي مع حدث هز الشارع المصري، متمثلاً في ثورة 2011، ليعزز فكرة التغيير والتمرد، ويظل مرتبطاً بذلك الأمر في أذهان جمهوره.

اختار كايروكي موجة غير تلك السائدة ليصنع تاريخاً مختلفاً، ويعبّر عن أحلام، ومشاعر، وأيديولوجية جيل كامل ينتمي إليه بكل وجدانه، ويُسقط أقنعة الأفاقين والمضللين والمنتفعين، وينتقم منهم بواسطة أغانيه... "ناس سارقينا وعاملين منا"، و"مأساتك سبوبة بيأكلوا منها عيش"

وتوالت الأفكار الإبداعية مع كل ألبوم جديد يصدره الفريق، سواءً بكلمة غير مألوف ظهورها في أغانٍ مثل"الديناصور"، أو بلون شعبي مختلف عن طبيعة أغانيه مثل: "يخرب بيتك يا كيف"، أو من خلال تركيبة جديدة مثل"كان لك معايا" التي دمجت بشكل جمالي بديع بين موسيقى الفريق وبين مقطع شهير من أغنية لأم كلثوم.

وفي سياق متصل، نجد أن عالم تارانتينو السينمائي يعتمد بقدر كبير جداً على الخيال الزائد، أو المبالغ فيه في بعض الأحيان، لكنه ليس من النوع الذي ينفر منه الجمهور، بل يثير إعجابه ويعشقه، ليعيش بكامل كيانه داخل عالم ممتع بعيداً عن حسابات المنطق والعقل، ولو لبضع ساعات، حيث يمكن على سبيل المثال أن تخرج امرأة من قبر دُفنت فيه حية كما حدث في Kill Bill.

والخيال يحتلّ مساحة كبيرة في أغاني كايروكي أيضاً، فإذا ضاق العالم من حوله، الخيال متاح دائماً كوسيلة للهروب الآمن، لنسمع في بعض الأغاني جمل مثل: "لو بكرة نهاية العالم، هنزل أفوّل عربيتي، وآخدها وأعدّي عليكي ننزل نتفسح"، و"لو شُفت ديناصور أو بطريق ع الناصية وبيسكور، أنا مش هستغرب".

هحط عليك لو أنت راكب فيراري

وأنا راكب تاكس

لا تخلو أفلام تارانتينو من مشاهد كوميدية ساخرة حتى في مشاهد القتل، فالخلطة السينمائية عنده تكتمل بخلق حالة من العبث تتوج أكثر اللحظات دموية بكوميديا من نوع خاص. فعلى سبيل المثال، نجد رجلاً يتسم بالهدوء والاتزان في فيلم Jackie Brown، يطلق الرصاص فجأةً على امرأة أثارت أعصابه، وفي أثناء النهار داخل موقف سيارات مزدحم.

إذا ضاق العالم من حوله، الخيال متاح دائماً كوسيلة للهروب الآمن، لنسمع في بعض الأغاني جمل مثل: "لو بكرة نهاية العالم، هنزل أفوّل عربيتي، وآخدها وأعدّي عليكي ننزل نتفسح"

ومثله، اعتاد كايروكي على السخرية من الحالات والأشخاص والظروف التي تثير استياءه، حتى في أحلك الأوقات وأصعبها؛ ظهر ذلك في جمل من أغانيه مثل: "اللي صابغ شعره واللي عاملة حنة"، و"زيهم زي الدبانة شغالين زن زن زن".

أنا مش ضلمه أنا ضي

أنا مش صوت أنا حي

إذا تعمقنا في تحليل ألبومات كايروكي منذ بداياتها، سنجد أن كلمة "الحرية" من أكثر الكلمات التي يتم تكرارها في أغلب أغانيه.

الكلمة هي أصدق وصف للتعبير عن الفريق، وعن مطلبه الأول في الحياة، بل إنها تمتد لتصف أسمى مطالب جيله أيضاً، كما أنه يعلن من خلالها رفضَه لأي محاولات لقولبته داخل إطار فني محدد لأنه ببساطة "حر". فنجد عيد يشدو "في كل شارع في بلادي، صوت الحرية بينادي"، "كنتِ غيرهم... كنتِ حرة"، و"لو دي آخر أغنية ليَّ، هفضل أغني عن الحرية".

وبالطبع، "الحرية" وصف ليس بغريب على طبيعة الفن الذي يقدمه مخرجٌ غيّر التاريخ في أكثر من فيلم صنعه؛ فهو الذي وضع السلطة في يد عبد سابق لينتقم من المجتمع الأبيض، ويحرر زوجته من براثنهم في "جانغو الحرّ" Django Unchained، وهو الذي جعل امرأة واحدة تنتصر على 88 شخص يسعون لقتلها في أشهر مشاهد "اقتل بيل" Kill Bill، وهو من أنقذ الممثلة شارون تيت الحامل من واقعة مقتلها في آخر أفلامه "حدث ذات مرة في هوليوود" Once Upon a Time in Hollywood.

تارانتينو أخذ من السينما وسيلةً لتصحيح أخطاء التاريخ بطريقة تتحرر من أي قيود، ولا تلزمه بسرد الواقع كما حدث بالفعل.

كايروكي في "روما" حلّق بعيداً في زمن الأحلام، قطع تذكرةً إلى الماضي والبلاد البعيدة والخيال، بصحبة الأغاني القديمة والألوان الجميلة وأساطير الطفولة، واختار أن يعيش داخل فيلم سينمائي، لم يجد له مخرجاً أفضل من كوينتن تارانتينو. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard